متخصصون يطالبون بسدّ الفجوة بين البرامج الأكاديمية وسوق العمل

وظائف المستقبل وأولوية إعادة رسم نظام التعليم

لمشاهدة ملف "وظائف المستقبل وأولوية إعادة رسم نظام التعليم" بصيغة الــ pdf اضغط هنا

 

أضحى استشراف مستقبل التعليم الجامعي في الإمارات وسط التطور التقني الهائل والثورة الرقمية التي نعيشها، من أهم القضايا التي تحظى باهتمام الوسط التربوي والأكاديمي؛ كونه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأجيال القادمة، ووظائف المستقبل ونهضة البلاد، الأمر الذي يستلزم ضرورة إعادة رسم نظام التعليم الجامعي.

وقد بدأت العديد من الجامعات سعيها لتطوير مخرجات التعليم عبر تكريس منهج «التعلم مدى الحياة» و«المسار الأكاديمي المرن» بالإضافة إلى «دعم الكفاءات المتخصصة» كما وضعت الحكومة الرشيدة التعليم التقني والبحث عن مهن المستقبل ضمن أولوياتها باتباع سياسات ومناهج بحث وإجراءات يجري تطويرها بوتيرة متسارعة لإنشاء جيل قادر على مواكبة التطورات والتعامل معها بمهارة عالية في السنوات القادمة.

وسط هذه الظروف والتحديات يأتي الحديث عن ضرورة رأب الفجوة بين البرامج الأكاديمية والتدريب العملي والمعروف أكاديمياً بأسلوب «التلقين» من خلال ابتكار طرق تدريسية تتواءم مع المرحلة الجديدة، وتلبي احتياجات وطموحات الحكومات، عن طريق تسخير التكنولوجيا الحديثة ومواءمتها لخدمة العملية التعليمية، بهدف تخريج وصناعة الكفاءات المتخصصة في عالم الذكاء الاصطناعي، والبرمجيات، والهندسة، والفضاء، والتكنولوجيا، والبتروكيماويات، وغيرها من التخصصات التي تواكب الثورة الصناعية الرابعة القادرة على التعامل والتوافق مع سيطرة الروبوتات.

يؤكد الدكتور منصور العور رئيس جامعة حمدان بن محمد الذكية، على ضرورة ترسيخ مبدأ «التعلم مدى الحياة» وتوفير تجربة تعليمية من شأنها تأهيل جيل شاب قادر على دفع عجلة التنمية الشاملة، من خلال تمكينه وتطوير قدراته عبر منظومة متكاملة لدعم وتطوير الكفاءات الشابة، تماشياً مع «رؤية الإمارات 2021»، في بناء اقتصاد تنافسي بقيادة إماراتيين يتميزون بالمعرفة والابتكار.

وفي هذا الصدد قال إن جامعة حمدان بن محمد الذكية كانت سباقة في تعزيز نهج التعلم مدى الحياة كدعامة أساسية لإحداث تغيير إيجابي في العالم العربي، استكمالاً للإنجازات السبّاقة التي تقودها دولة الإمارات على صعيد إرساء دعائم متينة لإثراء المعرفة وترسيخ ثقافة التعلم الذكي في العالم العربي بما يتفق وأعلى معايير الجودة والابتكار، لبناء أجيال تتميز بالمعرفة والابتكار والريادة استلهاماً من الرؤية الثاقبة للقيادة الرشيدة.

وأوضح أن النموذج الذي تنتهجه الجامعة في نقل العلم والمعرفة، وهو نموذج «التعلم مدى الحياة»، الذي يقسم الدارسين إلى 3 أصناف على شكل هرم، وتحتوي قاعدة الهرم على الدارسين غير المنتظمين، وهم من يحضر ندوة أو مؤتمراً في الجامعة، ثم الفئة الثانية وهي فئة الدارسين الملتزمين، والثالثة فئة الدارسين المنتظمين الذين ينتظمون في أحد برامج البكالوريوس أو الماجستير. ويلفت العور إلى أن الجامعة طرحت كذلك برنامج ماجستير العلوم في إدارة الإبداع والتغيير بالكامل عبر الوسائط الإلكترونية، كأول برنامج ماجستير من نوعه في الإمارات، استناداً إلى ركائز متينة، قوامها التكنولوجيا الذكية والابتكار والجودة والبحث العلمي.

 

ويضيف: «نضع نصب أعيننا توفير التعليم الأفضل لمبتكري ومبدعي المستقبل، عملاً بتوجيهات سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، الرئيس الأعلى للجامعة، بتخريج شباب متمكنين من أدوات اقتصاد المعرفة، ومؤهلين معرفياً وابتكارياً لاستشراف وصنع المستقبل، وفق رؤية واضحة تستهدف توفير تجربة تعليمية فريدة، بإعادة هندسة مستقبل التعليم والتعلم عبر التكنولوجيا والابتكار والبحث العلمي، وهو ما يدفعنا إلى أن نطبق اليوم ما ستطبقه جامعات العالم بعد 10 سنوات، بالاعتماد على أدوات تعليمية جديدة تحاكي المستقبل».

ويؤكد التزام الجامعة السير قدماً على درب التميز في تقديم منتج تعليمي عالي الجودة، يواكب متطلبات استشراف وصنع المستقبل، من خلال بناء شراكة حقيقية مع الشباب وتفعيل دورهم في عملية صنع القرار ودفع عجلة الريادة في التعلم الذكي، بما يضمن تقديم مخرجات تعليمية تلبّي احتياجات العصر المعرفي. ويتابع العور: نفرد للتطوير المهني حيزاً كبيراً من جهودنا الحثيثة، لترجمة رسالتنا المتمحورة حول إعداد بناة وطن وقادة مستقبل، ورسل معرفة، مسلحين بالعلم والابتكار، ليكونوا الثروة الحقيقية التي تصبو إليها دولة الإمارات.

وعلى صعيد توظيف الابتكارات التكنولوجية في خدمة التعليم، كانت للجامعة محطة ناجحة في تطبيق نظرية الألعاب في تقييم الدارسين لتحويل التعلم إلى رحلة ممتعة.

تميز

من جهته، يرى الدكتور عبداللطيف الشامسي مدير مجمع كليات التقنية العليا أن النظام الأكاديمي في الكليات اليوم تم تطويره لدعم سوق العمل بالخبرات من الفنيين والمهنيين الذين يمثلون الشريحة الأكبر من احتياجات القطاع الصناعي، وذلك وفقاً «للهرم الوظيفي» لمؤسسات العمل والصناعة، فبقدر تركيز الكليات على تخريج المهندسين فإنها تولي أهمية لتخريج الفنيين والتقنيين والمشغلين.

ويشير الشامسي إلى أن تحقيق ذلك جاء من خلال تطبيق «المسار الأكاديمي المرن»، والذي يمكّن الطالب من الحصول على شهادة الدبلوم بعد سنتين، والحصول على الدبلوم العالي بعد ثلاث سنوات، وفي كلتا الحالتين يتخرج الطالب ويلتحق بسوق العمل لتلبية احتياجات القطاع الصناعي من الخبرات الفنية والتقنية، واكتساب الخبرة المهنية المطلوبة، ومن ثم العودة لمواصلة دراسته للحصول على البكالوريوس وهو يتمتع بالخبرة المهنية التي تدعم تخرجه في البكالوريوس بتميز واحترافية، وبالتالي تحقيق رؤية الكليات في تخريج قادة كل في تخصصه، فالخريج عندها سيتمتع بالخبرة الأكاديمية والمهنية والشهادة الاحترافية، ليمثل إضافة نوعية وقيادية في مجاله.

 

تغيرات متسارعة

بدوره، يقول محمد عبدالله مدير عام مدينة دبي الأكاديمية العالمية ومجمع دبي للمعرفة: تفرض التغيرات العلمية المتسارعة على العاملين في مجالات كثيرة مواكبة أحدث ما وصلت إليه العلوم، وخاصة في مجالات مثل الطب والتكنولوجيا، ناهيك عن المجالات الأخرى كلها، فإضافة إلى الأمور الاختصاصية ضمن كل مجال، هناك مهارات أصبحت تأخذ حيزاً متزايداً من الاهتمام، بل إن بعض هذه المهارات أصبحت أساسية لدى قطاع الموارد البشرية عند تقييمهم للموظف، وبعض تلك المهارات قد لا يحصل عليها المرء بالضرورة في الحياة الجامعية، مثل مهارات التواصل، والتعاون وبناء فريق متعدد التخصصات، وتعلم القدرة على التشاور بشكل فعال مع الآخرين، ومهارات القيادة، وإدارة الوقت، والموارد المحدودة، وقضايا الجودة وإدارة المخاطر، واكتساب المهارات اللازمة لتطوير وتنفيذ ورصد الاستراتيجيات.

كما أن بروز وسائل التواصل الاجتماعي وتأثيرها في الإعلام والتسويق فرض على قطاعات كثيرة ضرورة تعلم مهارات جديدة، كما أصبح المديرون مطالبين بتطوير مهارات الظهور على وسائل التواصل، ما يتطلب منهم التدريب على الإلقاء والتحدث أمام الكاميرات، تبعاً لعبدالله. ويضيف: تسعى مدينة دبي الأكاديمية دوماً إلى دعم تطوير الكفاءات في المنطقة والمساهمة في تحقيق رؤية حكومة دبي الهادفة للتحول نحو الاقتصاد القائم على المعرفة، وترجمة أهداف رؤية الإمارات 2021 في ما يخص قطاع التعليم، وإضافة لما تقدمه الجامعات من برامج تدريبية، عبر مراكز التعليم المستمر الموجودة في عدد كبير منها، فإن المؤسسات التدريبية والتعليمية في مجمع دبي للمعرفة تسد جزءاً كبيراً من حاجات دبي والإمارات في هذا المجال.

ويبين عبدالله أن هذا التنوع في الخدمات يكرس مدينة دبي الأكاديمية العالمية ومجمع دبي للمعرفة كوجهة للتعليم المستمر ليس داخل الدولة فقط ولكن في المنطقة، وحتى من دول بعيدة جغرافياً مثل الصين، حيث يشهد مجمّع دبي للمعرفة تزايد الطلاب والمهنيين الصينيين الراغبين في بناء مستقبلهم المهني في دبي، ويختار كثير منهم برامج دراسية تتيحها الشركات العاملة في المجمع، ولكونه مقراً لمعاهد تدريبية مرموقة وشركات موارد بشرية عالمية، يساهم مجمّع دبي للمعرفة في تلبية احتياجات قطاعات الأعمال، بفضل بما يوفره من برامج تدريبية وتطويرية للمختصين والمحترفين وما يضمه من شركات توظيف تشكل صلة وصل بين الكفاءات والشركات.

خطة

إلى ذلك أكدت عدد من الجامعات في مدينة دبي الأكاديمية العالمية جهودها الدؤوبة لرأب الفجوة بين قطاع التعليم والصناعة، وتوقعاتها للبرامج التعليمية المهمة في الأعوام العشرة القادمة للقطاع الصناعي في الدولة، مشيرة إلى أنها تخطط لإطلاق مساقات دراسية جديدة، تلبي الاحتياجات التعليمية للمرحلة القادمة، واحتياجات سوق العمل ذات الوتيرة المتسارعة في التغيير.

ويوضح الدكتور وجاهت حسين، الرئيس التنفيذي لمجموعة أميتي الشرق الأوسط، أن الجامعة تدرس باستمرار احتياجات سوق العمل لطرح المؤهلات والبرامج التي تحتاج الجامعة لإدراجها ضمن مساقاتها الدراسية لتسليح الطلبة بالمهارات اللازمة وتجهيزهم لسوق العمل، لمواكبة الأجندة الوطنية ورؤية الدولة.

ويتوقع حسين استمرار الطلب على الأتمتة إلى جانب المبادرات والبرامج الذكية والمستدامة في معظم نواحي الصناعة، لذا تحرص الجامعة على توفير المعرفة والأدوات والمعدات اللازمة، حيث أطلقت الجامعة مؤخراً برامج دكتوراه معتمدة في الهندسة والإدارة لمساعدة الطلاب والمهنيين على اكتساب مزيد من المعرفة وتأمين مستقبل أفضل.

ويرى الدكتور جون إيفانز، نائب رئيس جامعة كرتين بدبي أنه يتعين على الطلبة الاستعداد للوظائف التي ستسود خلال الأربعين عاماً القادمة، فيما يجب على الجامعات أن تعلّم الطلبة طرق استخدام التقنيات الحديثة والتفكير بطريقة علمية وهندسية، لأن جميع الوظائف التي ستقدم رواتب كبيرة في المستقبل ستتطلب تلك المهارات، حتى لو كانت خارج مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.

وحول المجالات التي ستحظى بطلب أكبر يوضح أنها كافة تخصصات الهندسة، وعلوم الحاسوب، وخاصة في مجالات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي وبلوك تشين وإنترنت الأشياء، والعلوم المتقدمة، والقانون، والطب، وبشكل عام، يجب على البرامج التعليمية أن تشمل الابتكار والفكر الابتكاري.

ويبين إيفانز أن الجامعة تعتزم إطلاق عدة مساقات دراسية جديدة خلال الأعوام العشرة القادمة، عقب البحث في التوجهات المحلية والدولية الرائجة في القطاع والاطلاع على أفضل الأبحاث حول توجهات التوظيف المستقبلية، ومن ثم يجري تحليل شامل لتقييم حجم السوق ومدى المنافسة فيه.

 

ويرى الدكتور كودي باريس، نائب مدير جامعة ميدلسكس دبي، أن الجامعة تركز على تصميم وإطلاق برامج جديدة، بالإضافة إلى تحديث البرامج الحالية لتلبية الاحتياجات الحالية والمستقبلية للطلبة، وللقطاعين العام والخاص في داخل وخارج الدولة، عدا عن مساهمتها في مجموعة متنوعة من المجالات مثل الروبوتات، وعلوم البيانات، والتسويق الرقمي والإعلام، والتنمية المستدامة، وسلسلة التوريد واللوجستيات، والقانون، والسياحة والضيافة، والتعليم، والقطاعات الإبداعية، إذ تقدم الجامعة أكثر من 60 برنامجاً للبكالوريوس والدراسات العليا لأكثر من 300 طالب.

من جانبه يقول البروفيسور كريستوفر أبراهام، رئيس فرع دبي لمدرسة إس بي جين للإدارة العالمية: نظراً لاهتمامنا بالتكنولوجيا المستقبلية، فإنه مع تركيز دولة الإمارات المتزايد على الابتكار وريادة الأعمال، لا بد للمؤسسات الجامعية من طرح برامج مرتبطة بهذه التخصصات.

كما يلفت جيمس تروتر عميد ورئيس جامعة مردوخ دبي، أن الجامعة أطلقت برامج الدراسات العليا في إدارة الرعاية الصحية العام الدراسي الحالي، حيث تم تصميمها لتسليح الاختصاصيين بالمهارات العالية في قطاع الرعاية الصحية، وتأهيلهم لشغل تلك الوظائف الإدارية الأساسية. كما تحرص «مردوخ»، وفقاً لتروتر على إدخال الدورات الجديدة للتعليم المستمر، مثل دورات الأمن السيبراني وإدارة الرعاية الصحية، كما تعتزم إطلاق برنامج البكالوريوس في علم النفس، باعتباره تخصصاً يشهد إقبالاً من العاملين في مجالات التسويق والإدارة والاتصال الاستراتيجي.

ويكشف كذلك عن عزم الجامعة تقديم المزيد من البرامج في تكنولوجيا المعلومات والأعمال، إدراكاً منها أهمية تطوير المختصين، ورفع مستوى مهاراتهم كي يتمكنوا من تحقيق أهدافهم المهنية على نحو أمثل. ويؤكد تروتر عزم جامعة «مردوخ» بدبي على إنشاء مجالس استشارية للدورات التي تقدمها تضم خبراء في الصناعة لتقديم مقترحات للدورات وتعد نقطة تواصل حيوية بين الأكاديميين والطلاب والمجتمع الذي تسعى لخدمته.

ويعد بهارجاف بوسا، مدير الشؤون المالية والإدارية، في كلية المملكة المتحدة لإدارة الأعمال والحاسوب، أنه مع تقدم دولة الإمارات، فإن البرامج التعليمية التي تركز على تنمية المهارات والتعلم المستمر ستعزز بشكل كبير من تنمية المواهب، وستضيف برامج أكثر تخصصاً في الأعمال وتكنولوجيا المعلومات والهندسة بالإضافة إلى عروض ديناميكية للطلاب الراغبين في مواصلة التعليم العالي ولا سيما أن الدولة تهدف إلى توسيع قطاعات الخدمات، ويرى أنه خلال السنوات العشر القادمة، لا بد من تركيز البرامج على تعلم مهارات مكان العمل لتجهيز الخريجين للوظائف القادمة.

وحول الاحتياجات التعليمية، يتكلم بوسا: تحتاج دولة الإمارات إلى إعداد 10 كوادر من ذوي المهارات المهنية مقابل كل خريج جامعي لضمان اقتصاد مستدام ومتنوع قائم على المعرفة؛ لذا يجب تسليح الطلبة بالمهارات وتجهيزهم لممارسة الأعمال لضمان الانخراط في العمل وزيادة الإنتاجية.

وفقًا لتقرير صادر عن ماكينزي ، فإن الموظفين الذين يملكون مهارات الـ (STEM) سوف يزداد الطلب عليهم في سوق العمل في المستقبل، وهو ما يعني أهمية تعزيز الاهتمام بدراسة هذه المواد لدى الطلبة.
 وفي هذا الجانب، قال هيثم صلح أستاذ الرياضيات في الجامعة الأمريكية في دبي: من الهام التركيز على التعليم الذي يعتمد على المشاريع والأمثلة المرتبط بالواقع ليس فقط على مستوى الجامعة وإنما من المراحل التعليمية المتوسطة للطلبة في المدراس. إذا فهم الطلاب أهمية  مواد الـ (STEM)، العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وكيف ترسم حياتنا وتقدمنا العلمي، فإنهم سيتجهون لدراستها بشغف. وأيضا تجدر الإشارة إلى أهمية إعداد وتدريب المعلم بشكل ممتاز من المدرسة الى الجامعة لأن ذلك ينعكس على فهم الطلاب وبالتالي حبهم للمادة الدراسية.  

ويرى صلح أنه يجب عدم التركيز على الامتحانات والنتائج من جميع أطراف العملية التعليمية، ولا سيما أن بعض الدراسات أثبتت أن الدراسة تكون فقط من أجل الاختبار ونادراً ما تساهم في تمكين الطلبة من استيعاب الدروس، إذ تطغى ثقافة «جمع العلامات»، بدلاً من التعلم الفعلي للمحتوى وتطبيقه. وختم بقوله: إن قيادة دولة الإمارات تحفز الطلاب وتشجعهم على الإبداع والابتكار في التعليم والتعلم.

 تربويون: تعزيز «المهارات الناعمة» لدى الطلبة ضرورة حتمية

أكد تربويون أهمية تأهيل الطلبة منذ المراحل الدنيا في التعليم، وتعزيز مهاراتهم الخاصة بالقدرة على المرونة والتكيف مع التغيير، خاصة أننا مقبلون على مرحلة ستتبدل فيها الوظائف والمهارات اللازمة لسوق العمل بشكل كبير، لافتين إلى أن تعزيز «المهارات الناعمة» أي القدرة على التكيف مع التغيير لدى الطلبة من متطلبات القرن الحادي والعشرين، وهي ضرورة حتمية.

وحول ذلك يشير محمد قطب أستاذ حاسوب في مدرسة الصفا الثانوية، إلى أهمية تركيز وزارة التربية والتعليم على تعزيز المهارات التقنية لدى الطلبة، من خلال تضمين المناهج الدراسية لها وربطها باستخداماتهم من واقع حياتهم اليومية لمحاكاة التطور التكنولوجي الهائل، الذي ألقى بظلاله على العملية التعليمية، مضيفاً أن سوق العمل يحتاج إلى تسليح الطالب بالمهارات التقنية التي تزيد من فرص مزاولته لمختلف أنواع الوظائف المستقبلية.

وأكد المعلم أوس الزعبي مدرس مادة «الإبداع والابتكار» بمدرسة الصفا الثانوية للبنين أهمية تنمية مواهب الطلبة وجعلهم منفتحين على العالم ومواكبين للتطورات الحاصلة، لا سيما أن العالم يتجه نحو التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطباعة ثلاثية الأبعاد وهو ما يتطلب توسيع مدارك الطلبة.

وأردف أن مادة «الإبداع والابتكار» تؤهل الطالب للمراحل الأولى من الجامعة للتخصصات العملية مثل هندسة العمارة والكهرباء والميكانيكا والحاسوب ومادة التصميم الداخلي.

ولفت إلى أهمية التركيز على المهارات الناعمة مثل حل المشكلات والتفكير الناقد واتخاذ القرارات والعمل الجماعي التي سيحتاجها الطلبة وتكون سلاحهم في المستقبل للتعامل مع تغيرات سوق العمل، مشيراً إلى أنه يجتهد في تنمية هذه المهارات لدى الطلبة من خلال المشاريع الطلابية في الفصل التي ينفذها الطلاب في مجموعات، بهدف تعزيز العمل الجماعي.

مبادرات

أطلقت هيئة المعرفة والتنمية البشرية بدبي عدة مبادرات لتعزيز المهارات المستقبلية لطلبة المدارس الخاصة في دبي بما يواكب الثورة الصناعية الرابعة واستشراف مستقبل الوظائف، بالإضافة إلى دعم المبادرات الاتحادية والمحلية وثيقة الصلة بتطبيقات STEM ومن بينها مهرجان بالعلوم نفكر.

كما أطلقت ملتقيات مبادرة معاً نرتقي والتي تركز على تطبيقات أداة STEM للعلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في منظومة التعليم المدرسي بدبي، حيث تم استعراض حزمة من الممارسات الواقعية في مدارس دبي تشاركها مع المدارس الأخرى.

وتعد أندية سبت دبي من المبادرات المهمة في المجال وهو برنامجٌ تعليمي ممتعٌ ومشوق لطلبة دبي من عمر 12 إلى 15 سنة، يهدف إلى تعريف الطلبة بوظائف المستقبل وتنمية مهارات القرن 21 وتعزيز شغفهم وتعلم المهارات التي يحتاجونها.

عالمنا يتغير

تقول ميثاء علي مسؤولة مبادرات العطاء في هيئة المعرفة والتنمية البشرية بدبي إن عالمنا يتغير بوتيرة متسارعة في جميع القطاعات، ومن بينها قطاع التعليم، لاسيما فيما يتعلق بتطبيقات التكنولوجيا الرقمية في أنظمة التعليم من جهة، وفي أسلوب حياة المجتمع من جهة أخرى، حيث يتوقع الكثيرون على سبيل المثال وجود المعلم الروبوت في المستقبل القريب، بحيث يكون قادراً على تلبية الاحتياجات الفردية للطلبة بغض النظر عن عدد الطلبة المتوقع تواجدهم داخل الفصول الدراسية.

وتضيف: إذا كانت نقاط القوة لدى البشر تفوق ما تملكه التكنولوجيا، فإنه علينا كتربويين التركيز على هذه القوة، وإعادة النظر في الغرض من التعليم في وقتنا الراهن، ففي المستقبل القريب، لن يتمكن الطلبة من الدراسة من خلال أداة STEM للعلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، دون معرفة القيم الأساسية، والتي تستند إلى «الإبداع والأصالة والمسؤولية والتعاطف»، وهي سمات تشكل القيم الإيجابية التي ستكون الأساس للبناء عليه في عالمنا، والغرض من التعليم سيكون لإرسال أطفالنا إلى هذا العالم الجديد، حيث يتعلمون كيفية العيش بسلام مع أنفسهم ومع بعضهم البعض.

%65

وفقاً لتقرير دولي حول مستقبل الوظائف، صدر عن منتدى القمة العالمية للتعليم العام 2016م، فإن 65% من الأطفال الذين يتلقون تعليمهم في المرحلة التأسيسية سوف ينخرطون في وظائف جديدة لم تأتِ بعد، لذا فإن المهارات التي نعلّمها للطلبة اليوم هي التي ستضمن الإعداد الأمثل لهم ليكونوا جاهزين للمستقبل.

ويشير التقرير إلى المهارات الأكثر احتياجاً لطلبة اليوم بحلول العام 2020م، وتشمل الابتكار والتصميم وريادة الأعمال والتكنولوجيا وجودة الحياة.

يرافق هذه التغييرات بالوظائف سلسلة من التحديات للطلبة الذين سيدخلون سوق العمل، مما يجعل الحاجة ملحة لتحصينهم بمهارات تواكب أحدث متطلبات السوق لتأمين فرص عمل لائقة لهم.

 

التفكير النقدي المهارة الأكثر احتياجاً بحلول 2020

تقول ليال أيوب مساعد محاضر إعلام في جامعة عجمان، إن الدراسات الحديثة ترى بالتفكير النقدي مهارة من أكثر المهارات التي يحتاجها المجتمع وسوق العمل بحلول عام 2020، ولمواكبة موجة التطور التكنولوجي، باشرت المنظومات التعليمية إدخال التكنولوجيا إلى داخل الصفوف ولكن هذا ليس كافياً، إذ يجب تطوير المنظومة التعليمية بأكملها لتواكب متطلبات سوق العمل، وهناك أكثر من محاولة للتعديل، ومن بينها فكرة التعلم المتمحور حول الطالب، وتحول دور الأستاذ من ناقل للمعرفة إلى محفز ومشرف ومسهل للتعلم التفاعلي والإبداع.

وتابعت أيوب: هناك حاجة ملحة لإعادة رسم ملامح نظام التعليم التقليدي حول العالم كونه النظام نفسه الذي صمم للثورة الصناعية قبل مئات السنين، فقبل عصر الإنترنت، كان الطالب يعتمد على مناهج الكتب وشرح الأستاذ فقط، فيما تطورت هذه الوسائل، كما أصبح سوق العمل أكثر تخصصاً، مما يحتم على الطالب أن يتبنى مستوى أعلى من التفكير والتحليل والاستنتاج والإبداع وخلق حلول واتباع منهجية البحث العلمي.

وأضافت، أنه لابدّ من التركيز على عنصرين أساسيين وهما إضفاء الطابع الشخصي على التعلم والرقمنة للمساهمة في دفع عجلة قطاع التعليم نحو النجاح، ويوفر للطلبة خيارات حول كيفية التعلم بناءً على اهتماماتهم وقدراتهم وتوصيات المعلم.

 

تحولات تدعم رؤى الإمارات

يشدد البروفيسور عمار كاكا بروفوست، رئيس جامعة هيريوت وات بدبي على أن التحول القادم سيركز على البرامج التعليمية التي تدعم الرؤى الحالية والمستقبلية للدولة، والتي تتضمن تطوير التنافسية العالمية واقتصاد المعرفة المستدامة، لذا تعتزم الجامعة مواصلة توفير المعارف اللازمة لعملية التطور الاقتصادي التي تشهدها المنطقة، وتحرص على تقديم برامج تركز على تطوير قدرة الطلاب على الابتكار، والتقدم بمهارات ريادة الأعمال، لافتاً إلى عزم الجامعة زيادة برامج الأبحاث والدكتوراه في الجامعة، ويشمل ذلك خيارين إضافيين لشهادة الدكتوراه في الهندسة بالشراكة مع القطاعات المعنية.

ويشير بروفوست إلى حرص الجامعة على مواءمة المعرفة التي يقدمونها مع رؤية الإمارات المستقبلية، وتوفير ما هو مطلوب لإحداث التأثير ومعالجة التحديات العالمية، ومن تلك المعارف العلوم الهندسية، والأعمال والتصميم، ومؤخراً، أطلقت مجموعة دورات، من بينها برنامج ماجستير الأعمال المصرفية والتمويل الإسلامي، والتي تأتي في إطار خطة عمل واسعة النطاق ضمن استراتيجية الجامعة للتعليم المستمر.

ويكشف عن سعي الجامعة لابتكار المعرفة وإطلاق برنامج جديد في برنامجي البكالوريوس والماجستير في الذكاء الاصطناعي، بصورة تنسجم مع المناخ الاقتصادي الحالي في البلاد، وتتماشى مع التطورات التي يشهدها عالم الإبداع والتصميم، وتسهيل الحصول على المعرفة اللازمة لتعزيز نمو الأعمال المستقبلي في القطاعات الإبداعية.

ويبين أن الجامعة تحرص من خلال علاقاتها القوية مع الجهات الحكومية، للحصول على توجيهات إرشادية حول نقص المهارات، لضمان توفيرها.

 

إطلاع الجامعات على سوق العمل يساعدها على اختيار برامجها

أشارت رندة بسيسو، مديرة مركز الشرق الأوسط لجامعة مانشستر إلى التواصل المستمر للجامعة مع الهيئات المهنية الإقليمية، والمجموعات الصناعية والشركات، وخبراء الموارد البشرية وغيرهم، بهدف الاطلاع الدائم على المهارات الجديدة اللازمة لسوق العمل، ما يساعدها على اختيار برامجها الجديدة بما يدعم أهداف النمو والتطور لبلدان المنطقة.وأضافت إن الجامعة حددت مجموعة قطاعات صناعية بالمنطقة تحتاج إلى مهارات إضافية، كما ركزت على المهارات القيادية التي ستحتاجها عمليات التحول الرقمي الناجحة، والتنويع السريع في اقتصاد الإمارات، لذا أطلقت برامج ماجستير بدوام جزئي للمهنيين المحترفين في المنطقة ضمن مجالات قيادة الرعاية الصحية العالمية، والموثوقية الهندسية وإدارة الأصول.

وقالت إن الجامعة توسعت بدورات التعليم التنفيذي القصيرة لتشمل بعضاً من المهارات الإدارية الرئيسية، مثل الابتكار والإبداع والتفاوض والقيادة، كما أطلقت برنامج مانشستر لتطوير الإدارة والمخصص للمديرين في المراحل الانتقالية، فضلاً عن برنامج الماجستير بدوام جزئي في إدارة الأعمال الدولية، والذي يشهد نجاحاً كبيراً منذ إطلاقه في المنطقة عام 2006، واستفاد منه أكثر من 2400 طالب.

وكشفت عن أن الجامعة توفر فرصاً تعليمية وتدريبية عالمية المستوى للمهنيين المحترفين في المنطقة، إضافة إلى مئات البرامج الأخرى التي تقدمها الجامعة، مثل ممارسة القيادة التعليمية، وأخلاقيات الرعاية الصحية والقانون، وإدارة المشاريع، والمعلوماتية وغيرها.

 

طلبة: غياب الواقع العملي يؤرّقنا

في الوقت الذي يعد التغير التكنولوجي من المحركات الأساسية للنمو والتنمية، فإن التغيرات التكنولوجية الطارئة على سوق العمل ستؤدي إلى إلغاء بعض الوظائف، وخلق وظائف جديدة، وتعديل شكل بعض الوظائف الحالية، وهو ما جعل طلبة يؤكدون أن المشكلة التي تؤرقهم غياب الواقع العملي «المهني» عن ما يدرسونه في جامعاتهم.

ويقول عبد الله الخال طالب ماجستير في برنامج الإراسموس موندوس للصحافة والإعلام والعولمة، إنه وجد أن الدراسة الأكاديمية ركزت على الوسائل التقليدية لإنتاج المحتوى سواء المطبوع أو المرئي أو المسموع، بينما تتجه معظم وسائل الإعلام الآن للمحتوى الإلكتروني، لذا يجب على الجامعات أن تواكب هذا التوجه وأن تقوم بتدريب الطلاب على المهارات التقنية المطلوبة لإنتاج المحتوى الإلكتروني لتسهيل حصول الطلبة على وظائف في سوق العمل عقب التخرج.

ويضيف الخال: يفاجأ الخريج بأن أغلب المعلومات التي استوعبها لا تجدي نفعاً في أرض الواقع العملي، مطالباً المؤسسات التعليمية بتدريب طلبتها على التفكير النقدي ليتمكنوا من الإبداع، لافتاً إلى أهمية دراسة المساقات الفرعية لتأهيل الطالب في مجالين مختلفين، لا سيما أن هناك العديد من الوظائف التي تتطلب إلمام الموظف بعدة مجالات، وهو ما يفتقده الكثير من الخريجين.

وترى ميثاء الحوسني طالبة ماجستير في الجامعة الأمريكية في دبي، ضرورة أن تتضمن المنظومة التعليمية محوراً رئيساً في غرس المهارات الأساسية التي يحتاجها الطالب خلال المرحلة الدراسية لتستمر مسيرة تطوير المهارات تدريجياً، كما يقع العبء على أولياء الأمور في غرس مهارة «حب التعلم» و«الاكتشاف» لدى أبنائهم منذ الصغر، ليتمكن من اكتساب كل ما هو جديد بشكل تلقائي لاحقاً.

‏‏‏وأوضحت أن التخصص الذي تدرسه، وهو العلوم الإنسانية والأدبية، لم يعد يحظى بالأهمية ذاتها في السابق، لا سيما مع ظهور نظريات ومصطلحات جديدة كالذكاء الاصطناعي والبرمجيات الرقمية، لذا تعد المرونة والقدرة على التأقلم مع كل جديد من أهم العناصر التي يجب تعليمها للطلبة.

وعلى المستوى العالمي، تشهد التطلعات المستقبلية نحو التعليم والمهارات تزايداً يوماً تلو آخر، ويتوقع أصحاب الأعمال والشركات في العالم أن يكون خريجو الجامعات قادرين على المساهمة الفورية بمجرد التحاقهم بالعمل، ويبحثوا عن موظفين قادرين على التكيف، ومستعدين لمواصلة التعلم لذا تسعى الجامعة إلى تلبية هذه المتطلبات من خلال تقديم دورات متخصصة في تطوير الحياة المهنية والشخصية وتأهيل خريجين قادرين على مواكبة المتغيرات، كما ذكر تروتر.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات