احتفاء بالعلم والمدرسة والقلم والدرس

عارف الشيخ

نعم للمدرسة وللتعليم، ولبيك ولي أمرنا، وما أسعد الطالب الذي يستقبله في بداية العام الدراسي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله. وقبل شهرين كان سموّه قد هنّأ طلبة المدارس بالنجاح، وبارك للعشرة الأوائل عبر الاتصال بهم فرداً فرداً، فكم أسعد بذلك الآباء والأمهات.

هذا الاحتفاء من سموّه بالعلم والمدرسة والتعليم والقلم والدرس، يرافقه اهتمام مماثل من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، فكلا الشيخين يبني مستقبل الدولة على العلم، وكلا المحمَّدين مُدرك تماماً أن العلم رأس المال، والعدل أساس الملك، كما يظهر في الصورة من خلال الكلمة التي كتبها سموه وهو تلميذ.

نعم، بالأمس قال المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسِّس الاتحاد طيّب الله ثراه: «إن الشباب هو الثروة الحقيقية، وهو درع الأمة وسيفها والسياج الذي يحميها من أطماع الطامعين». وما أجمل أن يتسلَّح الشباب بالعلم أولاً، ويحموا أنفسهم من الجهل قبل أن يحموا البلاد من أطماع الطامعين.

وقبل أن نتعمّق في قصيدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، يجب علينا أن ننكبّ على الصورة المنشورة لصاحب السمو ومعه سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، رئيس المجلس التنفيذي، وحولهما تلميذات المدارس. هذه الصورة معبّرة جداً عن شغف أبناء الإمارات بالعلم والتعلّم، بفضل تشجيع ولي الأمر لهم، والدليل هذه الصورة التي يبدو فيها صاحب السمو ووليّ عهده، وهما يتابعان بكل اهتمام كيف ترسم هذه الوردات مستقبل العلم على خارطة دولة الإمارات بأيدٍ وطنية.

وتدلّ الصورة أيضاً على أن المستقبل للمرأة في دولة لم تفرّق بين الذكر والأنثى، لا في حق التعليم ولا في حق العمل، منذ أن وضع الشيخ زايد أول لَبِنة لصرح الاتحاد المجيد. وقد علّق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد على الصورة قائلاً: «غداً يبدأ عامنا الدراسي ونستأنف رحلة التعليم لأكثر من مليون طالب في وطننا». ثم قال سموّه: «كلمتي لهم: مدرستك تبنيك لتبني وطنك، تُعطيك علماً لتُعطينا أنت مجداً، من صفوفكم تبدأ أحلامنا وأحلامكم، وعلى دفاتركم تسطّرون مستقبل بلدكم، بكم يعلو الوطن فاجعلوا مدارسكم وطناً لكم، وفّقكم الله».

هكذا وجّه سموّه كلمته الأبوية الحانية إلى أبنائه وبناته، لكن انتبهوا إلى قوله: «غداً يبدأ عامنا الدراسي»، وإلى قوله «نستأنف»، فالذي يقضي العام في التعليم والدرس ليس الطالب وحده، وليس هو وحده يستأنف رحلة التعليم، وإنما الطالب، والمعلّم، والحاكم معهم.

بهذه العبارات القليلة الموجزة يبين لنا سموه أن الدراسة مزيج من الحب والعاطفة والإيمان والوطنية والانتماء والتضحية والشراكة في البناء والدفاع والاستثمار النافع والإنتاج واستغلال الوقت واغتنام الفرص والفخر والاعتزاز والتفاني والفداء.

ومن هنا نفهم أن التعلُّم والتعليم آمال، والطلبة هم محط هذه الآمال، والحاكم بعد عون الله تعالى هو محقق هذه الآمال. وكما كان شاعر الرسول، صلى الله عليه وسلم، حسان بن ثابت، رضي الله عنه، ينافح عن الإسلام، والرسول من خلفه، يقول له: «قل وروح القدس معك»، فإن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، يحض الطالب ويحض المعلّم، فيقول: استأنفا عامكما الدراسي ونحن معكما، نلبّي طلباتكما وطلبات المستقبل التي لم تعد طبشورة ومسطرة ودرجاً وورقاً، وإنما عزم على الصعود إلى المريخ بسفن فضاء إماراتية.

وبالمناسبة فإن صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، أكَّد في كلمته عن التعليم أنه يجب التزوّد بالعلوم الحديثة والمعارف الواسعة، والإقبال عليها بروح عالية ورغبة صادقة على طرق مجالات العمل كافة، حتى تتمكَّن الإمارات خلال الألفية الثالثة من تحقيق نقلة حضارية واسعة.

ومن أقوال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد: «مستقبل الأمم يبدأ من مدارسها، وتطوير التعليم عملية حتمية وليست اختيارية، وتحتاج منا للإصرار ولا مجال للأعذار».

أما صاحب السمو الشيخ محمد زايد آل نهيان، فقال: «إننا مطالبون بالعمل سوياً من أجل تحويل مجتمعاتنا من مجتمعات مستهلكة للمعرفة إلى مجتمعات منتجة لها، بحيث تكون هذه المعرفة ملبِّية للاحتياجات المستقبلية».

ويقول سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية والتعاون الدولي: «نحن اليوم بصدد تطبيق الأنظمة التعليمية المتقدمة التي تؤهّل أبناء الإمارات للمنافسة العالمية، ليصبحوا روّاداً في تصدير العلوم، ولكي يتطوّر هذا المجال ولنحقّق هذه الأهداف فإننا نحتاج إلى قفزات خارجة عن الإطار التقليدي، ثم يقول: «هدفنا حصول علماء الإمارات وأدبائها على جائزة نوبل». والآن دعونا نقرأ قصيدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، وهو الشاعر الذي لا يقول الشعر من غير مناسَبة، ولا ينطق إلا عن حكمة مناسِبة (بكسر السين)، ففي قصيدته يقول:

الـمـدرسه مـاهـي مـلاعـب وجــدران

                                الــمـدرسـه فــكــر وعــلـوم ومـعـانـي

هي تصنع الإنسان ويصير إنسان

                                يـنـفـع بـلـمـه ويـنـتـفع مــا يـعـاني

والـفكر لـه تـأسيس واضـح وبـنيان

                               ودور الـمـعـلم دور صــانـع وبــانـي

ومن أجل ذلك فإننا نقرأ في ملامح خطة وزارة التربية والتعليم لعام 2018 ــ 2019 أن التعليم أولويّة الوطن، ونقرأ في التوجّه الاستراتيجي للوزارة لعام 2017 ــ 2021 أن الرؤية هي تعليم ابتكاري لمجتمع معرفي ريادي عالمي. والرسالة: بناء وإدارة نظام تعليمي ابتكاري لمجتمع معرفي ذي تنافسيّة عالمية يشمل كل المراحل العمرية، ويلبّي احتياجات سوق العمل المستقبلية، وذلك من خلال ضمان جودة مخرجات وزارة التربية والتعليم، وتقديم خدمات متميزة للمتعاملين الداخليين والخارجيين. إذن فإن مهمّة الوزارة مهمة شاقّة، ووزير التربية والتعليم كان الله في عونه، لأنه أمام تحدٍ كبير فعلاً، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، يؤكِّد في قصيدته بالقول:

والـعـلم رأس الـمال بـه رفـعه وشـان

                          بــه نـكـسب الـجـوله بـيـوم الـرهـان

وهذا التحدي لي به إتقوم الأوطان

                          ويــوصــل الــدولــه لأعــلـى مــكـان

ولكي تستطيع وزارة التربية النجاح في مهمَّتها، على المجتمع بكل فئاته أن يرتقي إلى مستوى الشعور بالمسؤولية، فيتحمّل جزءاً من هذه المهمة الصعبة.

نعم... قد تُفاجئ الوزارةُ المجتمعَ بكثير من قراراتها وخطواتها التي تبدو غريبة، ولكن لا مفر منها وهي قدرنا اليوم، وليس أمامها خيار آخر، ولا أقول للمجتمع إلا: دعوها فإنها مأمورة، وقد قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد مراراً: «تغيَّروا وإلا فتُغيّروا (بضم التاء)». وقال سموه أيضاً: إن لم تكن في الطَّليعة فأنت في الخلف، وإن لم تكن في المقدمة فأنت تتنازل عن مكانك الطبيعي لصالح منافس آخر ربما كان أقلّ منك مقدرة واستعداداً وإبداعاً.

وبعد أن قدّم سموّه هذه الإضاءات في طريق الطلبة والطالبات في صباح افتتاح العام الدراسي 2018 ــ 2019 قال:

وأنــا مــع مـحـمد مـعـاكم يـا شبان

                           نــبـذل ونــدعـم جـهـدكـم بـامـتـنان

ونـقـول ف أول يــوم ونـحـط عـنوان

                           الــعــزم ع الأول ولا نــريــد ثــانـي

هذه القصيدة نظمها صاحب السموالشيخ محمد بن راشد على نمط «التغرودة» الذي يقوم على أبيات ذات روي موحّد في نهايات جميع أشطر القصيدة، ويكون كلّ شطر فيها بيتاً مستقلاً، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على شاعريّة سموّه، فهو ملمّ بكل البحور والقوافي النبطية، ومتمكّن منها جميعاً، لذلك ينوّع ليُمتع أسماعنا وأبصارنا بأسلوبه الحضاري الذي فيه روح الابتكار والتجديد، مع المحافظة على التقليد الموروث.

كما أن القصيدة تنبئ أيضاً عن جدّية وزارة التربية والتعليم في المضي قدماً في خطّتها النهضوية التجديدية، فهي مُكلّفة بإحداث تحوُّل جذري في مقومّات وشكل التعليم في المدرسة الإماراتية في الدولة.

وإننا نقرأ فعلاً في ملامح الخطة أن خريج المدرسة الإماراتية من سماته الشخصية أن يكون قيادياً واثقاً بنفسه شغوفاً بالمعرفة. ومن سماته المعرفية أيضاً أن يكون فعَّالاً في المجتمع بأبعاده التقليدية والمعاصرة، ومن سماته المهارية أن يكون مبدعاً ومفكّراً ومتعاوناً ثنائي اللغة متمكِّناً من التكنولوجيا. وكيف نحقق هذه الرؤى إن لم نؤمن بالتغيير؟

أقول شكراً لشاعرنا الكبير صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد على هذه القصيدة التنويرية، وشكراً على برنامجه الطموح في الحكومة الاتحادية التي تتشرّف برئاسة سموه لها، وشكراً لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد وإخوانه الكرام على دعمهم المستمر للمعلّم والعلم. وشكراً لكل طالب متعاون مع المعلِّم على أداء رسالته، وشكراً لأولياء الأمور على تفهمهم واقعنا المعاصر المنفتح على العالم شئنا أم أبينا.

تعليقات

تعليقات