أبيات مشرقة الإيحاء.. جميلة الإيقاع

د. محمّد عبدالرّحيم سلطان العلماء

لصاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، نظراتٌ نافذة في هذه الحياة، نظرات تنفذ في باطن الأشياء والظواهر والأفكار، وتنقل القارئ إلى أفقٍ مُبتكَرٍ في الفهم والتفسير، فهو ببصيرته الشعرية، وخبرته العميقة بالحياة التي أورثته الكثيرَ من الحكمة وسداد النظر، يستطيع أن يجعل من المعنى البسيط القريب معنىً عميقاً ومغزىً خفيّاً قد لا يخطر على بال القارئ العادي، وفي هذه المقطوعة اللطيفة في حجمها، الدقيقة في مغزاها يتوقف صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد عند فكرة «المدرسة» باعتبارها رمزاً للعرفان، ومنارةً للعلم، ومكاناً يتجاوز فكرة الملاعب والجدران.

ولا أعلمُ أحداً بين شيوخ هذا الزمان وأمرائه يحتفي بفكرة المدرسة احتفاءَ صاحب السموّ بها، فهو بإنسانيته العالية وأخلاقه الكريمة شديد الوفاء لفكرة المدرسة، صادق العزيمة في إعلاء شأنها، باعتبارها قيمةً أخلاقيةً وحضارية تحتفي بها الأمم المتقدمة، ويحافظ عليها أصحاب البصائر المستنيرة، والقلوب الفياضة بالوفاء، ومَنْ مِنّا لا يستمتع ويستفيد من نظرات صاحب السموّ التي يكتبها في سياق الاحتفاء بمدرسة الحياة من خلال نافذته الرائعة «علّمتني الحياة»، حيث يكتب خلاصة نظرته إلى الحياة بلغةٍ شديدة الإحساس بالتواضع والرغبة في إفادة الأجيال، وتقديم النصيحة النابعة من قلب الخبرة الطويلة، ومَنْ مِنّا لا يعرف وفاءَه العظيم لمدرسة المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيّان، طيب الله ثراه، في إعداد الرجال وبناء النماذج الصلبة القادرة على قيادة الوطن، وكم نثر سموه من القصائد والكلمات الرائعات في الإشادة بمناقب الوالد المؤسس، ولَفْتِ الأنظار إلى القِيَم الأخلاقية والحضارية التي كان الشيخ زايد يضعها نُصْبَ عينيه، وهو يبني الدولة ويرسّخ مكانتها الحضارية بين الأمم، وفي طليعة ذلك كله، بل ومُبتدأُ ذلك وخبرهُ هو العلمُ والتعليم والارتقاء بالإنسان هدفاً أوّلَ في مسيرة التنمية والبناء.

الـمـدرسه مـاهـي مـلاعـب وجــدران

                          الــمـدرسـه فــكــر وعــلـوم ومـعـانـي

بهذه المعادلة الجازمة الواضحة، القائمة على النفي والإثبات، يبدّد صاحب السموّ عن طريق أداة النفي «ما» ما يدور من الشبهات حول فكرة المدرسة، وأنها ربما كانت مختزلة في أذهان بعض الناس في هذه الأبنية الفارهة والملاعب الواسعة والقاعات الفخيمة، فجاءت هذه اللغة الحازمة الحاسمة لتقول: إنّ هذه الرؤية الشكلية للمدرسة هي رؤيةٌ قاصرة، وربما سطحية، فالمدرسة رمزٌ لشيءٍ أكبر من ذلك كله، وهو ما قرّره صاحب السموّ في الشطر الثاني من البيت بهذه الجملة الخبرية القائمة على مبتدأٍ واحد، وثلاثة أخبار مترادفة الدلالة، مشرقة الإيحاء، جميلة الإيقاع، يأخذ بعضها بيد بعض في تلاحمٍ خلّاق يليق بفكرة المدرسة ونظرة صاحب السموّ إليها كمنارة للفكر والعلم والمعنى الصحيح العميق للحياة.

هي تصنع الإنسان ويصير إنسان

                         يـنـفـع بـلـمـه ويـنـتـفع مــا يـعـاني

وهذا هو الجوهر الصحيح لفكرة المدرسة: أن تكونَ مسؤولة عن صناعة الإنسان باعتباره إنساناً ناضجاً واعياً بمعنى الحياة، قادراً على التفكير الصحيح، واختيار المسار المناسب، مع تفجير طاقاته الإبداعية كي يُسهم في صناعة الحياة الجميلة، وانظر معي إلى عبارة «ويصير إنسان» ومدى دلالتها على فاعلية المدرسة، وكونها مسؤولة عن صناعة الوعي وصقل المواهب وإشاعة المعنى الراقي للثقافة، فالمدرسة ليست بيتاً لقضاء الوقت وتزجية الفراغ وممارسة اللهو، بل هي السياق الأمثل لتنوير أعماق الإنسان بالمعرفة المناسبة للعصر، بحيث تكون مكاناً لنشر العلم النافع الذي ينتفع به الإنسان وينفع به غيره، وكم في تعاليم الإسلام السمحة من الحثّ على تقدير العلم والتعليم ورفعة شأن المعلم، حتى قال رسولنا المكرّم، صلوات ربي وسلامه عليه: «إنما بُعثتُ معلّماً».

والـفكر لـه تـأسيس واضـح وبـنيان

                       ودور الـمـعـلم دور صــانـع وبــانـي

والـعـلم رأس الـمال بـه رفـعه وشـان

                      بــه نـكـسب الـجـوله بـيـوم الـرهـان

وتأكيداً لكل ما تقدّم، يقرّر صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد، أن بناء الإنسان المفكر لا يكون بالوسائل العشوائية والآراء الارتجالية، فبناء الفكر له أُسسٌ واضحة عميقة التجذر في تربة الحكمة، وهو كالبناء الراسخ الذي لا يمكن أن يثبتَ إذا تم إنشاؤه على التراب، بل لا بدّ من ترسيخه على الصخر الصّلد الذي يحفظه من مؤثرات الأحداث، وكذلك العلم ومؤسساته لا بد في إنشائها من اليقظة التامة للأهداف والغايات والوسائل والبرامج بحيث تكون المسيرة العلمية راشدة الطريق، آمنة المسار، واضحة المعالم، مضمونة النتائج، فإنّ الشعوب الراقية لا تتقدم إلا إذا أحسنت التخطيط لتوظيف العلم والمعرفة، ما يستدعي بالضرورة الاهتمام بشخصية المعلم وتنميتها على نحوٍ إيجابي يحفظ كرامته الاجتماعية، ويُطْلق طاقاته المبدعة في صناعة الأجيال ضمن شعور عميق وحقيقي بالأمن والانتماء الصادق للوطن ومؤسساته، ومَنْ مِثْلُ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد احتفاءً بالمعلم ودوره الطليعي في بناء الأجيال، فهو الداعمُ الأكبر للمعلم، وهو الحامي لحقوقه، الساهر على مكاسبه التي يزداد بها عطاءً وانتماءً، وها هي شواهد الحال تغني عن كثير من المقال، حتى غدا المعلم الإماراتي مضرب المثل في صيانة الحقوق، والإحساس الصادق بالكرامة الحضارية بسبب الرعاية الحثيثة والتوقير النابع من الإدراك الواعي لدور المعلم في صناعة الأجيال وتسريع وتيرة التقدم.

وتبديداً لبعض الظنون التي تهجس في نفوس بعض الذين لا يعرفون طبيعة الحياة في الوطن ومدى الاهتمام بالعلم، يؤكد صاحب السموّ أنّ العلمَ هو رأس المال، وهو الربح والإنجاز، وهو الرهان على المستقبل، فبالعلم تتقدم الأمم، وحين سأل الخبراء عن سرّ تقدم اليابان هذا التقدم السريع، كان الجواب أنّ السرّ هو احترام المعلم وحماية نظام التعليم من خلال الحفاظ على القيمة الأخلاقية لفكرة المعرفة وجلالتها في النفوس.

وهذا التحدي لي به إتقوم الأوطان

                    ويــوصــل الــدولــه لأعــلـى مــكـان

وأنــا مــع مـحـمد مـعـاكم يـاشبان

                     نــبـذل ونــدعـم جـهـدكـم بـأمـتـنان

ولا يتوقف صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد عند حدود الإشادة بالعلم وتقدير دور المعلم، بل يلفت الأنظار، ويُحفّز العزائم مخاطباً شباب الوطن الذين هم مَعْقِدُ الأمل والرجاء قائلاً لهم: إنّ العلم الصحيح النافع هو التحدي الأكبر الذي يواجهونه، وهو طَوْقُ النجاة للوطن وعلى صخرته الراسخة يقوم البناء، فالرفاهية الزائدة لا تبني الأوطان، ومظاهر البذخ ليست هي جوهر التقدم، بل التقدم الصحيح هو اكتساب أسرار العلم ومعرفة معادلة الحياة التي تقدمت بها الأممُ الأخرى التي تمنح البحث العلمي أعلى المخصصات في ميزانية الدولة، لإدراكها الواعي لدور العلم في صناعة نظرية التقدم والاستقلال.

وتأكيداً للدعم اللانهائي للطلائع المتقدمة نحو شرف العلم، والملتفّة حول عَلَم الوطن، يؤكد صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أنه وأخاه صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وليّ عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلّحة، يضعان ثقتهما بهذه الطلائع الناهضة للارتقاء بالوطن، وأنّ مقدّرات الدولة كلها ستكون في خدمة الجهد الصحيح لصيانة مكتسبات الوطن والارتقاء به نحو السماء اللائقة به، في إشارة واضحة إلى تلاحم القيادة وتصميمها على البلوغ بالإمارات إلى أعلى مراتب السؤدد والشرف الحضاري.

ثم كانت الخاتمة الرائعة لهذه المقطوعة البديعة تأكيداً لواحدة من أعمق الأفكار رسوخاً في فكر صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد، أعني فكرة العزم الذي لا يلين، والتصميم على البقاء في الصدارة، باعتبارها نهجاً للحياة، وعدم رضاه بما دون المركز الأوّل، فجاء البيت الأخير مثل واسطة العقد التي يزداد بها إشراقاً وصفاءً:

ونـقـول ف أول يــوم ونـحـط عـنوان

                    الــعــزم ع الأول ولا نــريــد ثــانـي

وبهذا يؤكد سموه ما يقوله دائماً وأورده في كتابه «ومضات من فكر»: «على قدر هدفك تكون همّتك وعزيمتك وطاقتك. فضع لنفسك هدفاً عالياً، ولا ترضَ بأقل من المركز الأول؛ لأنّك ستحصل عليه حتماً إذا لم ترضَ بأقل منه. لا تشُكّ أبداً في قدراتك، ولا تقلل من مقدراتك، ولا تشتت ذهنك عن هدفك، واعمل دائماً للحصول على المركز الأوّل، وتوكّل على ربّك؛ فالتوفيق دائماً من عند الله».

حفظك الله يا صاحب السموّ راعياً للعلم والعلماء، وأبقاك ذخراً للعباد والبلاد.

تعليقات

تعليقات