تشكل فرصة لإثراء استراتيجية الذكاء الاصطناعي

المخيمات الصيفية.. ارتقاء بالمواهب والقدرات الإبداعية

تساهم المخيمات الصيفية في تنمية العنصر البشري، وتنشئة الأطفال والشباب، ولا تقتصر وظيفتها على الرعاية وحدها، بل تشكل فرصة للتحفيز على البحث والمبادرة والارتقاء بالقدرات والمواهب، ووسيلة تجعل الممارسة التربوية واقعية تعزز المواطنة، من خلال تنمية القيم الاجتماعية والوطنية والانسجام مع توجهات الدولة في الارتقاء بالقدرات والمواهب ومواكبة عصر التقنية بالتركيز على الذكاء الاصطناعي والمساهمة الإيجابية في كل ما يرتقي بسعادة المجتمع.

«البيان» تسلط الضوء من خلال عدد من الخبراء والمختصين على تطور الوسائل وآليات العمل المتبعة في السنوات الماضية، بشأن تنظيم المخيمات والبرامج الصيفية للطلبة وكيفية استغلال أوقات فراغهم بما يتواءم مع التطور الحضاري الذي تشهده الدولة، لا سيما في عصر تدفق المعلوماتية والفضاء المفتوح.

جانب حضاري

من جانبه، أوضح العميد إبراهيم الدبل المنسق العام لبرنامج خليفة للتمكين «أقدر»، أن فكرة المعسكرات الصيفية بدأت مع نشأة الاتحاد مع تأسيس الدولة وتبناها الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي حث على تنظيمها باستمرار وتحفيز الشباب على الالتحاق بها من خلال منحهم مكافآت، غير أنها تطورت في الفترات الأخيرة لتصبح معسكرات احترافية وتخصصية مثل المعسكرات الرياضية والتقنية، ثم لحقت بركب التطور الذي تشهده الدولة في كل المجالات والصعد، واتجهت نحو الذكاء الاصطناعي، بما يبرز الجانب الحضاري للدولة ويترجم رؤيتها المستقبلية.

وأضاف أن مبادرة «أقدر» عملت على تعزيز شعور الافتخار بالوطن واكتساب بعض المهارات والنشاطات العسكرية المختارة ضمن بيئة تعليمية وأجواء تتسم بالمرح، واستهدفت الطلبة من جميع أنحاء الدولة، من أجل تطوير الصفات القيادية في الطلبة عبر مجموعة من المهارات المكتسبة بفعل الممارسات اليومية أثناء فترة الانخراط في المعسكرات.

وأكد أن هذه المعسكرات أتت ثمارها، إذ أسهمت خلال السنوات الخمس الماضية في تحفيز وبث روح الحماسة في نفوس الطلبة، وغرست في نفوسهم قيم الولاء والانتماء للوطن، وتعميق الروح الوطنية في وجدانهم، وتشجيعهم على الالتقاء والتعرف إلى الأصدقاء الجدد، وزيادة وعيهم بثقافتهم وتاريخهم وتوفير بيئة تعليمية عبر إتاحة الفرصة أمامهم لخوض غمار تجربة الحياة في معسكر مستقل، فضلاً عن تعزيزها للصحة النفسية والبدنية وتطوير القدرات الذهنية والرياضية لدى الطلبة، والحد من الجريمة وتقويض السلوكيات السلبية.

وأشار العميد الدبل إلى أنها شهدت إقبالاً لافتاً من الطلبة وأولياء أمورهم، معتبراً المبالغ التي صرفت على هذه المبادرة بمثابة استثمار في العنصر البشري.

تعلم واستمتاع

بدوره، قال الدكتور ملحم الدوري مدير مركز البحوث والتعليم في التكنولوجيا الذكية بالجامعة الأميركية بدبي: لزيادة التنوع في مجال الذكاء الاصطناعي تستضيف العديد من المؤسسات التعليمية في جميع أنحاء العالم مخيماً صيفياً للطلاب يستهدف كافة الأعمار المهتمين باستكشاف التكنولوجيا، وتحديداً الذكاء الاصطناعي، والغرض من هذه التجربة هو الاستمتاع والتعلم في نفس الوقت، على مدار أسابيع قليلة، حيث يتعرف الطلاب في البرنامج إلى مجالات الذكاء الاصطناعي من خلال محاضرات وورش عمل وندوات، بالإضافة إلى رحلات ميدانية في مجال الصناعة، ومشاريع عملية، وحتى جلسات إرشاد مع أعضاء هيئة التدريس والباحثين وطلاب الدراسات العليا.

ومضى إلى أن المخيم الصيفي للذكاء الاصطناعي يتيح للطلبة استكشاف مجالاته التي تجعل الحياة أيسر وأسهل، وقد يتضمن البرنامج العديد من التجارب العملية التي تعزز الإبداع لديهم، كتجربة استخدام رؤية الكمبيوتر لتحديد الصور على سبيل المثال، وتطبيق معالجة اللغات الطبيعية على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» في محاولة لتحسين الإغاثة في حالات الكوارث واستخدام الخوارزميات لفحص أنماط الحمض النووي وبرمجة الروبوتات البسيطة، ولعل من الضروري أن يتضمن البرنامج ألعاباً ذكية مثل لعبة كرة القدم للروبوتات.

وأضاف: مع تزايد انتشار الذكاء الاصطناعي، من المهم أكثر من أي وقت مضى ضمان التنوع في خلفية من يدرس الذكاء الاصطناعي من حيث العمر والجنس والخلفية الثقافية، إذ إن بناء أنظمة الذكاء الاصطناعي الكاملة لا يقتصر فقط على الشركات التي تحل المشاكل المالية، ولكن حول قدرة البشر على حل المشكلات بأنفسهم، لذا فمن الضروري أن نهيئ الجيل لتقبل فكرة أن الذكاء الاصطناعي سيغير من أنماط الحياة على الأرض لسكانها ويجعلهم يستمتعون باستخدام التطبيقات الذكية الحديثة.

وبين الدكتور الدوري أن المخيمات الصيفية يجب أن تواكب هذه الحداثة لحث الأجيال على اختلاف أعمارهم على تطوير ودعم الذكاء الاصطناعي بالدراسات والتطبيقات جديدة، مشيراً إلى أن التعرض المبكر لمبادئ الذكاء الاصطناعي عن طريق المخيمات الصيفية سيسهم في تشجيع الشباب على الإقبال على دراسة اختصاص علم الحاسوب، مؤكدا أن الأبحاث العلمية الحديثة تشير إلى أن الذين أتيحت لهم الفرصة لاستكشاف الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في بيئة ممتعة مثل المخيم الصيفي، كانوا أكثر عرضة لإظهار اهتمامهم بعلوم الكمبيوتر الكبرى لاحقاً في حياتهم الدراسية.

تفكير إبداعي

من جهته، أكد الدكتور محمد عبد الرحمن مدير كلية الدراسات الإسلامية في دبي، أن توجيهات القيادة الرشيدة، بضرورة أن ترتقي الأنشطة، سواء أكانت عسكرية أم تعليمية أم ثقافية، بقدرات الطلبة باتت واضحة للجميع، بل رسمت اتجاهاً آخر في التعاطي مع البرامج الصيفية، حيث لم تعد كما في السابق لغرض التسلية أو الترفيه فقط، وإنما لاحتواء الطلبة بتحفيز التفكير الإبداعي لديهم، فضلاً عن تعزيز حب المعرفة والعلم والقيم الوطنية والأخلاق الحميدة، الأمر الذي يكون له الأثر الإيجابي الكبير في تنشئة جيل يتسلح بمحبة الوطن والولاء له وينمي فيهم الإحساس بهويتهم الوطنية.

وأضاف أن هذه المهمة لا تقع فقط على عاتق المؤسسة التعليمية فحسب، بل يشاطرها فيها أولياء أمور الطلبة، ذلك من خلال تحفيز أبنائهم على الاشتراك في تلك المعسكرات كونها تسهم في تقديم الفائدة لأبنائهم، وتثري أفكارهم خلال إجازة الصيف، فضلاً عن ذلك يجب العمل على أهمية تزويد تلك المعسكرات ببرامج ممنهجة تقوم على أسس علمية تثري الكم المعرفي لدى الطلبة بمهارات جديدة غير المهارات المكتسبة في الصفوف الدراسية وأن تكون مواكبة لتوجهات الدولة في كافة مناحي الحياة كالتقدم الفضائي الذي حققته الدولة خلال السنوات الأخيرة، أو الذكاء الاصطناعي الذي بدأت تظهر ملامحه بقوة في حياتنا اليومية، وغيرها من الأفكار الإبداعية التي تخطط لها قيادتنا الرشيدة.

بناء الأجيال

وترى ناعمة الشامسي مستشارة نفسية وأسرية وزوجية، أنه من المفيد مزج برامج الأنشطة الصيفية التقليدية بالحداثة لبناء الأجيال وتطورها، بحيث تتضمن دورات عن السنع والطبخ والأشغال اليدوية، وإعادة التدوير، ودورات رياضية، جنباً إلى جنب الدورات المتعلقة بالثورة التكنولوجية والعلمية.

من ناحيتها، أشارت نورة سيف المهيري مديرة مدرسة أم سقيم النموذجية إلى أنه ينبغي الحرص على مواكبة توجهات الدولة باستمرار، حيث استضافت المدرسة رائد الفضاء رونالد توماس في مخيم صيفي نظمته لطلبتها منذ عدة سنوات لتعريفهم بعلوم الفضاء وكيفية الحصول على فرصة للانضمام إلى فريق مسبار الأمل الذي يقوم بمهمة إنسانية علمية رفيعة المستوى، كما قدم لهم توماس نصائح وإرشادات حول زيادة المعارف تجاه علوم الفضاء والاطلاع على أخبارها.

تنمية المواهب

وتناولت فاطمة محمد علي السجواني اختصاصية نفسية في وزارة التربية والتعليم، الفوائد التربوية العائدة من المخيمات الصيفية على الطلبة النشء، قائلة: تلعب المخيمات الصيفية دوراً هاماً في تنمية النشء، فالنشاطات المنهجية التي يشرف عليها طاقم متدرب ومؤهل يلعب دوراً كبيراً في تنمية مواهب الأبناء، من خلال العمل على تنمية الروح الاجتماعية للأطفال المشاركين، وتوسيع مداركهم الفكرية والعقلية، كما تساهم في غرس الكثير من القيم الأخلاقية والاجتماعية ونشر روح العمل التعاوني الاجتماعي بين الأطفال، وتساعدهم في تعزيز التنشئة الاجتماعية لهم، حيث تعمل على صقل شخصية الطفل.

ومضت إلى أن المخيمات التربوية ليست بعيدة بأهدافها وبسياساتها عن أهداف المدرسة والأسرة، بحيث تعمل كل واحدة على تحقيق هدف استراتيجي، ألا وهو تنمية شخصية الطالب وخلق مواطن صالح، ويساهم في تنمية مداركه بالاحتكاك والمعرفة حتى يتم إعداده للحياة المستقبلية حسب منظور شامل يرتكز على مقومات مادية ومجتمعية.

وأضافت: تكمن أهمية المخيمات الصيفية بتوفير جو من المرح والسعادة للطلبة، بعد مرور عام كامل من الدراسة ومعاناة مع المناهج، حيث إن الضغط المدرسي قد يثقل كاهلهم، كما يكمن الدور الأكبر للمخيمات في ترويض سلوكيات الطلبة بنسبة 80%، مبينة أن ذلك يعود إلى نوع النشاط الممارس في المخيم ومدى مواكبته للتطور والتكنولوجيا التي تجذب الطلبة، بينما المعسكرات التقليدية لم تعد بيئة جاذبة للطلبة للالتحاق بها.

معسكرات الطلبة فضاء تربوي مكمّل للمدرسة

يراهن العديد من أولياء الأمور على المخيم الصيفي ليكسب أطفالهم بعض المهارات الجديدة، لا سيما تلك التي لا يكتسبها الطلبة في المدارس والأسرة، فالعمل الجماعي والنظام والصرامة والاعتماد على النفس والاشتغال في مجموعات صغيرة وغيرها من التجارب المتميزة التي يعيشها الأطفال في المخيمات الصيفية، تترك الأثر في تكوين الأطفال وتغير فيهم أشياء كثيرة، هذا ما أكده عدد من أولياء الأمور الذين استطلعنا آراءهم، معتبرين أنها فضاء تربوي مكمل للمدرسة.

وسرد هاني عبدالله تجربته مع أحد المخيمات التي قضى فيها ابنه أسبوعين خارج الدولة، وهو مخيم نظمته مدرسته: لقد تغير ابني تماماً بعد عودته من هذا المخيم الصيفي، موضحاً أنه لم يكن متحمساً في البداية لسفر ابنه، لأنه اعتاد أن تكون المعسكرات داخل الدولة غير أني شعرت بأن البرنامج دسم ويعزز من الجوانب المعرفية لدى ابني الذي لاحظت تغيراً إيجابياً في شخصيته بعد عودته، كما أني تأكدت من كفاءة المشرفين على المخيم.

أثر إيجابي

بدوره، قال محمد الهورة: إن المخيم الصيفي الذي نظمته مدرسة ابني وتناول برامج حديثة عن الذكاء الاصطناعي أثر في ابني إيجاباً وغيّر الكثير من سلوكياته وتحول بعد تجربة المخيم الصيفي إلى تلميذ مجد ومواظب يعتمد على نفسه ولم يعد خجولاً، فضلاً عن أنه عزز لديه موهبة الابتكار.

من جانبها، أوضحت صفاء الخميري: المخيم مدرسة حقيقية لصقل شخصية الأطفال، شريطة حسن اختيار المخيم والقائمين عليه والبرنامج الذي يطرحه، مشيرة إلى أن المخيمات لا تقوم مقام الأسرة والمدرسة بقدر ما تكمل أدوارهما في تنشئة الفرد وتكوينه وترفيهه واستثمار وقته الثالث إيجاباً في اكتشاف مواهبه الخاصة، وصقلها ومده بمجموعة من القواعد والآليات التربوية التي تمكنه من الاعتماد على الذات، وإثبات الوجود وفرض النفس وسط الجماعة ومع المحيط، فضلاً عن توعيتهم بالمخاطر التي تهدد البلاد والعباد.

فعاليات متنوعة

وأشارت شيبة حسنين إلى أن المخيم يجب أن يضمن فعاليات عديدة ومتنوعة وتحاكي التطور الحاصل في الدولة بحيث تخاطب قدرات وخيال الشباب وإبداعاتهم المختلفة، مضيفة أن الأنشطة والبرامج الصيفية تعتبر مشاريع استثمارية مهمة للأبناء في فصل الصيف الذي يستغل كوقت مناسب لمشاركتهم في أنشطة غير معتاد عليها ومختلفة عن أيام السنة الدراسية فيستثمرون فيها أوقات فراغهم بما يعود عليهم بالفائدة من صقل مواهبهم وإبراز هواياتهم وتنمية طاقاتهم غير الاستفادة من تنظيم أوقاتهم بدلاً عن الفراغ وقضاء الوقت دون أي هدف أو عمل.

وأضافت أن المخيمات الصيفية تعزز الارتقاء بسلوكياتهم الفردية والجماعية وتنشئ جيلاً مثقفاً وواعياً ومدركاً لأهدافه ولأهمية ذاته، وﻻ شك نجد الفرق الواضح بينهم وبين من اعتاد على قضاء الإجازة الصيفية دون أي فائدة تذكر، مؤكدة أنه لا غنى لنا عن البرامج الصيفية المنظمة والمتميزة.

تعليقات

تعليقات