نظمت الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف أمس، وبرعاية وزارة شؤون الرئاسة، ملتقى «الإمارات تطوِّق التطرف» بمشاركة معالي حسين الحمادي، وزير التربية والتعليم، والدكتور محمد مطر الكعبي، رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، والدكتور محمد الخلايلة المفتي العام للمملكة الأردنية الهاشمية، وعدد من ضيوف صاحب السمو رئيس الدولة في رمضان، وذلك بفندق سانت ريجس في أبوظبي.

وسلط الملتقى الضوء على القضايا الفكرية التي تنتشر في محيط الشباب وتتعلق باهتماماتهم وتصحح المفاهيم والتصورات المغلوطة لديهم، والتي تستغلها الجماعات المتطرفة لاستقطابهم والتغرير بهم وتنفيذ أجندتها في المجتمعات المستقرة.

وأكد معالي حسين الحمادي، وزير التربية والتعليم، في كلمته، أن تحصين التعليم من اختطاف الجماعات المتطرفة واجب وفرض، يمليه علينا ديننا الإسلامي الحنيف وثقافتنا الوطنية القائمة على مبدأ التسامح واحترام الآخر وقبوله، والتكامل المعرفي البناء مع مختلف الديانات والشعوب.

وإن تطويق خطاب التطرف والكراهية لا يتم إلا من خلال مناهج تعليمية نقية، وبيئة دراسية متسامحة، وشراكات استراتيجية شاملة بين المؤسسة التعليمية والجهات الفاعلة الأخرى من أجل التكامل والتحصين.

مسيرة

وأضاف معاليه أن الوزارة تقود اليوم مسيرة عامرة لبناء الوطن، حيث تتحمل مسؤولية عظمى ومهمة أسمى، لتنشئة أجيال المستقبل على القيم الأصيلة والمبادئ السليمة، التي تؤهلهم لخدمة وطنهم وبناء نهضته وحضارته، فالتعليم كان ولا يزال هو الرهان الحقيقي للدول التي تتطلع إلى ترسيخ موقعها بين دول العالم، فهو بلا شك محرك أساسي في تقدم الشعوب وتطورها.

توحيد نظام التعليم

واستشهد الوزير بمقولة للقائد المؤسس الشيخ زايد، طيب الله ثراه، حين قال: «رصيد أي أمة متقدمة هو أبناؤها المتعلمون، وإن تقدم الشعوب والأمم إنما يقاس بمستوى التعليم وانتشاره».

وأضاف معاليه بأنه على هذه الرؤية الثاقبة سارت القيادة الرشيدة بقيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، فصدرت التوجيهات السامية لتوحيد النظام التعليمي ضمن منظومة متجانسة واستراتيجية شاملة لتخريج جيل إماراتي واع بواقعه، ومستشرف مستقبله، يتمتع بأفضل المعايير المحلية والإقليمية والعالمية.

خطط

وأكد: «إننا على يقين بأن ما وصلنا إليه من خطط استراتيجية ومبادرات وطنية لتشكيل البناء المعرفي والثقافي لدى أبنائنا قادرة على تحصينهم من الوقوع في براثن الفكر المتطرف، وصبغهم بعقلية مستنيرة تمكنهم من أن يكونوا على المستوى الذي تنشده الدولة القيادة الرشيدة».

وأوضح معاليه أن دولة الإمارات أدركت مبكراً خطورة وأزمة ما أفرزه الخطاب المتطرف من نتائج وخيمة على استقرار الأوطان، وتنبهت إلى الاستراتيجيات الظلامية التي تبنتها الجماعات المتطرفة لاستغلال المؤسسات التعليمية بمختلف مراحلها كمصيدة تقتنص بها عقول بناة الوطن في المستقبل، وبوابة تعبر من خلالها إلى تحقيق مآربها وغاياتها الأيديولوجية.

وأضاف: «إن من الأهمية البالغة أن ينعقد ملتقانا هذا في وقت تعاني الشعوب والحكومات من ظاهرة الإرهاب، لما تخلفه من سفك للدماء، وانتشار للجريمة، وضياع للحقوق، وتشريد للآمنين، وهدر للموارد، وزعزعة لدعائم الاستقرار، وتعطيل لمشروعات التنمية والتطور والبناء».

ومن جانبه، أكد الدكتور محمد مطر الكعبي رئيس الهيئة العامة للشئون الإسلامية والأوقاف في كلمته أن دولة الإمارات بذلت جهوداً كبيرة في تطويق التطرف ومحاصرته من الناحية الفكرية من خلال استراتيجية شاملة قامت على 4 محاور رئيسية.

سد الطريق

وأضاف أن المحور الأول اعتمد وسيلة سد الطريق أمام التطرف داخلياً بعدم السماح لأصحاب الفكر المتطرف باعتلاء المنابر أو استغلال المساجد أو الوعظ في المؤسسات المجتمعية والمجالس أو البث لأفكارهم في مراكز تحفيظ القرآن الكريم.

بالإضافة إلى عدم السماح بأية إصدارات تنشر الفكر المتطرف أو تؤيده، فيما تضمن المحور الثاني تطوير البرامج الوقائية للتحصين ضد الأفكار المتطرفة، والعمل على علاج جذور التطرف من خلال الشراكة المجتمعية، والقيام بالدراسات والأبحاث.

وأشار الدكتور الكعبي إلى المحورين الثالث والرابع في استراتيجية تطويق التطرف والإرهاب من خلال إيجاد بدائل سليمة، والتركيز في هذا الجانب على إحياء القيم النبيلة، وإبراز المعاني الأصيلة للخطاب الديني، بما يعزز الاعتدال والتسامح، وينشر ثقافة التعايش والسلام، إلى جانب الاستفادة من التجارب الناجحة على مستوى العالم.

والتنسيق مع المؤسسات المهتمة بهذا المجال، وتضافر الجهود، وبناء شراكات فاعلة داخلية وخارجية، ولا سيما في مجال مراقبة التطرف الإلكتروني.

مبادرات رائدة

وتطرق الدكتور الكعبي إلى العديد من المبادرات التي أطلقت لدعم وتعزيز الاستراتيجية، ومنها اعتماد معايير تعيين العاملين في الخطاب الديني تنص على الالتزام بمنهج الاعتدال، وتحظر عليهم الانتماء إلى أي حزب أو جماعة دينية أو سياسية محظورة، مع إجراء التقييم الدوري المستمر للجميع.

وكذلك إلزام القائمين على الخطاب الديني بالتعهد بوثيقة التسامح التي تنص على الالتزام ببنود قانون مكافحة الكراهية والتمييز رقم 2 لعام 2015 في احترام الأديان السماوية ومعتقدات الآخرين، وعدم الإساءة إلى معتقداتهم، والمحافظة على الصورة الحضارية لمساجد الإمارات، والارتقاء برسالتها في نشر ثقافة التسامح.

وتعزيز التعايش بين جميع مكونات المجتمع الإماراتي، وتجنب التمييز في جميع صوره، وتعميق المحبة والتلاحم المجتمعي، ورفض خطاب الكراهية، وتنمية الوعي الديني وفق النهج المعتدل، والتصدي لأفكار التطرف والإرهاب، وتعزيز الانتماء للوطن والولاء للقيادة.

شراكة

وأشار إلى أن تلك المبادرات شملت أيضاً ضبط الخطاب الديني في المساجد، ورعاية حرمتها، ومنع استغلالها للأنشطة المحظورة، وإعداد خطة وعظ سنوية تعزز في محاورها ثقافة الاعتدال والوسطية، وأيضاً رقابة الإصدارات الدينية الواردة إلى الدولة عبر المنافذ الرسمية والتي تطبع داخل الدولة، وذلك بالشراكة مع المجلس الوطني للإعلام، للتأكد من عدم احتوائها على ثقافة التطرف والتشدد قبل الموافقة على تداولها، بالإضافة إلى مراقبة المنشورات والمطبوعات التي يتم وضعها في المساجد.

كما أشار الدكتور الكعبي إلى برنامج إعداد العلماء الإماراتيين المتخصصين في الشريعة وتعزيز مرجعية الإفتاء الرسمي في الدولة، والإشراف على المراكز الدينية، وضبط عملها وأنشطتها، وتطوير مناهج التربية الإسلامية كمبادرات أخرى.

منهجية الفتوى

وتحدث الدكتور محمد الخلايلة المفتي العام في المملكة الأردنية حول توحيد منهجية الفتوى وأثره في مواجهة التطرف، فقال: «الفتوى هي محور الخطاب الإسلامي، ولأن بهذه المكانة حاول المتطرفون ومشرعوهم أن يتخذوا من الفتوى حججاً وبراهين خداعة ليوقعوا الشباب في شباكهم، ومن المعلوم أن الفتوى هي صناعة لا يجيدها إلا من يملك أدوات البحث العلمي المعمق في اللغة والتفسير وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ ومقاصد الشرع الحنيف.

والمفتي هو لا يغير الأحكام، ولكنه يعرف باجتهاد دقيق كيف يوظف هذه الأحكام وينزلها منازلها في شؤون العباد والبلاد بحسب متغيرات الحياة وتطورها»، ثم قال: «واجب على العلماء أن يحفظوا أمن البلاد والعباد لأنهم بذلك يحافظون على مصالح الشرع الحنيف».

واستعرض عدداً من الصور والحوادث التي وقعت في عصر الصحابة فاجتهدوا فيها وبذلك حافظوا على الكليات الأصولية الـ 5: حفظ الدين والعقل والنفس والنسب والمال. كما تحدث العلامة عبد الله ريس عن قضايا التضليل في المفاهيم القرآنية، ودعا إلى الرجوع في ذلك إلى مصادر الشرع الحنيف وما أصله علماء الأمة.

وأما الدكتور مصعب السامرائي فقد تناول موضوع تدليس المفاهيم النبوية من قبل فئة من الضالين البعيدين عن الفقه ومقاصد الشرع، وخاصة حينما يتناولون حديث «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله»،.

فإن نص هذا الحديث بكلمة أمرت يدل على أن الآمر هو الذي بيده مقاليد الدولة وليس أي فئة أو جماعة، والمأمور هو القوات المسلحة النظامية ومن تأذن لهم الدولة فقط، وعليه فلا يحق لأحد أن يعلن الحرب والقتال إلا رئيس الدولة. وتناول السامرائي كذلك معنى أقاتل فقال ليس مدلولها أقتل فالمقاتلة مفاعلة بين طرفين، وبالتالي لو لم يقاتلوا رسول الله ما قاتلهم، فالفعل في اللغة العربية يعني المفاعلة والمشاركة.

وأما الذين عناهم الرسول صلى الله عليه وسلم، بالمقاتلة فليسوا المسلمين ولا غير المسلمين الذين لهم العهد والذمة والأمان، أي كل من منحته الدولة تأشيرة وتصريحاً وإقامة بين ربوعها، إنما الذين يقاتَلون أولئكم الذين قرروا رفع السلاح في وجه المسلمين عندئذ يصدر رئيس الدولة الأمر لقواته المسلحة في مقاتلتهم، هذا هو مفهوم القتال والمقاتلة في النصوص الإسلامية.

نصوص

وتحدث الداعية سليمان حسن الطريفي من السعودية متناولاً الطعن في مفهوم الدولة الوطنية وشرعيتها، وقد أثبت أن الإسلام بنصوصه وتاريخ تشريعه لم يأمر البشر بدولة الخليفة الواحد إلا في 30 عاماً في صدر الإسلام، ثم ترك الأمر للمسلمين ولعلمائهم وقادتهم يختارون نظام الحكم الذي يناسب الزمان والمكان، ولذلك كان في الشرق الخلافة العباسية وقبلها الأموية وفي الوقت نفسه كان في الأندلس حكما آخر، فلم يعترض العلماء ولم يحجم أحد منهم قيام هذا التعدد من الدول التي عليها صلاح العباد والبلاد.

تحصين الشباب نقلة في مسار العملية التربوية

قال معالي حسين الحمادي، وزير التربية والتعليم إنه انطلاقاً من الدور الفعال الذي يلعبه التعليم في التحصين الفكري للشباب ضد الأفكار الهدامة والمعتقدات المنحرفة، وتعزيز انتمائهم للوطن وولائهم للقيادة الرشيدة، والعمل بشكل وقائي على حماية الشباب وفق خطة شاملة وسياسة مستدامة.

جاءت تلك المبادرات الوطنية الكريمة التي أطلقتها ودعمتها القيادة الحكيمة، والتي تمثل نقلة نوعية في مسار العملية التربوية، مثل: مبادرة مادة «التربية الأخلاقية» التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، كاستراتيجية عالمية لمواجهة التطرف الفكري والانحراف الأخلاقي.

والتركيز على بناء شخصية الشباب الإماراتي، وغرس القيم الإيجابية القائمة على مبادئ التسامح والاعتدال والانفتاح والتعايش بما يكفل التحصين الفكري للأجيال ضد أي تهديد أو خطر من قوى التطرف والظلام.

كما أشار إلى مبادرة «المدرسة الإماراتية» والتي ترتكز على إحداث تحول جذري في مقومات وشكل التعليم على مستوى الدولة من خلال مواصفات قياسية عالمية الأداء، ومبادرة «رخصة المعلم»، حيث ستتم إجراء مقابلات تخصصية واختبارات مهنية لكافة المعلمين في الدولة، وإعطاؤهم الرخص والتصاريح لمزاولة مهنة التعليم، ومبادرة»تطوير مناهج التربية الإسلامية".

حيث قامت الوزارة بعقد اتفاقية تعاون مع الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف تضمنت بنودها تطوير مختصين وخبراء من الهيئة لمناهج التربية الإسلامية، وتعزيز المرجعية الدينية الصحيحة المعتدلة لدى الشباب، حيث كانت مناهج التربية الإسلامية من أهم الوسائل التي استعملت في العقود الأخيرة من قبل المتطرفين للتلاعب بعقول شباب الوطن وتوجيههم نحو تنفيذ أجنداتهم وأغراضهم الخبيثة.