طالب مختصون بحلول عملية تحدُّ من صعوبة ذوي الإعاقة السمعية في الإدماج وتزويدهم بآليات مساعدة لاستيعابهم في مؤسسات التعليم العام والعالي، وابتكار برامج تمكنهم من الاندماج في محيطهم، مؤكدين أن البعض لا يزال ينظر إليهم نظرة دونية، وأنه بوجود المعوقات الماثلة يغدو التفاعل والتعلم وتحويلهم إلى فئات منتجة قاصراً، مجمعين على أهمية تحقيق مبدأ العدالة والاستماع إليهم لتحديد احتياجاتهم.

واعتبر من استطلعت «البيان» آراءهم أن ندرة مترجمي لغة الإشارة في المرافق والمؤسسات الحيوية يشكل أكبر المعوقات التي يصطدم بها ذوو الإعاقة السمعية، مؤكدين أهمية «لغة الإشارة» وتضمينها في المناهج الدراسية وفتح المجال للطلبة لاستكمال تعليمهم الجامعي عدا بعض الجامعات التي توفر لطلبتها من ذوي الإعاقة السمعية مترجمي لغة إشارة وتهيئ السبل لتلقي تعليمهم أسوة بزملائهم الأسوياء، مطالبين بوضع برامج مبنية على تطويع مبتكرات التقنية في الاتصالات والمعرفة، وتوظيفها في العملية التعليمية.

مواءمة

توضح عفاف الهريدي مديرة مدرسة وروضة الأمل للصم التابعة لمدينة الشارقة للخدمات الإنسانية أن الأشخاص ذوو الإعاقة السمعية يواجهون تحديات عدة منها عدم توفر المناهج التعليمية الملائمة بهم، فهم يدرسون المناهج التي يدرسها الطلبة الأسوياء نفسها في المدارس العادية دون الأخذ بعين الاعتبار طبيعة حالتهم، مؤكدة «نحن لا نريد منهجاً خاصاً بل مواءمة في المحتوى تتناسب معهم، إضافة إلى عدم توفر مترجمي لغة إشارة في بعض المؤسسات الخدماتية وقلة الدورات التدريبية لتأهيل الموظفين للتعامل مع هذه الفئة وغيرها من الأمور.

وتأمل هريدي في أن تبادر الجامعات بتعيين مترجمي لغة إشارة من الحاصلين على رخصة ترجمة لما لذلك من أهمية في تمكين الطلبة من استكمال تعليم ذوي الإعاقة الجامعي في مختلف المؤسسات التعليمية الموجودة في الدولة دون أي معيق، لافتة إلى أن جامعة الشارقة هي التي توفر للطلبة فرصة الانضمام داخل إمارة الشارقة بسب وجود مترجمي لغة إشارة تم توفيرهم بالتعاون مع مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية، داعية إلى فتح باب القبول بشكل أوسع وهو مطلب مهم في ظل عدم قبول طلاب ذوي الإعاقة السمعية في الجامعة بعد أن أنهى دراسته الثانوية.

تطوير

وقالت الهريدي إن لديهم نحو 14 طالباً وطالبة في جامعة الشارقة، وقد تخرج العام الماضي 6 كلهم من طلبة مدرسة الأمل، وتابعت الهريدي «نحن في دولة نهجها الابتكار وعليه نأمل في أن يوضع الأصم ضمن المخططات التطويرية واستثمار التكنولوجيا لخدمتهم، مشددة على تطويع التكنولوجيا في الدولة لمساعدة هذه الفئة فلو استقل أحدهم سيارة أجرة لا يستطيع أن يخبر السائق عن وجهته، وإن تعرض لحادث وأراد أن يدلي بمعلومات لا توجد لدى غرف العمليات الشرطية سوى خدمة الاتصال الهاتفي وهذا ليس بمقدوره، فالأصم يريد الاعتماد على نفسه لا أن يبقى متكئاً على ذويه أو أقاربه، وهو أمر لا يمكن أن يتأتى دون تأمين ما يلزمه، وأضافت عندما يتوجه الأصم لدائرة خدمية لا يستطيع قضاء حاجته أو للعلاج في أحد المراكز الطبية لأنه لا يوجد آلية لإيصال معلومته من خلال مترجم لغة إشارة.

أما الطالب يوسف عبدالله السويدي فتلمس واقعاً أليماً يعايشه فاقد نعمة السمع الذي باتت عيناه هي آذانه التي يصغي بها، حيث وصف السويدي ذوي الإعاقة السمعية بأنهم فئة مهمشة لا يعطى أغلبهم أهميتهم في المجتمع بينما جل الخدمات تمنح لمن يمتلكون حاسة السمع، وقال: إنه يتحتم عليه أينما يذهب أن يصطحب معه أحداً من ذويه ما يعمق لديه الإحساس بالاعتماد على الآخرين، مشيراً إلى أنه يريد القيام بمهامه اليومية بنفسه، مطالباً باعتماد لغة الإشارة في المؤسسات والدوائر.

حلقة وصل

واقترح السويدي وهو طالب في الثانوية العامة على مؤسسة الاتصالات أن تقوم بتعيين موظف يتقن لغة الإشارة ويتم ربطه بكل الجهات وعند مراجعة الأصم لأي دائرة يتم الاتصال بالمترجم عبر خاصية المكالمة المرئية ويقوم هو بدوره بالترجمة للموظف المختص، مشيراً إلى ضرورة توظيف التطور التقني لوسائل الاتصال من خلال الاعتماد على مبدأ تحويل الكلام المنطوق إلى كلمات مكتوبة على شاشة بما يشبه الترجمة الفورية وهي مسألة مفيدة جداً في القاعات الدراسية بالجامعات والمدارس. وذكر أن الإعاقة السمعية تعتبر من أشد وأصعب الإعاقات الحسية إذ يترتب عليها فقدان القدرة على الكلام بجانب الصمم الكلي، لذا يصعب على الأصم اكتساب اللغة والكلام أو تعلم المهارات المختلفة دون أن توفر له الإمكانيات التي تعينه على ذلك، مشيراً إلى أن تسخير التكنولوجيا سيفسح لهم آفاقاً أوسع في الحياة ويفتح أمامهم فرصاً أكبر للمشاركة بما يتيح لهم قدراً من الاستقلالية وكسر حاجز الانعزال والاعتماد على الآخرين.

غد أفضل

أما هناء فرج بالصف الحادي عشر فكان حديثها يميل إلى التفاؤل والأمل في غدٍ أفضل يحمل لذوي الإعاقة السمعية مزيداً من الحقوق إذ تطمح بفتح باب القبول لهم في الجامعات وعدم حصرهم في مؤسسة تعليمية واحدة، متمنية إيلاء ذوي الإعاقة السمعية اهتماماً أكبر.

وقالت إنه ينبغي أن تكون هناك توعية للمجتمع عن الإعاقات بشكل عام وليست الإعاقة السمعية فحسب، فالبعض يجهلون بصورة كاملة المعاناة التي تواجهنا والبعض لا يعرف لغة الإشارة وعندما أكون في مكان عام تلاحقني النظرات المستغربة عندما أبدأ باستخدام لغة الإشارة، وتتابع جهل البعض يجعله يعتقد أني لا اسمع، فيبدأ بقذفي بكلمات أو نعتي بعبارات ولا يعرف أني اتقن لغة الشفاه.

اندماج

أما سيف فهد وهو طالب في الصف العاشر بمدرسة خاصة بدبي وهو من فئة ضعاف السمع بصورة كبيرة ما جعله يعتمد على سماعة الأذن بشكل كامل قال إن المجتمع ينظر إليهم كفئة مفروضة، وأنه كثيراً ما كان يتعرض للإهانة من زملائه أو حتى لكسر سماعته التي استبدلها في عام واحد مرات عدة، وهي مكلفة كما قال لنا، مطالباً بضخ جهود أكبر تخدم ذوي الإعاقة السمعية والنظر إليهم خاصة في مجال الوظيفة واستكمال دراستهم الجامعية.

مركز متخصص

فاطمة المعيني مديرة مركز الموارد لذوي الإعاقة في جامعة الشارقة قالت إنهم يقبلون الطلبة من فئة ذوي الإعاقة، حيث تأسس المركز كمركز مستقل متخصص بشؤون الأشخاص ذوي الإعاقة بناءً على توجيهات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، رئيس جامعة الشارقة، ليكون بمثابة الهيئة المرجعية للأشخاص ذوي الإعاقة التي تتولى مسؤولية الاحتواء والدمج والتمكين من خلال منظومة عمل شاملة ومتكاملة تبدأ من مرحلة بدء الالتحاق بالجامعة والتسجيل فيها وتمتد إلى ما بعد التخريج.

ويقدِّم المركز خدمات من ضمنها كرسي التنقل الكهربائي وأجهزة لغة برايل، والعصا البيضاء، وجهاز الضغط الحراري، والآلة الحاسبة لذوي الإعاقة البصرية، وأحدث الطابعات الملائمة لذوي الإعاقة، كما يوفر المركز مترجمين للغة الإشارة للطلبة من ذوي الإعاقة السمعية، ومساعدين للطلبة المكفوفين خلال تأديتهم لاختباراتهم.

مساق ضروري

وكشفت المعيني عن مساعيهم الرامية إلى إدراج مساق لغة الإشارة ضمن المساقات التي تدرس في جامعة الشارقة بهدف سد العجز في هذا التخصص النادر إذ لا يتجاوز عدد العاملين في لغة الإشارة 20 شخصاً على مستوى الدولة، مضيفة أنه في حال اعتماد هذا المساق ستغدو الجامعة مركزاً لتزويد كل القطاعات بهذا المجال الحيوي، موضحة أنهم يدرسون الحالات وبناءً على ذلك يتم توفير متطلباتها سواء المرافق أو المتطلبات التعليمية بحد ذاتها.

 

قلة المترجمين تعيق تواصل الأصم مع المجتمع

يجزم وائل سمير مترجم لغة إشارة أن ندرة المترجمين هي معضلة يعاني منها الوطن العربي بشكل عام، وليس في الدولة فحسب، لافتاً إلى أنهم يحاولون التغلب على هذه المشكلة من خلال تنفيذ دورات تؤهل المنتسبين إليها لفهم أبجديات اللغة التي تتيح لهم القدرة في التعامل مع ذوي الإعاقة السمعية، وذكر أنه لا مجال إلا للحديث عن صعوبة التعامل مع العالم الخارجي مع قلة المترجمين وهي مسألة يصطدم فيها الأصم في أي مكان يتجه إليه سواء علاجي ترفيهي، أو أمني، ما يفرض على الفرد قيوداً في مجال تواصله مع الآخرين، فقد لا يفهم ما يقوله الآخرون بصورة سليمة، كما أنه قد لا يستطيع إيصال ما يريد إيصاله من معنى إلى الآخرين، مما يؤدي إلى شعوره بالعزلة عنهم، فالإعاقة السمعية قد تحد من مشاركة الشخص الأصم وتفاعله مع الآخرين واندماجه في المجتمع مما يؤثر على توافقه النفسي والاجتماعي، ويؤدي به إلى الاغتراب عن ذاته وعن المجتمع، مطالباً بوجود موظفين يلمون بلغة الإشارة وتوفير بيئة صحية لهذه الفئة.

تجربة

وذكر أنه تعلّم لغة الإشارة لأنه ابن لأم وأب من ذوي الإعاقة السمعية فعايش معاناتهم بصورة كبيرة، وتابع: حتى الإعلام المرئي لا يوليهم أهمية، فمن الضروري أن تكون الأخبار وبعض البرامج التربوية والصحية والدينية مترجمة بلغة الإشارة ما يتيح لهم متابعتها كباقي أفراد المجتمع، ولفت إلى أنهم في مدرسة الأمل ينفذون دورات لكن المشكلة أن من ينتسبون لها يفتقرون لأبجديات المهنية.

تقنيات مساعدة

وقال إن الجامعة تعمل حالياً على إدخال تقنيات مساندة داخل القاعات تساعد الأصم وذوي السمع الخفيف في التقليل من عمليات التشويش، إضافة إلى وجود مشروع مقترح كامل قيد الاعتماد من إدارة الجامعة سيخدم هذه الفئة بصورة كبيرة ويعزز مكانة المركز الإنسانية وليس التعليمية فحسب، مشيرة إلى أن لديهم قسماً مختصاً بالإرشاد النفسي والأكاديمي والاجتماعي يقدم من خلال جلسات جماعية أو فردية، إضافة إلى غرفة مصادر تعلم خاصة بالطلاب وأخرى بالطالبات مجهزة بأحدث التقنيات التي تخدم ذوي الإعاقة على اختلاف إعاقاتهم.

67 طالباً

أما عفاف الهريدي مديرة مدرسة وروضة الأمل للصم التابعة لمدينة الشارقة للخدمات الإنسانية، فأفادت بأن لدى مدرسة الأمل للصم 67 طالباً وطالبة منتظمون فيها، أما الروضة فيوجد فيها 19 طفلاً تصل طاقتها الاستيعابية لـ25 طفلاً، وأن المدرسة فيها فصول من الصف الأول وحتى الثاني عشر وتدرس وفق المنهاج الوزاري المتبع، ومن تجد المدرسة لديه الإمكانية للدمج في المدارس يتم اتخاذ الإجراءات المناسبة بحيث يجري سنوياً دمج 3-4 طلبة على الأقل بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم التي طبقت من سنوات نظام دمج ذوي الإعاقة في المدارس الحكومية وبعض المدارس الخاصة.

وتعتبر المدرسة هي النواة التي تأسست حولها المدينة لتقدم خدمات التعليم والتأهيل والتمكين للأشخاص من ذوي الإعاقة السمعية من مرحلة الروضة وحتى مرحلة الثانوية العامة، والمعتمدة على منهاج وزارة التربية والتعليم لكل المراحل الدراسية، كما ويتم استخدام أهم وأحدث وسائل التكنولوجيا في التعليم، بالإضافة إلى الشراكة الفعّالة مع مايكروسوفت وجامعة الشارقة لتدريب الأشخاص من ذوي الإعاقة السمعية على استخدام مهارات الكمبيوتر، وأجهزة «اف، ام» ويتم التركيز في هذه الطريقة على تدريب الطلاب على البقايا السمعية الموجودة لديهم والنطق السليم، وتعليم لغة الإشارة.

تنمية معرفية

واستعرضت هريدي الأهداف العامة لمدرسة وروضة الأمل للصم المتمثلة في إكساب الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية المهارات الأكاديمية والعمل على تنمية وتطوير مختلف الجوانب النمائية «معرفية – حركية – اجتماعية – انفعالية» بهدف تمكينهم في مجتمعاتهم، وتعزيز عملية دمج الطلاب ذوي الإعاقة السمعية في مدارس القطاعين العام والخاص في الدولة، ونشر لغة الإشارة باعتبارها اللغة الأم للأصم، وزيادة التوعية والتثقيف حول الإعاقة السمعية.

مدرسة نوعية

تطبق مدرسة الأمل للصم التابعة لمدينة الشارقة للخدمات الإنسانية، كأول مدرسة للصم «برنامج محمد بن راشد للتعلم الذكي»، من خلال التعاون مع الشركاء التقنيين للبرنامج، حيث قامت بإدراج تقنيات التعليم المتطورة في فصولها الدراسية للصف الثامن والتاسع، وبعد النتائج الجيدة التي حققتها المدرسة خلال الفترة التجريبية، قام «برنامج محمد بن راشد للتعلم الذكي» بالتعاون مع شركائه من كبرى الشركات العالمية والرائدة في مجال التقنيات، بما فيها هيوليت باكارد (إتش بي)، ومايكروسوفت، واتصالات، وآي تي ووركس التعليمية.

مطلب مهم

تأمل مديرة مدرسة وروضة الأمل في أن تبادر الجامعات بتعيين مترجمي لغة إشارة من الحاصلين على رخصة ترجمة لما لذلك من أهمية في تمكين الطلبة من استكمال تعليم ذوي الإعاقة الجامعي في مختلف المؤسسات التعليمية الموجودة في الدولة دون أي معيق، داعية إلى فتح باب القبول بشكل أوسع وهو مطلب مهم في ظل عدم قبول طلاب ذوي الإعاقة السمعية في الجامعات بعد أن أنهى دراسته الثانوية.