»جاهزون لإنجاز أي نوع من مشاريع تخرج الطلبة«، بهذه الكلمات تساوم مكتبات ومكاتب هندسية وشركات تجارية »زبائنها« الطلبة الراغبين في إنجاز مشروع تخرج »مفصل على المقاس« مقابل مبالغ مالية تتراوح بين 4 آلاف و30 ألف درهم..
حالات لم تصل حد الظاهرة إلا أنها تؤرق الكثير من أولياء الأمور وترهق الطلبة الباحثين عن التميز في التخرج، وتفتح الأبواب أمام بعض الطلبة المتكاسلين لينالوا درجات علمية على غير جهد علمي.
وعلى الرغم من غرابتها في الواقع التعليمي إلا أن أصحاب المكاتب والمكتبات يرون في عملهم جانباً »أخلاقياً« يتمثل في تقديم المساعدة للطلبة، بينما تقف وزارة التربية والتعليم موقفاً حازماً من هذه الحالات وتؤكد أن هناك لوائح ومعايير تجرم الانتحال العلمي، في حال قدم الطالب واجباً من الواجبات المسندة إليه من قبل مؤسسته التعليمية أو من خلال ورقة بحثية أو مشروع.
وأنها حريصة على متابعة هذه المعايير والتدقيق عليها من خلال زيارات فرق التقييم الخارجي والمتابعة الدورية.
هاجس كبير

في نهاية كل فصل دراسي يواجه الطلاب هاجساً كبيراً وهو مشروع التخرج من الفصل الدراسي كونه حصيلة شهور التعب والدراسة لكن تأتي مشكلة تحديد فكرة المشروع وجودة تصميمه، ليبدأ مسلسل من البحث والتعرض للاستغلال وخاصة لطلاب كليات الهندسة بأنواعها وغيرها من الكليات.
حول هذه الحالات تذكر لنا »أم منصور« والدة الطالب منصور خليفة الذي يدرس بالسنة الثالثة في كلية الهندسة تخصص عمارة، حكايتها التي تتجدد كل نهاية فصل دراسي مع المشاريع التي تطلبها الكلية من ابنها للتخرج..
مشيرة إلى أن الاستاذ الذي يدرّس ابنها مادة »التصميم« وهي مادة تخصصية، طلب منه عمل تصميم لفندق، فيما اجتهد ابنها وقدم تصميماً لم يعجب الدكتور وطلب منه تغييره ثلاث مرات، بينما قدم زملاؤه تصميمات حصلوا عليها من المكاتب »السوبر ماركت«، وبالطبع أبدى الاستاذ إعجابه الشديد بها كونها متقنة بحرفية بالغة.
اضطرت أم منصور إلى اللجوء لهذه المكاتب لتضمن حصول ابنها على معدل جيد، إلا أن هذه المكاتب استغلت حاجتها خاصة وأن الوقت داهمها، إذ إن التسليم النهائي للمشروع لم يتبق له سوى أيام قلائل، فطلبت إحدى المهندسات العاملات في هذه المكاتب مبلغ عشرة آلاف درهم، ملوحة بأن الوقت ليس في صالح ابنها ولا يوجد متسع من الوقت للبحث عن غيرها لإنجاز المشروع وإلا سيضطر ابنها لإعادة المادة مرة أخرى الأمر الذي يؤخره عن التخرج.
تكلفة حسب التخصص
ويقول الطالب الإماراتي حامد الزرعوني الذي يدرس هندسة كهربائية قسم إلكترونيات، في جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا إن الأبحاث والمشاريع تكلف الطالب حسب التخصص والمادة، إذ إن المواد الأدبية التي تتطلب أبحاثاً كتابية تتراوح تكلفتها من 5 إلى 8 آلاف درهم، أما التخصصات العملية كالهندسة فتكلفة المشاريع فيها تصل إلى 30 ألف درهم.
حيث تستغل الشركات التجارية حاجة الطلاب للتخرج، ويضطر ولي الأمر إلى تكبد عناء مصاريف المشاريع التي لا تقل تكلفة عن المصروفات الجامعية.
مشيراً إلى أن زميلاً له أعد مشروع تخرج بـ17 ألف درهم رغبة منه في الحصول على معدل عال وشهادة تخرج، بغض النظر عن استفادته أو تسلحه بالعلم الكافي الذي يؤهله للتحديات المستقبلية من عدمه.
النوع لا الكم
»كم صفحة تريد«؟.. سؤال آخر طرحه أحد المختصين على الطالب يوسف هشام الذي يدرس في كلية الإعلام بإحدى جامعات الدولة، وأراد بحثاً حول مادة معينة قائلاً: يعنيني النوع لا الكم، فرد المختص بثقة: »ما عليك هذه شغلتنا«، ثم طلب من مساعده على الفور أن يباشر في تحضير المراجع التي تساعده في كتابة البحث.
وقال طالب آخر يدرس الإعلام إن مشروع التخرج تطلب منه أن يسجل حلقة تلفزيونية معينة لا تستغرق سوى دقائق معدودة، إلا أنه واجه تحديات تتمثل في الحصول على موافقات من جهات معنية حيث وصلت تكلفة هذه الموافقات إلى 8 آلاف درهم.
وأكد الطالب عبد الرحمن محمد الياسي الذي تخرج من قسم الإعلام من إحدى جامعات الدولة، أن إحدى المكتبات طلبت منه مبلغ 8 آلاف درهم لإعداد مشروع التخرج واضطر أن يدفعها ليحصل على درجة عالية وعلى الشهادة التي ستؤهله للوظيفة.
وقال: هذه المكتبة ونظيراتها من بين عشرات المكتبات والمكاتب الذين يبعيون أبحاث تخرج لطلاب جامعيين مقابل 5 إلى 8 آلاف درهم للبحث الواحد، وفق نوع التخصص وحجم المشروع، وغالبية هؤلاء يمتلكون رخصاً تجارية لغايات الدراسات والأبحاث والخدمات الطلابية، لكنهم يستخدمونها كغطاء لبيع مشاريع تخرج.
ويضيف طلاب إن تلك المكاتب تستغل ضعف رقابة وزارة التربية والتعليم، وتقصير بعض الجامعات في توفير معامل لطلابها ما يضعف كفاءات الخريجين، ويقوض مستويات التعليم الجامعي، فضلاً عن أن بعض الأساتذة يضعون شروطاً تعجيزية ومعايير بعيدة عن مساقات الكليات، ما يدفع طلبة إلى تلك المكاتب لإنجاز مشاريع التخرج، على ما يؤكده خريجون جامعيون.
بين التربية والمكتبات
لدى مواجهته بتلك المعطيات أكد صاحب أحد المكاتب الهندسية، فضل عدم ذكر اسمه، بأنه يساعد الطلبة في إعداد مشاريع التخرج، لافتاً إلى أنه لا يوجد قانون يجرم ذلك ويصر على أن عمله أخلاقي.
وأشار الأستاذ الدكتور محمد بدر الدين أبو العلا رئيس مفوضية الاعتماد الأكاديمي في وزارة التربية والتعليم، إلى أن هناك لوائح ومعايير تجرّم الانتحال العلمي، في حال قدم الطالب واجباً من الواجبات المسندة إليه من قبل مؤسسته التعليمية أو من خلال ورقة بحثية أو مشروع.
وأضاف إن كل مؤسسة تعليمية مرخصة ومعتمدة من التعليم العالي لديها هذه المعايير فضلاً عن الوسائل الإلكترونية المختلفة للكشف عن الانتحال الأدبي، ولابد أن تنفذها وتفعلها وتوثقها، بحيث يكون هناك عقوبة تقع على عاتق الطالب الذي قام بهذا الفعل نافياً وجود نقص تشريعي أو قانوني في التشريعية الناظمة للعملية الأكاديمية.
وأكد بأن الوزارة حريصة على متابعة هذه المعايير والتدقيق عليها من خلال زيارات فرق التقييم الخارجي والمتابعة الدورية التي تقوم بتقييم أداء المؤسسات والبرامج، فضلاً عن ضرورة مناقشة الطالب في كل ما يقدمه بواسطة لجان تحكيم تتألف من أعضاء هيئة التدريس وخبراء من خارج الجامعة، للوقوف على مدى استيعاب الطالب لما قدمه، ليتضح ما إذا كان أعده بنفسه أم استعان بجهة خارجية.
10٪
إلى ذلك أكد أكاديميون جامعيون وجود هذه الظاهرة بين الطلبة إلا أنهم قدروا أنها أقل من 10٪، مشيرين إلى أهمية متابعة الطلبة خطوة بخطوة في إعداد المشروع، من خلال زيارات ميدانية دورية وأن تكون هذه الاشتراطات إحدى متطلبات التخرج، مما يضمن عدم انتشار الظاهرة.
وطالب الدكتور يوسف العساف رئيس جامعة روشستر الحكومية للتكنولوجيا بضرورة تنظيم عملية إعداد الطلبة للمشاريع من خلال تضافر الجهات المعنية وأطراف العملية التربوية، مشيراً إلى ضرورة إيجاد طرق بديلة لإشراك الطالب في العمل والمتابعة الأسبوعية للتأكد من قيامه بإعداد مشروعه بنفسه والأهم من ذلك تسليحه بالمهارات اللازمة.
إشراف أكاديمي
كما يؤكد الدكتور فهر حياتي عميد كلية الهندسة في جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا وجود الظاهرة ولكنه يقدر أنّها أقل من 10٪، مشيراً إلى أن التخصصات الهندسية في جامعة عجمان تبلغ 6 تخصصات هي هندسة كهربائية والتي تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي هندسة الإلكترونيات واتصالات وتحكم، وأجهزة، فضلاً عن الهندسة الطبية، والمعمارية، بالإضافة إلى التصميم الداخلي.
أعمال مكشوفة
أشار الدكتور فهر حياتي إلى أن الأستاذ الجامعي يستطيع أن يفرق بين عمل الطالب وبين الأعمال الجاهزة من خلال متابعته طوال الفصل الدراسي، مؤكداً أن الجامعة تحتوي على مختبرات علمية لتخصصات الهندسة يعمل فيها الطلاب لمدة تصل إلى 8 ساعات أسبوعياً.
ولفت إلى أن مشروع التخرج بالنسبة لطلاب هندسة الكهرباء يتطلب إعداد مشروع مختبري داخل معمل الكلية، على أن يناقش فيه من قبل اللجنة المختصة، وكذا الحال بالنسبة لطلاب العمارة الذين يتوجب عليهم العمل على إعداد مشروعهم داخل استوديو مخصص لطلاب العمارة لمدة تصل إلى 9 ساعات أسبوعياً ويوجد في كل استوديو أستاذ أكاديمي ومشرف للمادة.
شراء المشاريع الجاهزة غش ولا يمكن تحميل الخطأ للطالب

على الرغم من أن القانون لم يجرم المكتبات أو الطلبة الذي يلجؤون إلى شراء المشاريع إلا أن الأمر لا يخرج قطعاً عن نطاق الغش المعاصر.
وقال اللواء محمد سعيد المري مدير الإدارة العامة لخدمة المجتمع في شرطة دبي إنه لا يوجد أي عبء قانوني لا على الطالب ولا على الجهة التي أعدت له المشروع، مشيراً إلى أن لجوء الطلاب لتقديم مشاريع ليست من عمل أيديهم لا تخرج من نطاق الغش، غير أنه التمس العذر للطالب كونه مادة خام تتولى المؤسسات التعليمية المختلفة مسؤولية تشكيله، من خلال التدريب والتأهيل وتوفير كافة سبل التعلم له.
وأهاب بضرورة تهيئة الطالب قبل أن يطلب منه إعداد بحث أو مشروع من أجل تسليحه بالمهارات والأدوات اللازمة لتحديات التعليم ومواجهة المستقبل، كما يجب أن لا تخرج تلك البحوث والمشاريع المطلوبة منهم عن المنطقية.
وأشار إلى أنه لا يمكن تحميل الخطأ على الطالب، وإنما يقع العبء الأكبر على المؤسسات التعليمية التي لا تؤهله ولا تراقب أداءه، فلا يمكن إصدار قانون ضد الطالب أو المكتبة أو أي جهة قامت بإعداد المشروع نيابة عنه، إلا في حال السرقة الأدبية، من خلال حماية الملكية الفكرية، والعقوبة الوحيدة هي حرمان الطالب من النجاح.
ويقول اللواء المري: إن كان لابد من إصدار قانون، فالأولى أن ينظم العلاقة بين المؤسسة التعليمية والطالب ويلزمها بتوفير المعامل والورش والدورات التدريبية له، قبل أن تطلب منه إعداد مشروع بنفسه.
مخافة دينية
أشار الشيخ عبد الله الكمالي رئيس مراكز مكتوم لتحفيظ القرآن الكريم بدبي إلى قول الرسول الكريم »من غشنا فليس منا«، قائلاً إن اللجوء إلى شراء البحوث الجاهزة نوع من أنواع الغش المعاصر، رغم أن نبينا الكريم قد حثنا على اتقان العمل حين قال »إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه«.
وأشار إلى أن التعاون مع الجهات التي تبيع الطلاب المشاريع الجاهزة بمقابل مادي لا يجوز، مشيراً إلى أن الطالب لابد أن يجتهد في الحصول على المعلومة إذ إن ذلك له كبير الأثر الطيب في نفس الباحث، كما أنه وحده القادر على التأكد من المعلومات ودقتها.
طلبة: المدرسون أهملوا إعطاءنا مهارات إنجاز المشاريع
أوضحت الطالبة مريم محمد خريجة كلية الهندسة في إحدى الجامعات بالدولة إنها لا تمتلك المهارات التي تؤلها لإنجاز مشروع تخرج يحقق لها الدرجات المطلوبة.
وقالت: »ببساطة لا أمتلك المهارات الكافية لعمل مشروع تخرج«. وقد اشترت الطالبة مريم مشروع تخرجها بـ 30 ألف درهم من أحد الخريجين الذين سبقوها وامتهنوا بيع المشاريع، وتعتقد أن أعضاء هيئة التدريس أهملوا في تعليم الطلبة الجوانب العملية المهاراتية، وأن المختبرات العملية لا تُعطى حقها في التدريس والوقت المخصص لها.
ويؤكد هذه الفكرة ما أبداه بعض الطلبة من ثناء على هذه التصرفات بحيث يرون أن الأمر فتح أمامهم أبواب الحصول على الدرجات العليا حتى فاقوا بها زملاءهم، كما ألقوا باللائمة على هيئات التدريس في جامعاتهم التي أهملت تعليمهم المهارات العملية لإنجاز المشاريع الجامعية.
وتقول »و.ج«، خريجة إحدى كليات الهندسة تخصص عمارة من جنسية خليجية، إنها اشترت وزملاؤها مشاريع تخرجهم حول تصميم بناء حديث، وتقول مفاخرة: كان ذلك أسهل حل أمامنا، فقد حصلنا على علامة أعلى من زملائنا الذين عملوا مشاريعهم بأنفسهم، مشيرة إلى أن الخطط الدراسية لا تلبي حاجات الطلاب العلمية لعمل مشاريع تخرجهم، أو أن مطالب بعض المدرسين تعجيزية.
الدعوة لإنشاء مراكز تدريبية حول كيفية إعداد المشاريع
ناشد بعض الطلبة أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة بالاتجاه إلى إنشاء مراكز تدريبية للطلبة لتدريبهم على كيفية إعداد مشاريعهم بأنفسهم بحيث يضربون عصفورين بحجر واحد، فمن ناحية يحصلون على التدريب العملي اللازم بسعر ملائم، ومن جهة أخرى يحصلون على معدلات تراكمية عالية.
وأعرب الطلبة عن أسفهم كون التعليم في بعض الجامعات أصبح مادياً فقط ولا يمت للجودة بصلة ولا يكترث بعض الأكاديميين بتخريج طلاب يواجهون تحديات سوق العمل،
وأضافوا إن الخطط الدراسية العلمية في بعض الجامعات تركز على الجوانب النظرية، وتتجاهل الجوانب العملية، ما أدى إلى ضعف مخرجات الطلبة من الناحية العملية والفنية، وبالتالي عدم قدرتهم على عمل مشاريع تخرجهم.
وأشار وا إلى أن بعض الجامعات مثل الطب والهندسة تقيّم الطالب على الشكل النهائي للمشروع وجودته، ولا يهم في ذلك الأخذ بالاعتبار ما إذا كان الطالب نفذه بنفسه أو أنه اشتراه جاهزاً، مما يضع الطلاب غير المقتدرين في مقارنة صعبة مع زملائهم الميسورين الذين يستطيعون شراء مشاريع متقنة.
