يعتز بمكتبته إلى حد اعتبارها فردوساً دنيوياً، يجد فيها متعةَ العقل والروح والوجدان، كتب عنها قديماً معبراً عن شعوره تجاهها: «المكتبة روضةٌ غناء، قد دنت قطوفُها وفاح أريجها، وامتدت ظِلالها.. غرسها العلماء، وسقاها الحكماء، ونسّقها الأدباء، فيا لسعادةِ مَن اجتنى شهي الثمار، واستنشق العبير المعطار، وتفيأ الظلّ الوارف».
إنه علي محمد المطروشي مستشار التراث والتاريخ بدائرة التنمية السياحية في عجمان، ومدير متحف عجمان سابقاً، تخرج من جامعة الإمارات في كلية الآداب، قسم التاريخ الدفعة التاسعة في العام 1989.
أرقى غذاء
ويرى المطروشي أن القراءة المفيدة أرقى غذاء للعقل الإنساني؛ يتفرد به عن سائر الكائنات الحية، وهي عمليةُ بناء للمعرفة والثقافة والشخصية، يجب أن لا ينقطع الإنسان عن القيام بها كلما أتيحت له الفرصةُ للاطلاع والتثقيف الذاتي، بل يجب أن يخلق لنفسه الفرص للاطلاع.
ويمتلك المطروشي مكتبة خاصة في منزله بمنطقة الجرف في عجمان، نواتها الأولى بدأت كما يقول حين كان تلميذاً في المرحلة الابتدائية، منتصف عقد السبعينات، فكانت عبارة عن مجموعة صغيرة من قصص الأطفال وبعض كتب العلوم المدرسية والمجلات المصوّرة، وأخذت تنمو مع السنين.
100 درهم
وقال علي المطروشي إنه حين كان طالباً في المعهد العلمي الإسلامي أواخر السبعينات، كان طلبة المعهد يتقاضون راتباً تشجيعياً آنذاك، وحينها سمح له والده، رحمه الله، بشراء ما يريد بـ100 درهم من الراتب، وقد كان يذهب إلى الشارقة حيث توجد مكتبتان تجاريتان تبيعان الكتب والمجلات هما: الآداب والأنوار، إضافة إلى استعارته للكتب من مكتبة عجمان العامة.
وأوضح أن ندرة آلات التصوير في الفترة الماضية اضطرته إلى القيام بنسخ بعض الكتب الصغيرة والدواوين الشعرية المستعارة بخط يده، ولا يزال إلى اليوم محتفظاً بها. كما شكّلت إهداءات الأصدقاء المثقفين رافداً من روافد تغذية المكتبة بالمؤلفات المختلفة، كما كان حريصاً على رفد مكتبته بالكتب النادرة المصوّرة من مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث.
3 آلاف
ليس لدى المطروشي إحصائية دقيقة بعدد الكتب التي تستوعبها مكتبته، ويُرجح أن عدد العناوين فيها لا يقل عن ثلاثة آلاف عنوان إن لم تكن أكثر، كما أن عدداً من كتبه مودعة حالياً في مكتبة متحف عجمان، مبيناً أنه من محبي علم التاريخ وخاصة الإسلامي الوسيط، والمحلي الحديث والمعاصر، وهو تخصصه الأكاديمي. كما أنه من هواة علم الأنساب وله فيه مؤلف بعنوان «المواهب اللطيفة في الأنساب الشريفة»، وهو مهتم بالتراجم والسير والرحلات، كما يقتني كتب الأدب العربي ودواوين الشعر الفصيح منها والنبطي، إضافة إلى علوم المكتبات، وله مطالعات متفرقة في علوم الاجتماع والانثروبولوجيا والنفس والفلسفة.
أفضل الأوقات
ويستطرد أن أفضل أوقات المطالعة عنده بين التاسعة صباحاً وحتى الثانية عشرة ظهراً، ثم من الساعة الرابعة والنصف عصراً حتى أذان العشاء، وأنه يحاول دائماً أن يوفر الجو الملائم للمطالعة بحيث يكون المكان هادئاً، والإضاءة مناسبة، مع وجود التهوية والجو المشبع بالأكسجين، فالضجيج والإضاءة الوهّاجة أو الخافتة جداً. وكذلك الأماكن المغلقة التي تفتقر إلى الهواء النقي المتجدد؛ كلها تمثل بيئةً سيئة لا تساعد على الراحة النفسية أثناء المطالعة، بل تتعب العين وتجلب الكسل والنعاس.
مكتبات
وأوضح أن أهم مكتبتين كان يتواصل معهما، هما مكتبة جامعة الإمارات، والتي ساهمت في إثراء مكتبته الشخصية بالمصورات القيمة خلال فترة دراسته الجامعية (1985 – 1989م)، حيث استعار منها كتاب الأصنام لابن الكلبي الذي شرع في نسخه بقلمه، ثم بدأ في تصوير عدد من الكتب مثل نسب قريش لمصعب بن عبدالله الزبيري، وكتاب المعمرون والوصايا لأبي حاتم السجستاني، وغيرهما. أما المكتبة الثانية فهي مكتبة مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، ونسخ منها كتباً قديمة بيده، بعد أن تعذّر تصويره بسبب قِدمه وتقصف أوراقِه، وهو بعنوان «تاريخ اللغة العربية» لجرجي زيدان مطبوع في عام 1904. كما صور 150 عنواناً عبر السنوات التالية.
نحلة ورحيق
ولفت المطروشي إلى أنه يجب على المثقف أن يكون مثل النحلة تمتص الرحيق من الأزهار ثم تنتج عسلاً غنياً بالمواد الغذائية، فلا يكفي أن يكون المثقف مستهلكاً للمعرفة مهما كان قارئاً نهماً، بل يجب عليه أن يساهم قدر المستطاع في إنتاج المعرفة، وأن الثقافة الشخصية لا قيمة لها إلا إذا وظفت في خدمة المجتمع، فيشعر الناس بقيمتها وقيمتنا.
وبيّن أنه أنتج مؤلفات عدة أهمها «المواهب اللطيفة في الأنساب الشريفة»، و«دراسة عن تاريخ التعليم التقليدي في عجمان حتى عقد السبعينات»، وكتاب «عناقيد ثقافية» الذي يضم بحوثاً ومقالات سبق نشرها، إضافة إلى عدد من محاضرات التراث الشعبي والتاريخ الإسلامي.
مستودع حبوب
وقال: من الأخطاء التي يقع فيها الكثير من المثقفين اعتقادهم أن ما تلقوه على مقاعد الدراسة من علوم وآداب يكفيهم، ويغنيهم عن مطالعة كتب خارج المنهج، والحقيقة أن كتب المناهج ما هي إلا مفاتيح للمعرفة وخطوطٌ عريضة من مبادئها، يتوجب اتخاذها قاعدة للانطلاق منها إلى آفاق لا محدودة من الفضاء المعرفي، مبيناً أن الجيل الجديد أصبح ينعم بوجود بيئةٍ معرفيةٍ خصبة لم تكن الأجيال السابقةُ تحلم بمثلها من حيث الكم والكيف، فنحن نعيش انفجاراً معرفياً حقيقياً جعلنا نشعر إزاء الوفرة الهائلة من مواد الثقافة أننا مثل نملة داخل مستودع حبوب! لا يمكنها استهلاك عشر معشارِه مهما طال الزمن.
طاولة خاصة
أشار علي المطروشي إلى أنه يعد نفسه قارئاً نهماً، كلما فرغ من كتاب شرع في قراءة غيره، كما أنه يشعر بمتعة كبيرة حينما يقوم بعملية انتقاء لكتاب من مكتبته، مبتكراً طاولة خاصة للقراءة تحمل في اليد وتوضع على المكتب فتجعل الكتاب في وضع ملائمٍ للنظر ومريح للرقبة، وصنع منها نسخاً أهداها للزملاء المثقفين، وأن قراءة الكتاب المتوسط تستغرق أحياناً شهراً كاملاً.

