لمشاهدة الغرافيك بالحجم الطبيعي اضغط هنا

 

تشير آخر الإحصاءات الرقمية في قوائم الخرجين بكلية التربية بجامعة الإمارات، إلى أنه في الدفعة 34 للعام الجامعي 2014، لا يوجد أي «خريج من الذكور»، فيما كان عدد المسجلين في الكلية في عام 2000 قد بلغ 151 طالباً و2492 طالبة، تخرج آخر طالب من كلية التربية في 2005، حيث انخفض عدد الطلاب المسجلين حينذاك إلى 13 طالباً، إلى أن وصل في العام الجامعي 2014 إلى الصفر، ما يعطي دلائل ومؤشرات تسترعي الانتباه، وضرورة التوقف عندها، ودراستها وتحليل نتائجها، ومدى انعكاس ذلك على البيئة التعليمية ومخرجاتها، في ظل عزوف الشباب المواطنين عن مهنة التدريس، اللهم ما خلا من الوظائف الإدارية، في ظل تزايد الاستقالات والتقاعد المبكر للكوادر القديمة.

تحديات وتساؤلات

كما تشير الاستطلاعات والتقييمات الميدانية، إلى أنه، ومنذ ثلاثة عقود مضت من الزمن، باتت مهنة التعليم تعاني تحديات كبيرة وخطيرة، أدت إلى تراجع المهنة من حيث المكانة المعنوية والاجتماعية والتربوية، والمردود المادي والاقتصادي، وحتى الأداء المهني، في ظل ضغوط وأعباء المهنة التي باتت تتزايد يوماً بعد آخر، ما بات يستهلك وقت المعلم وجهده دون مردود يذكر، لدرجة بات السؤال يطرح نفسه، وسط الميدان التربوي.

والأسئلة المهمة الآن، هل باتت مهنة التعليم بيئة وظيفية طاردة..؟، وهل مخرجات الأداء التعليمي في منهجنا التربوية توازي دور ومكانة المعلم الذي يعتبر الأداة الأساسية للتغير والتطوير والبناء الذي نتطلع إليه، في ظل التغيرات الاجتماعية والتطورات المهنية، وظهور مهن منافسة في المردود المادي والمكانة الاجتماعية، وبجهد أقل وامتيازات أكثر؟، هنا تظهر ضرورة إعادة النظر في تلك المهنة، التي تحمل رسالة إنسانية، تبنى عليها الأمم والمجتمعات المتحضرة، وتعتبر من أقدم المهن الإنسانية...

مشروع وطني

أوضح خبراء أكاديميون من كلية التربية لـ «البيان»، أنه يمكننا أن نجزم بأنه ليس بالإمكان تناول مسألة عزوف المواطنين عن العمل بمهنة التدريس، بعيداً عن الفهم الصحيح للواقع الاجتماعي، وثقافة المجتمع السائدة، وتطور التعليم في إطار الحياة الاجتماعية والاقتصادية، ومكانة المعلم، وسوق العمل الذي يرتبط بالتغيرات والتطورات الهائلة والمتسارعة، خلال العقود الثلاثة الماضية، وفق المتغيرات التنموية، دون أن نغفل حقيقة استيعاب الكادر التعليمي نفسه، والمجتمع من حوله للمفهوم الصحيح لمهنة المعلم، على اعتبار أنها مهنة، وليست وظيفة.

مشروع

ويؤكد الخبراء أنه بات مطلوباً أن تكثف جهود كل من وزارة التربية ومجلس أبوظبي للتعليم من أجل صياغة مشروع وطني متكامل لإعادة هيبة المعلم في كافة الجوانب المادية الاجتماعية والمعنوية، عندها يمكن أن نتفاءل بإمكانية الإمساك بمفاتيح الحلول الجوهرية للخروج من هذه الأزمة، التي باتت تفرض نفسها على أصحاب الخطط والمشاريع الاستراتيجية، والتي تستهدف بالدرجة الأولى العملية التعليمية، كونها المدخل الواسع لكل مشاريع التنمية والتطور في الدولة والمجتمع، فهذه الظاهرة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمقومات تعزيز الهوية الوطنية الإماراتية وثقافة المجتمع.

أسباب وتداعيات

«البيان» طرحت موضوع عزوف المواطنين عن مهنة التعليم بشكل عام، والذكور بشكل خاص، وتردي ظروف المعلم المادية والاجتماعية، على خبراء التربية والتعليم في كلية التربية بجامعة الإمارات، والتي خرجّت منذ عام 2000 ولغاية عام 2014، قرابة 25 ألف طالب وطالبة، فقط 25 في المئة منهم يعملون في التعليم.

وأشار الدكتور جمال النعيمي وكيل كلية التربية، إلى أنه من غير الموضوعي أن نختصر أسباب عزوف المواطنين عن العمل بمهنة التدريس في العائد المادي، أو في الركود الوظيفي، أو غير ذلك من تبريرات ضيقة، تساق هُنا أو هُناك، ومن التجني القول إن الخريجين الذكور يهربون من العمل بالتدريس لعدم تحمل مسؤولية المهنة وأعبائها التربوية والأخلاقية، أو أن الشباب يبحث عن عمل يحقق له المكانة الاجتماعية بأسرع وأيسر الطرق، وأضاف، لا بد لنا من أن نعتمد على دراسات علمية متعمقة، ومن ثم صياغة استراتيجية وطنية تستهدف إعلاء شأن المعلم، من خلال فهم وتحسين البعد الثقافي والمجتمعي لمهنة المعلم بشكل عام، وإعادة الهيبة لدوره ومكانته.

عزوف الطلبة

وأضاف أن كلية التربية، وفي ظل الاستراتيجيات الوطنية لحكومتنا الرشيدة، ووفق الرؤية المستقبلية لدور الجامعة في خدمة الدولة والمجتمع، عملت، وعلى مدار عقدين من الزمن، على إعداد الكوادر الوطنية المؤهلة في كافة التخصصات التربوية، بهدف رفد الميدان التربوي بكافة التخصصات التربوية المطلوبة، وخرجت قرابة 25 ألف خريج وخريجة، لكن هذا الرقم بات يتقلص كثيراً في السنوات الأخيرة، حيث كان عدد المسجلين في عام 2000 قرابة 2492 طالبة و151 طالباً، تراجع في عام 2014 ليصبح 479 طالبة، فيما غاب الذكور عن قائمة المسجلين، وكان آخر خريج من الذكور في عام 2005 تخصص تربية رياضية.

وأضاف أن سبب ارتفاع معدل تناقص الموطنين في قطاع التعليم بشكل عام، من خلال الاستقالات والتقاعد المبكر، وأيضاً انخفاض أعداد الطلبة الملتحقين بكليات التربية في الدولة، عاماً بعد آخر، كل ذلك يعتبر من أكبر التحديات التي تواجه العملية التعليمية وتوطين المهنة.

وأوضح أن الأمر يعود لنفس الأسباب، ونسب الأرقام الحالية التي تشير إلى استمرار هذه المشكلة، بل تفاقمها انعكاساً لما يحدث في الميدان التربوي، إذ إن المطلوب ليس مجرد زيادة أعداد المعلمين الخريجين فقط، وإنما زيادة عدد المعلمين الذين يمتلكون مهارات وأدوات حديثة للمهنة، إذا لا بد من جعل مهنة التدريس مهنة جاذبة، ومن دون ذلك، سوف تبقى مهنة طاردة للكفاءات، ما دام الفارق المادي والأدبي بينهما وبين المهن الأخرى كبيراً. وأن الخطط الإرشادية لجذب الطلبة والحوافز التي تقدمها الكلية، لن تكون مجدية، ما دام الفارق المادي كبيراً.

جهود مشتركة

وبهذه المناسبة، لا بد من توجيه الشكر والتقدير لوزير التربية والتعليم، على ما يقوم به من تواصل وتعاون مع كليات التربية في الدولة، بهدف تطوير البرامج المهنية التي تقدمها الوزارة للمعلمين، والاهتمام المستمر لمراجعة المناهج الحالية، وإشراك كليات التربية في مراجعتها، إلا أن خطط وأهداف الوزارة، تعتمد في النهاية على الجهد الذي يبذله معلم الفصل، وعليه، لا بد من الارتقاء بظروف المعلم من كافة الجوانب، المادية والاتجاهية والمهنية.

وفي هذا الإطار، اقترح تشكيل لجنة لفريق عمل مشترك، يدرس احتياجات المعلمين، على أن يكون من بين أعضاء اللجنة معلمون ومعلمات من العاملين في الميدان.

وأوضح أن فروقات الرواتب للمعلمين بين جهة وأخرى، أيضاً، يشكل سبباً مباشراً للعزوف، فالراتب الأساسي للمعلم في الوزارة يتراوح ما بين 17- 18 ألف درهم، والراتب لنفس المعلم والتخصص في مجلس أبوظبي للتعليم 28- 27 ألف درهم، إضافة لامتيازات أخرى.

إعادة النظر

الدكتورة شيخه الطنيجي، الأستاذ المشارك ورئيس قسم أصول التربية في كلية التربية، تقول: لا بد من إعادة النظر في كيفية تحسين المكانة الاجتماعية للمعلم، كقيمة اجتماعية فاعلة ومؤثرة في المجتمع، واعتماد رؤية تجعل من المعلم يتبوأ صدارة ومحور الميدان التربوي، كما هو الحال بالنسبة للطبيب والمهندس، وتضيف أنه على رغم الجهود التي تبذل على كافة المستويات في الدولة، سواء اتحادياً أو محلياً من أجل تشجيع المواطنين على الالتحاق بمهنة التدريس، وجعلها مهنة جاذبة، إلا أن الأرقام الحالية، تشير إلى تراجع مستوى الأداء، وكذلك تراجع الأعداد، وعزوف كبير عن المهنة من الجنسين، وإن كانت لدى الذكور أكبر، بسبب وجود فرص وظيفية أخرى، أكثر جاذبية ومكانة اجتماعية ومادية.

مؤكدة أن عملية التنمية والبناء، تعتمد على تحقيق الخطط الاستراتيجية للحكومة، ويعتمد على التعليم بشكل مباشر والارتقاء به، وذلك لن يتحقق إلا بوجود كوادر وطنية مؤهلة لتحقيق دور ومكانة المهنة، ودورها الإنساني والتربوي والتعليمي والارتقاء بالمجتمع.

ضعف المزايا

وأشارت إلى أن من الأسباب المباشرة لعزوف الطلاب عن الالتحاق بكلية التربية، ومن ثم الالتحاق بمهنة التدريس، ضعف المزايا المادية المقدمة، مقابل المزايا الموجودة للمهن والوظائف الأخرى، وكذلك عدم وجود كادر وظيفي مشجع للترقية في الوظيفة، إلى جانب طبيعة العمل، والضغوط الاجتماعية المحيطة، سواء في المدرسة أو خارج المدرسة.

واقترحت تقديم مزايا منافسة للمهن الأخرى، وإعطاء أولوية للمعلمين في تخصيص المساكن، وإنهاء جميع المعاملات الحكومية المختلفة للمعلم بأسرع وقت وأقل جهد، وتقديم المكافآت المادية للمتميزين والملتحقين بكلية التربية، أو الذين سوف يلتحقون.

دورات تدريبية ترهق المعلم وتمنعه من الابتكار

أشار الدكتور إبراهيم يوسف، مساعد العميد لشؤون الطلبة، إلى أن هناك دورات تدريبية غير هادفة أو منظمة تؤثر على مستوى الاستيعاب والأداء، ما يسهم في زيادة الضغوط والأعباء عليه، ولاتخلق أي فرصة للإبداع والتركيز.

وقال إن المعلم مظلوم، ويجب أن نشعر بظلمه، فهو مكون حيوي في العملية التعليمية، ونحن لا نريد للمعلم أن يصبح إدارياً فقط، بل نريده في الميدان لتحقيق التعليم المتميز، والعمل على زيادة الإنتاجية، وكذلك إيجاد دور لتقييم أولياء الأمور في الدور والمخرجات، وألا يكونوا على هامش التحديات، ونريد أيضاً أن يستشار المعلم في أي قرار يتعلق بمهنته ومستقبله ودوره، وما يخطط له في الميدان التربوي، لا أن تفرض عليه القرارات، وعليه تأديتها من دون قناعة، ما ينعكس سلباً على الأداء خلال العملية التعليمية.

وأضاف ان التشاركية مسـألة مهمة، من دون أن نفرض على المعلم الأمور أو البرامج المستوردة، التي قد لا تتلاءم ومنهجنا وعاداتنا وثقافتنا ومتطلباتنا التنموية، وهنا لا بد من التأكيد على أهمية التنمية المهنية، وضرورة مواكبة التطورات وتقنيات التعليم المتسارعة.

أعباء

وقال د. يوسف إن الدورات التدريبية غير المنظمة وغير الهادفة، تؤثر على مستوى الاستيعاب والأداء، كما أنها قلصت من إجازات المعلم المستحقة أكثر من أسبوعين، ما أسهم في زيادة الضغوط والأعباء داخل المدرسة وخارجها، حيث يمكن أن تكون تلك الدورات خلال فترات محددة من العام، وبمقابل مادي تعويضاً وتشجيعاً للمعلم، وتخفيف ضغط البرامج والمتطلبات اليومية التي تغرق المعلم، حيث إن تلك الضغوط لم تعد تتيح له الفرصة للإبداع، أو حتى لاستجماع قواه وقدرته على التركيز، فبعض المعلمين يبدأ دوامه من الساعة 6 صباحاً، ولا يعود لمنزله قبل 5عصراً، منهك القوى، ومشتت الذهن. إضافة إلى ذلك، فإن معدل عدد ساعات العمل الدراسي تتراوح ما بين 18- 22 ساعة في الأسبوع، وهذا عبء كبير على المعلم.

تطوير البرامج

وأوضح الدكتور إبراهيم، أن مساقات الكلية حالياً معنية وبشكل مباشر ببرامج الطفولة المبكرة والمراحل من 1-5 سنوات في الحلقة الأولى للتعليم الأساسي، وتقدمنا بمقترحات تطويرية للمساقات حازت الموافقة، سيتم الانتقال للمرحلة الثانية من خلال إعداد مدرسي المرحلتين الإعدادي والثانوي، ولكل المسارات والمناهج، إضافة لبرنامجي التربية الفنية والتربية الرياضة التي سيبدأ العمل بهما مع بداية الفصل الدراسي الثاني.

وأوضح، أجرينا دراسة استطلاعية بخصوص برنامج التربية الرياضية ووجدنا أن هناك رغبة لدى عدد جيد من الطلاب بالالتحاق بالبرنامج وإعادته لمساقات الكلية، على عكس برامج أخرى. وأكد أن جميع البرامج التي تطرحها الكلية، جاء تلبية لاحتياجات الميدان، وبناء على دراسة ممثلي وزارة التربية.

رأي

د. عوشة المهيري: ليس كل خريج تربية معلماً

الدكتورة عوشة المهيري، الأستاذ المشارك، رئيس قسم التربية الخاصة، تشير إلى أهمية تطوير التعليم ما قبل الجامعي، الذي هو أساس عملية دخول الطالب للجامعة، وأساس تجويد المخرجات، حيث تتولى الجامعة عملية تطوير المهارات، وإكساب الطالب الخبرات والكفاءات التقنينية، التي تلبي حاجة سوق العمل، وتلك الأولويات تختلف من تخصص لآخر.

وبالنسبة لمهنة التعليم، بات لها متطلبات ومواصفات خاصة، يجب أن يمتلكها الراغب بممارستها، فليس كل خريج كلية تربية صالحا للعمل معلما، والنسبة تتراوح ما بين 15 - 25 بالمئة، لا بد من وجود الرغبة أولاً، إضافة لذلك فإن عدد الساعات المعتمدة للتخرج في كلية التربية يفوق عدد الساعات المعتمدة في تخصصات أخرى، مما يؤدي لعزوف الطلاب ايضاً.

وأوضحت، أنه باتت هناك الكثير من التحديات، التي تواجه مهنة التعليم. ومن الأسباب المباشرة لعزوف الطلبة عن الانخراط في المهنة، كونها تعتبر من المهن الشاقة، اضافة للرواتب المنخفضة.

ومن بين التحديات وجود فرص عمل أخرى للمواطنين برواتب ومزايا تفوق مزايا مهنة التعليم، وبأقل جهد، الأمر الذي يفرض على الطلبة الالتحاق بتخصصات ذات رواتب مرتفعة وفق طبيعة سوق العمل.

ومن التحديات التي تفرض نفسها، تراجع تقدير المجتمع للمهنة، فمهنة التعليم فقدت مكانتها المجتمعية في الوقت الحاضر، وهذا يتطلب جهودا كبيرة لإعادة المكانة المرموقة لها، وتأكيد قدسيتها ومن بعض هذه الأسباب أيضا ما يتعلق بالمعلم نفسه، الذي لا يسعى إلى تطوير مهاراته وخبراته ومواكبة التطورات الحديثة والمتسارعة.

واضافت إنه من المعطيات النفسية والاجتماعية التي تساهم في جذب الطلبة لمهنة التعليم، النظرة الإيجابية والتقدير والاحترام الذي يجب أن يحظى به المعلم، من قبل الدولة والمجتمع معاً.

اهتمام

دراسات عليا في التربية الخاصة

أولت جامعة الإمارات اهتماماً كبيراً في برامج الدراسات العليا، حيث طرحت برنامج الدكتوراه، ويوجد به 7 طلاب في تخصصات المناهج وطرق التدريس والتربية الخاصة.

وفي برنامج الماجستير التحق 45 طالبة، حيث يوجد 3 مسارات، مناهج وطرق تدريس، الإدارة المدرسية، التربية الخاصة، وذلك بالتعاون مع جائزة الشيخ حمدان للتميز التربوي الإداري.