تظل أيام الدراسة الأولى مصدر ذكريات جميلة لجيل اليوم فقد خطوا خطواتهم الأولى إلى المدرسة بفرح وسرور بقليل من الرهبة والخوف اللذين بددهما تكاتف جميع العاملين في المدرسة من أجل إنجاح استقبال الطلاب المستجدين في الأسبوع التمهيدي، مما جعل الطالب ينسجم سريعاً مع البيئة المدرسية في أيام قلائل، إضافة إلى تهيئة المدارس لجميع الطلاب بمختلف المراحل الدراسية من خلال وجود الإرشاد الطلابي الذي يراعي متطلبات الطالب وما يواجهه من مشاكل داخل وخارج المدرسة، ووجود نظام يكفل للطالب نوعاً من الحرية في التفاعل مع جميع العاملين في المدرسة دون اللجوء إلى العقاب وخاصة البدني بسن قوانين تراعي وتلبي متطلباته السلوكية والاجتماعية والتربوية، على عكس جيل الأمس القريب الذين يجدونها ذكريات أليمة، وذلك لعدة أسباب لعل أبرزها الشدة والصرامة من إدارة المدرسة ومعلميها في التعامل مع الطلاب منذ اليوم الأول والتي تشوبها الخشونة غير مفرقين بين طالب مستجد وآخر قديم، فقد كان الجميع لديهم سواسية، ومما جعل المدارس تستخدم العنف في تعاملها مع الطلاب هو وجود ضوء أخضر من أولياء أمورهم.

حيث تجد ولي الأمر عند طلب تسجيل ابنه عبارة درج عليها الكل وهي «ولدكم وربوه قبل لا تعلمونه» أي لكم مطلق الحرية في إيقاع العقاب البدني عليه عندما يشاغب أو يقصر في أداء الدروس دون الخوف من اعتراضنا، وهذا الأمر جعل للمعلم قيمة وهيبة لدى الطلاب فهو لديه الضوء الأخضر في معاقبته دون مساءلة من ولي أمره.

هيبة وقساوة

عن ذلك تحدث سعيد الخشري معلم مارس مهنته أكثر من سبعة وعشرين عاماً، فقال: كانت للمعلمين قديماً هيبة كبيرة لدى الطلاب حيث لم يكن المعلم بحاجة إلى ضبط الصف إذ لا يوجد في ذلك الوقت طالب مشاغب لمعرفته يقيناً أن العقاب البدني القاسي وعلى مرأى من جميع طلاب المدرسة سيكون مصيره، كما أن الطالب الذي يقصر في أداء الواجبات المدرسية سينال عقابه هو أيضاً من قبل المعلم نفسه دون الرجوع إلى إدارة المدرسة، وكان العقاب عن طريق ضرب المعلم الطالب على يديه بالعصا فكل غلطة في التسميع لجدول الضرب مثلاً أو حفظ القرآن أو أبيات الشعر بعصا وهكذا.

ومن أساليب العقاب طلب المعلم من الطالب أن يقف في آخر الصف وحمل حقيبته عالياً طوال الحصة، ومما أكسب المعلمين تلك القوة والهيبة معرفة الطلاب يقيناً بأن ولي الأمر يقف دوماً مع المعلم حتى ولو أوقع على ابنه أشد العقاب، لذا لا تجد طالباً يخبر والده بأن المعلم عاقبه، إذًا سيكون الجواب أن المعلم على حق، فلولا أنك مخطئ لما تجرأ على أن يعاقبك، بل يتعدى الأمر بأن يعاقبه ولي الأمر إذا علم أن المعلم عاقبه.

العقاب

وأضاف الخشري: ولم تكن هيبة المعلم في المدرسة فقط، بل إنها تصل إلى خارج أسوار المدرسة، حيث يكون حظ الطالب سيئاً إذا رآه في طرق القرية يمشي حيث سيكون العقاب مصيره من الغد في المدرسة، لذا تجد كل طالب يفر إذا قابل معلماً كي لا يراه خوفاً من العقاب، ومع تقدم الزمن وإسراف بعض المعلمين في استخدام العقاب البدني المفرط تم منع الضرب في المدارس بشتى أنواعه أو إيقاع الأذى على الطالب.

وتغيرت سطوة ولي الأمر وصار الطلاب أكثر دلالاً حيث ولى زمن مقولة ولي الأمر للمدرسة عند تسجيله ابنه فيها «ولدكم وربوه قبل لا تعلمونه» حيث صار ولي الأمر أكثر حناناً على ولده وبذلك صار المعلم وإدارة المدرسة لا يملكان أي شيء يردع الطالب عند مخالفته للأنظمة أو تكاسله في أداء واجباته أو في حال غيابه المتكرر، مما جعل هيبة المعلم تقل شيئاً فشيئاً حتى انقلبت المعادلة رأساً على عقب فصار المعلم يخشى مواجهة طلابه خارج المدرسة حتى لا يسمع ما يكره من الطلاب خصوصاً من الطلبة المشاغبين أو الكسالى الذين هم بحاجة إلى التربية.

هيبة

عمل المسؤولون جاهدين إلى سن عدد من الإجراءات الرادعة التي كفلت للمعلم حقوقه، وساهمت في عودة هيبة المعلم، كما أصبح المعلمون الجدد أكثر وعياً باتباع أساليب التربية الحديثة التي قربتهم إلى الطلاب وجعلتهم يفرضون هيبتهم من خلال فهم متطلبات الطلاب في مختلف الأعمار والمراحل الدراسية.