قلة هم الذين يتحملون عناء سنوات الدراسة الطويلة والمضنية بلا كلل، يدفعهم الواجب الوطني والارادة المثابرة في ردم هوة نقص التخصصات النادرة، واعادة التاريخ الى سنواته المضيئة حين كان للعرب قصب السبق في الطبابة.

الدكتور سعيد عبد الله رئيس برنامج البورد العربي لطب المجتمع في أبوظبي، من الرعيل الأول الذي انخرط في دراسة الطب، وواحد من أولئك الذين وفرت لهم الدولة كل الدعم للحصول على الشهادات التخصصية، حيث حصل على درجة البكالوريوس في الطب العام للجراحة، والماجستير في طب المجتمع ثم درجة الدكتوراه في التخصص نفسه.

قضى الدكتور سعيد عبد الله سنوات الدراسة الجامعية في الخارج في رومانيا والمملكة المتحدة بما فيها الماجستير والدكتوراه ويعتقد أن تجربة الدراسة في الغربة على الرغم من أنها تجربة تحمل قدرا من المعاناة بسبب البعد عن الأسرة والحنين إلى الوطن، إلا أنها تعلم الإنسان الصبر والإصرار على تحقيق الهدف الذي جاء من أجله، كما تشعر الإنسان بقيمة الرجال وأبناء الوطن المرافقين بأنهم جزء من أسرته الصغيرة في الغربة والدراسة في الخارج تكرس الجد وحب الوطن.

اهتمام

يستعيد الدكتور سعيد سنوات الدراسة في بريطانيا في جامعة جلاسكو بإسكتلاندا، حين ابتهج لدى وصوله بمدى اهتمام سفارة الدولة بمساعدة طلبتنا في التعرف على البلد لامتصاص حالة الغربة والبعد عن الأهل ومن ثم تهيئة الطالب الجديد للتعامل بصورة جيدة مع المحيط الذي سيتعايش معه وفيه لفترة طويلة، وذلك من خلال تعريفه بالمطاعم التي تقدم وجبات عربية أو بالمعاهد والمراكز التي تدرس اللغة الإنجليزية أو من خلال تعريفه بزملائه من أبناء الدولة الدارسين في الجامعة.

ويستدعي ذكريات تلك المرحلة بالقول: كنا في كل يوم سبت نجتمع في مكان معين وفي بعض المرات كنا نقترب من المئة طالب ودارس من الإمارات وأحيانا من دول الخليج وبعض الدول العربية، وكنا نقيم حفلات ترفيهية وشعرية تقليدية، بينما تحضر الأسر المرافقة الأكلات الإماراتية والعربية، وفي بعض الأحيان كنا نخرج مجموعة من الأصدقاء والزملاء في رحلات برية ونعسكر خارج المدينة للاستمتاع بالطبيعة وكسر الروتين اليومي للدراسة والبحث.

خدمات السفارة

يواصل الدكتور سعيد حديث الذاكرة: بمجرد أن يعلم موظفو السفارة بوصول مسؤول أو شخصيات وطنية يذهبون إليه ويتفقون معه على إقامة ندوة أو أمسية ثقافية لتعريفهم بأحوال الإمارات وبما يدور هناك ويذكر من الشخصيات التي تمت استضافتها رئيس المجلس الوطني الاتحادي ومعالي الفريق ضاحي خلفان وغيرهما الكثير.

وخلال الفترة التي قضاها الدكتور سعيد عبد الله في بريطانيا لا يستطيع نسيان ما كانت تقوم به السفارة الإماراتية هناك لخدمة الطلاب والدارسين، ففي أول ثلاثة أيام للطلاب هناك تتحمل السفارة كافة نفقات الطالب من إقامة في الفندق ومصاريف نثرية إلى أن يتم التحاق الطالب بالكلية والحصول على السكن، كما كانت السفارة الإماراتية في لندن الباب المفتوح دائما أمام جميع الطلاب لحل المشاكل وتذليل الصعوبات التي تواجههم، وأنا شخصيا عندما أدخل مبنى السفارة في أي ظرف أو مناسبة كنت أشعر بأنني في منزلي تماما.

وكنا دائما ـ والحديث للدكتور سعيد ـ نشعر بالفخر ويعترينا شعور بالاعتزاز بأننا ننتمي إلى دولة الإمارات التي تهتم بأبنائها أينما حلوا وتقدم لهم كل المزايا والتسهيلات، مؤكدا على أن هذا الإحساس الدائم لدى طلاب الإمارات كان بمثابة الوقود والمحرك لبذل جهود مضاعفة لتحصيل العلم ونيل الشهادة في أقل فترة ممكنة.

لحظات فخر فارقة

يقول الدكتور سعيد عبد الله إنه بعد 5 سنوات من المعاناة الممزوجة بالشعور الدائم بالغربة عندما يتم منحك الشهادة تشعر بأن كل سنوات الغربة تلاشت وأصبحت ذكريات جميلة مع الأصدقاء والزملاء والمواقف بحلوها ومرها والتي تبقى في الذاكرة لا تمحوها السنوات.

ويتذكر الدكتور سعيد عبد الله لجنة المناقشة التي منحته درجة الدكتوراه عندما سألته المشرفة عن مشاريعه بعد حصوله على الدكتوراه التي حصل عليها في موضوع «وبائيات السرطان والحاجة إلى نظام متابعة ذات جودة وجدوى في دولة الإمارات» وعندما أجابها بأنه سيضعها أمام المستشارين في بلاده للعمل بها، قالت له لماذا تضعها أمام المستشارين أنت من أنجز الرسالة وأنت أولى الناس بتنفيذها في موطنك، ثم قالت أنت باحث جيد وبلدك يجب أن يفتخر بما قدمت له.

وقد حصل الدكتور سعيد عبد الله في السابق على الماجستير حول «معرفة طرق وسلوكيات ومواقف الجهات المسؤولة عن الصحة حول الصحة التعزيزية».

سيرة وظيفية غنية

شغل الدكتور سعيد عبد الله عدة وظائف فنية وإدارية، منها طبيب ممارس عام في مستشفى العين، ثم مدير الرعاية الصحية الأولية بالعين، بعد ذلك سافر إلى المملكة المتحدة لنيل الماجستير في طب المجتمع عام 1993 وبعد عودته كلف بإدارة التخطيط في وزارة الصحة، ثم تم تعيينه مديرا لمستشفى الجزيرة والمركزي، بعد ذلك سافر إلى الخارج مرة أخرى لنيل شهادة الدكتوراه، وقد حصل عليها في عام 2014، وعندما عاد شغل وظيفة مدير إدارة الجودة والتطوير في وزارة الصحة، ومن ثم عمل أستاذا مساعدا غير متفرغ في كلية الطب جامعة الإمارات، كما عمل رئيسا لوحدة الأمراض المعدية بمركز الفحص والصحة الوقائية في أبوظبي، ويشغل حاليا رئيس البورد العربي لطب المجتمع وطبيبا متخصصا في عيادة الصحة المهنية في أبوظبي.

نصيحة

يقدم الدكتور سعيد نصيحة للطلاب الإماراتيين خارج الدولة بأنهم سفراء لدولة الإمارات التي وفرت لهم الفرص والمزايا والمنح لتحقيق أحلامهم وطموحاتهم فيجب أن يكونوا على قدر المسؤولية وأن يسعوا إلى تحصيل العلم والمعرفة بشتى الطرق ولا يتوقعوا من أحد أن يقدم لهم العلم على طبق من ذهب، بل عليهم بالجد والاجتهاد والصبر للوصول إلى تحقيق الهدف.