عبر محامون وقانونيون وأكاديميون عن استيائهم من طريقة تدريس ومناهج بعض كليات القانون، وضعف مستوى خريجيها، وتهاونها في معايير قبول الطلبة، وتحولها إلى مؤسسات «بزنس»، في وقت حذروا فيه من تأثير هذا الضعف على منظومة العمل في السلك القضائي، داعين وزارة التعليم العالي إلى شد طوق الرقابة على هذه الكليات.
وأشاروا إلى أن لمهنة المحاماة قدسية وخصوصية ودور كبير في حياتنا، لا سيما لجهة تحقيق العدالة والأمن المجتمعي، فهي يد ولسان أصحاب الحقوق، وعينهم التي تبصر الحقيقة، وخط دفاعهم الأول أمام الخصوم.
تهاون
المستشار الدكتور محمد الكمالي مدير عام معهد التدريب والدراسات القضائية، وجه انتقاداً إلى كليات القانون في الجامعات الخاصة لتهاونها كما يقول، في تحديد معايير ومتطلبات قبول الطلبة، خصوصاً الحاصلين منهم على معدلات منخفضة في الثانوية العامة، وقال إن هذه الكليات أصبحت خيار من لا يجد له كلية، وإن خير دليل على ضعف مخرجاتها هو المستوى المتدني للخريجين.
وأكد أهمية أن تكون لدى كليات القانون أهداف ورؤى واضحة، لا تقبل التأويل، وأن تسعى بكل صدق وأمانة لتحقيقها بما يخدم المصلحة العامة، والطلبة المنتسبين بصفة خاصة، وتساءل: إذا كان أصحاب التخصصات الأخرى مطالبين بالتميز والريادة وتبني الاستراتيجيات الفاعلة، والالتحاق بدورات تدريبية متخصصة، فما بالنا برجال القانون الذين تعد مهنتهم في مقدمة المهن.
كما شدد على ضرورة إعادة النظر في المناهج المعتمدة في هذه الكليات، سواء الإلزامية منها أو الاختيارية، والتركيز على اللغة الإنجليزية ضمن أساليب التدريس التي دعا إلى ربطها بالجانب العملي، بالتوازي مع دراسة سوق العمل، والتركيز على التخصصات المطلوبة.
نجم
واتفق القاضي الدكتور جمال السميطي مدير عام معهد دبي القضائي، على أن مخرجات التعليم القانوني دون الطموح، وقال إن المنظومة القانونية في دولة الإمارات، لن ترتقي إلا عندما نتعامل مع الدراسة القانونية على أنها الأهم.
وأضاف: تقدمنا كدولة في العديد من مناحي الحياة، وأصبح المريخ هدفاً لنا، وسنصل بإذن الله، لكن للأسف لم نصل لأقرب «نجم» في القانون، فنحن نأمل خريجاً يحمل القانون وليس خريجاً يحمل شهادة في القانون.
وأبدى السميطي حزنه على الحالة التي استقرت عندها أوضاع ومستويات المخرجات التعليمية في كليات القانون لا سيما الخاصة منها، وأشعل ضوءاً أحمر من أجل إرجاع الهيبة للقانونيين، من خلال ما سماه «حسن اختيار من سيعمل في هذا المجال»، ورأى أن اصطياد هؤلاء يجب أن يبدأ من المدارس، وعبر الاستثمار الجيد في المناهج القانونية في كليات الاختصاص، وأن لا تكون دراسة القانون خياراً سهلاً للطلبة الباحثين عن الشهادات، بل يجب أن تكون صيداً صعب المنال.
أضاف: للأسف فإن أغلب طلبة القانون هم أصحاب العلامات المتدنية أو المقبولة، ويتم حالياً قبول بعضهم بمعدلات تتراوح بين 60 و65 % من الثانوية.
وبنبرة مكسوّة بطبقة من الاستغراب قال مدير عام معهد دبي القضائي: إن دولة كسنغافورة ستفتتح ثالث كلية قانون فيها، فيما نحن لدينا من هذه الكليات الكثير الكثير.
تنسيق
أما الدكتور جاسم الشامسي عميد كلية القانون السابق في جامعة الإمارات فاقترح أن تتم صياغة معايير واشتراطات القبول والتدريب والتأهيل في كليات القانون بالتنسيق والتشاور مع الدوائر والمؤسسات القضائية في الدولة، وإعادة النظر في طريقة تدريس مواد القانون، وتخصيص جزء منه للجانب العملي والتطبيقي.
وحذر بعض الجهات المشغّلة لخريجي القانون من الاغترار بدرجات تحصيلهم الأكاديمي، ودعاه إلى إجراء اختبار حقيقي لمستوى هؤلاء، مؤكداً أن التجارب أثبتت أن المعدل التراكمي للخريج لا يتناسب بالضرورة طردياً مع خبرته ونضج مهاراته، وأن نسبة التحصيل لا تغني عن المهارات الشخصية الأخرى حتى لو كانت مرتفعة.
وأكد الشامسي أن بعض الجهات تنظر إلى المعدل التراكمي والتقدير النهائي للخريج، وتغفل عن حقيقة هذا التقييم، ولو أجرت له اختباراً حقيقياً لوجدت أن تقييمه الفعلي لا يتعدى الجيد، وأن خريجاً آخر بتقييم جيد من جامعات أو كليات حكومية قد يكون أفضل منه.
نقمة
المستشار القانوني عبد المنعم بن سويدان قال إن التعليم العالي في السابق أفضل بكثير من مثيله في هذه الأيام، وإن كليات القانون على وجه التحديد تبدي تساهلًا ملموساً في قبول الطلبة ضعيفي التحصيل العلمي في الثانوية العامة، وكذا في اختيار الطالب الذي يصلح لهذا التخصص.
وتابع: بالرغم من أن تعدد الجامعات والكليات وكثرتها في هذه الأيام سنة حميدة، وباب من أبواب التنافس لتقديم الأفضل، إلا أن هذه النعمة باتت نقمة لا سيما بعد أن وجهت غالبية هذه الكليات بوصلتها نحو التكسب وجني الأرباح، ما أثر كثيراً على المنتج الأكاديمي ومستوى الخريجين، ناهيك عن أن الجيل السابق كان أكثر مسؤولية وحرصاً على تحقيق الأهداف والتحصيل العلمي الجيد.
وناشد بن سويدان وزارة التعليم العالي بتكثيف الرقابة على الكليات، لاسيما القانونية منها، والوقوف مطولًا عند معايير العمل والأنظمة الدولية المتبعة فيها، وعدم منح الترخيص والاعتماد لأي منها إلا بعد تخريج بضعة أفواج، حتى تقيس مستوى مهارات وعلوم هؤلاء الخريجين.
تأهيل وتدريب
قال الدكتور محمد الكمالي: لم تعد ممارسة المهن القانونية مقتصرة على الحصول على الشهادات الجامعية التخصصية فحسب، بل ثمة حاجة ملحة للتأهيل الذي يتأتى من خلال الانخراط المتواصل في الدورات التدريبية والعملية التي تقدمها المعاهد القانونية والقضائية لدمج الطلبة للعمل في المجال القضائي..
وإكسابهم الخبرات والمهارات اللازمة ليس للحصول على وظيفة فقط؛ إنما للديمومة والبقاء في هذه المهنة، ومواكبة المستجدات في العالم المتغير مثل مسرح الجريمة وأدواتها والتأمين على الطائرات وغيره.



