أكد عدد من الأكاديميين وأساتذة اللغة العربية، أن لغتنا الأم باتت محاصرة وتواجه تحديات خطيرة في عقر دارها ومن أبناء جلدتها، إذ تشير الدراسات إلى تراجع دور ومكانة اللغة العربية بين أبناء الجيل تحت أعذار واهية، لدرجة اتهامها بعدم قدرتها على مواكبة تقنيات التطور العلمي، إضافة إلى فرض التحدث باللغة الإنجليزية في مؤسسات التعليم بمختلف مراحلها في المدرسة والجامعة، والتعاملات الإدارية والمالية والاقتصادية التي تتبنى اللغة الإنجليزية على حساب العربية.
وتطرقوا إلى انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية التي سطّحت اللغة العربية لدرجة الإسفاف والتقعر واستبدال الأحرف العربية باللاتينية والترميز بحجة سهولة التواصل، كما أن مناهج التعليم ومخرجاته لم تعد كافية وقادرة على إيجاد الطرق الحديثة التي تواكب التطوير العام، حتى إن معلمي اللغة العربية والمواد الأخرى الذين هم بالأساس العربية لغتهم الأم، تجدهم يستخدمون العامية الممزوجة بمصطلحات ومفردات غير عربية. وتحكم فئات الخدم بالمنازل بالتحدث إلى الأطفال في سنوات عمرهم الأولى بلغات غير اللغة العربية.
غاية لم تتحقق
وأشار الدكتور محمد جابر قاسم، أستاذ اللغة العربية في كلية التربية، إلى أن الطلاب يذهبون إلى المدرسة ليتعلموا اللغة العربية ويكتسبون مهاراتها، غير أن الواقع يدلل على أن هذه الغاية لم تتحقق، الطلاب لا يكتسبون المهارات اللغوية بدرجة مرضية، فنجد أخطاء كثيرة في كتاباتهم وحديثهم، وتتنوع هذه الأخطاء لتشمل الأخطاء الإملائية، والتعبيرية، والنحوية، والقرائية.
ولم تقف القضية عند هذا الحد، فالطلاب يستمرون في المراحل التعليمية الأخرى حتى يتخرجوا من الجامعة وتراهم غير قادرين على القراءة الصحيحة، أو الكتابة السليمة أو التعبير الصحيح، وإذا كان مستوى الطلاب في مدارسنا بهذا الوصف، كيف يستطيعون تعلم المواد الدراسية الأخرى وهم بهذا المستوى اللغوي؟! فدراسة اللغة ليست مقرراً تعليمياً فحسب، بل هي القاسم المشترك الذي يؤدي بالطلاب إلى تعلم المواد الأخرى، وهي أداتهم لاكتساب المعرفة، وتنمية المفاهيم.
منافسة اللغات
وقال: تتلخص أبرز أسباب الضعف في الازدواجية اللغوية بين الفصحى والعامية، والثنائية اللغوية وهي دراسة لغة أجنبية أو أكثر مع اللغة العربية. وتعدد اللغات يضعف القدرة على استيعابها جميعاً، ويؤدي ذلك إلى الزهد في القراءة بوجه عام، وكثيراً ما ينصرف الطالب إلى العناية بتعلم اللغة الأجنبية، ويوليها جل عنايته، بينما لا يصرف جهداً يذكر في تعلم اللغة العربية.
الماضي والحاضر
أما الدكتور مأمون كنعان موجه اللغة العربية، فتطرق إلى أن اللغة العربية من أعرق اللغات منبتاً، وأكثرها رسوخاً، وأقواها جلادة وأشدها بنياناً، وهي لغة القرآن الكريم، تتسم بسمات عدة في حروفها ومفرداتها وإعرابها ودقة تعبيرها وإيجازها، وهذه السمات جعلت أرنست رينان يقول فيها: «من أغرب المدهشات أن تنبت تلك اللغة القومية، وتصل إلى درجة الكمال وسط الصحاري، تلك اللغة التي فاقت أخواتها بكثرة مفرداتها ودقة معانيها، وحسن نظام مبانيها».
وأضاف أن الأميركي وليم ورل قال عنها: «إن في اللغة العربية من اللين، والمرونة، ما يمكنها من التكيّف وفق مقتضيات هذا العصر، وهي لم تتقهقر فيما مضى أمام أية لغة أخرى من اللغات التي احتكّت بها. وستحافظ على كيانها في المستقبل، كما حافظت عليه في الماضي». واعترف الفيلسوف الألماني رانكه بـأن الثقافة الإنسانية، تعتمد على لغتين هما: العربية واللاتينية.
هزائم نفسية
وقال: هناك عدة أسباب أدت إلى تراجع الاهتمام باللغة العربية منها الهزائم النفسية التي تجتاح العالم العربي، وتراجع الانتماء والحس القوميين بالإضافة إلى تحديات العولمة التي تواجه اقتصاديات الدول وثقافات الأمم والشعوب وخصوصياتها ولغاتها وقيمها.
ومن بين الأسباب المباشرة انتشار المدارس والجامعات الأجنبية بصورة فوضوية، مع ما يصاحب ذلك من اعتماد شبه مطلق على اللغات والمناهج الأجنبية، وتهميش اللغة العربية في أرضها وبين أهلها. واعتبار الإنجليزية والفرنسية لغة العصر، وأن اللغة العربية لا يمكنها مواكبة العصر، ولا تتسع للمصطلحات الحديثة!
وتطرق موجه اللغة العربية إلى الصد عن استخدام العربية الفصحى، من خلال الدعوة إلى العامية، وإحياء اللهجات المحلية، وتشجيع الكتابة بالعامية، واستخدام الإعلام للعامية والألفاظ الأجنبية في المجالات الحيوية كالإدارة والاقتصاد والعلاقات الخارجية والبرامج التلفزيونية والمسلسات، إلى جانب التقنيات الحديثة وأجهزة التواصل التي يستخدمها أبناء الجيل الحالي عبر الرسائل والتواصل باستخدام لغة ركيكة ومفردات مغرقة في العامية والمحلية، واستخدام تعابير واختصارات لبعض الأحرف ما سبب تراجعاً وانهياراً كبيراً في المخزون اللغوي لدى أبناء الجيل.
التقنيات الحديثة
وأشار غزوان كيال موجه اللغة العربية، إلى أن أمّ اللّغات تحظى برعاية خاصّة من القائمين عليها، والغيورين على جمالها وكمالها في وقت تمتد أيدي اللّغات الأخرى لتنال من هيبة العربية، وتقلل من شأنها في ضوء لهاث خلف أضواء التّطوّر العلميّ الذي أدى إلى حالة غريبة من التّواصل، فبدا القريب بعيداً والبعيد قريباً، فسيطرت المجتمعات الافتراضيّة، وأضحت لغة التّفاهم لغة مضحكة مبكية، فلا هي بالعربيّة فتُعرَف، ولا بالأجنبيّة فتوصَف، إنّما هي لغة دمجت بين العربيّة المكسّرة، والعامية المتعثرة، والأجنبيّة الغريبة، فنتجت لغة تفتقر إلى أبسط درجات التعبير، لا هي بلغة الإشارة ولا هي بلغة الإفصاح.
أضاف: إنّ الثورة المعرفية فتحت آفاقاً جديدة أمام جيل الشباب، فراح يسعى لتكوين مصطلحات جديدة تعبر عنه، وركن إلى الاستسهال عندما لم يفلح بذلك، وصار يعبّر عمّا يجول بخاطره برموز وصور تعبيرية يشترك فيها الكثيرون ولكنها تفتقر إلى التّعبير عن مكنونات النفس البشرية والإفصاح عن تفصيلات قد تدور في ذهن المرسِل ولكنه يعجز عن التّعبير عنها بلغته فيعبّر عنها بالرّسوم (التّعبيريّة) التي هي أبسط أنواع التّعبير.
واختتم: لا بد في ضوء حالة النّأي عن اللغة من وضع الحلول التي تعيد لها رونقها وبريقها في أذهان الشّباب، وذلك بتبسيط قواعدها، وتعليم الطلبة ما يثري حياتهم العمليّة، وتوظيف القواعد في اللّغة المحكيّة ومحطّات التّواصل الاجتماعي، وتشجيع المهتمّين بالتقنية لإبراز دورها كلغة علميّة عالميّة تناسب التّطوّرات العلميّة كلها.
وعلى ضوء المعاناة والدراسات البحثية لمعالجة واقع اللغة العربية، أجمع خبراء وأكاديميون على ضرورة التوسـع في نشر اللغة العربية بمختلـف الوسائل، وتقدير ودعم كل الجهود التي تبذل في هذا السبيل على مستوى الدول والمنظمات والمجامع والأفراد، وتهيئة الفرص للمزيد من العناية بنشرها لغة وثقافة وحضارة، وتمتين الصلة بين الجهات المعنية بهذا الدور وطنياً وإقليمياً وعالمياً. والعمل على تصميم المناهج على أساس إيجاد البيئة اللغوية، وتخريج الناطقين المبدعين بالفصحى.
ويكون هذا في مناهج المدارس الحكومية والخاصة، والجامعات. وتطرقوا إلى أهمية إعداد برامج تلفزيونية خاصة بتنمية اللغة العربية، وأن تستخدم وسائل الإعلام عبارات سليمة التراكيب تجمع بين البساطة في التعبير واحترام قواعد اللغة، وضرورة وجود دائرة من المراجعين المدققين اللغويين ذوي الكفاءة.

