على الرغم من التطوير المستمر لمناهج اللغة العربية، إلا أن فجوة المعرفة اللغوية لا تزال موجودة، وتتسع كلما طورنا المناهج من دون الوقوف على واقع اللغة العربية، ومدى تقبل الطلبة لها، خاصة أن المناهج تعاني من الجمود، ولم توفر للطالب مساحة ليتفاعل معها، ولا تزال بحاجة إلى إعادة بناء جديد يواكب منافسة اللغات الأخرى، وتغير مفاهيم الطالب حول صعوبتها، خاصة أن مفردات اللغة العربية واسعة كالبحر، إذ تجد للكلمة أكثر من مرادف، وبالكاد يستوعب الطالب معنى واحد لها. لذا، وجب بناء اللغة حسب إدراك الطفل ومراعاة تطوره حسب المراحل الدراسية، فضلاً عن تقييم التقدم الدراسي للطلبة للوقوف على احتياجات المنهاج.

في هذا الصدد، تحدثت جميلة سالم المهيري رئيس جهاز الرقابة المدرسية في هيئة المعرفة والتنمية البشرية في دبي، قائلة إن التقدم الدراسي للطلبة في تعلم اللغة العربية للناطقين بها منخفض جداً، مرجعة ذلك إلى تدني جودة التدريس والتقييم وتصميم المنهاج التعليمي وتعديله.

وعن التدريس، ذكرت المهيري أن مستوى جودة تدريس اللغة العربية للناطقين بها «مقبول» في غالبية المدارس الخاصة في دبي، وجودة التدريس في الصفوف الدراسية العليا هي الأضعف، ولا تزال جودة التخطيط للحصص الدراسية نقطة ضعف رئيسة، ولا يستخدم معظم المعلمين سوى نطاق ضيق من استراتيجيات وأنشطة التدريس، تفشل غالباً في حث الطلبة على المشاركة في تعلمهم أو في تلبية احتياجات التطور اللغوي لديهم.

حقائق وأرقام

وأظهر تقرير الرقابة المدرسية عن العام الدراسي 2013-2014، أن حوالي 25 % من معلمي اللغة العربية للناطقين بها فقط، لديهم مؤهلات معتمدة في التدريس، و26 % لا يحملون مؤهلاً جامعياً في محتوى المادة الدراسية «شهادة جامعية في اللغة العربية أو الأدب العربي»، وأن أكثر من 90 % من المدارس الخاصة في دبي، تعتمد على التقييمات الداخلية فقط، لقياس جودة تحصيل طلبتها الدراسي في مادة اللغة العربية للناطقين بها. وبيانات التقييم في معظم هذه المدارس، لا تتوافق بدقة مع توقعات وزارة التربية والتعليم بشأن جودة تحصيل الطلبة الدراسي، لذلك، لا يتوفر لدى معظم المعلمين والطلبة وأولياء أمورهم، مؤشر دقيق على مستوى إتقان الطلبة للغة العربية للناطقين بها.

المنهاج التعليمي

وذكرت جميلة المهيري، أن جودة منهاج اللغة العربية للناطقين بها «مقبول» في معظم المدارس الخاصة في دبي، ولا يزال المنهاج التعليمي مقيّداً بمحتوى الكتب المدرسية المقررة.

وأكدت أن هيئة المعرفة، حرصت على وضع توصيات للمدارس لتحسين ممارسات الخدمات والأنشطة التعليمية لمادة اللغة العربية للناطقين بها.

من جانبه، قال الأستاذ الدكتور رشاد سالم مدير الجامعة القاسمية في الشارقة، إن اللغة العربية تعد من أقدم اللغات الحية على وجه الأرض، وقد تكفّل الله، سبحانه وتعالى، بحفظ هذه اللغة، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، إذ قال تعالى «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون»، إلا أننا بدأنا في الآونة الأخيرة، نرى عزوفاً لدى الشباب في استخدامها، بل باتت فكرة استخدام لغة أخرى من مدعاة «مواكبة العصر»، أو الضرورة التكنولوجية أحياناً.

قرار سيادي

وشدد الأستاذ الدكتور رشاد سالم مدير الجامعة القاسمية في الشارقة، على أنه يتعين علينا في كل مكان وزمان، أن نحترم اللغات الأخرى، ولا مجال لتمييز لغة على حساب سواها، لكن المشكلة في إحلال لغة مكان أخرى، فاللغة العربية بحكم أننا مسلمون وعرب، ينبغي لها أن تكون في المقام الأول، وأن تكون هي لغة التدريس، ولغة المراسلات الرسمية، ولغة العلم، والتعامل بين الطلبة في قاعات الدرس وخارجه، وهي من أقدر اللغات على ذلك، لكن العجز في أبنائنا، حيث أن معظمهم صدقوا أنفسهم، وانصرفوا إلى لغة أخرى غير الأم، ومجامع اللغة العربية، تستطيع أن تأتي بجميع المصطلحات البديلة عن كل مصطلح أجنبي لدينا، وما دمنا غير قادرين على حل ذلك بقرار سيادي سياسي، فلا بد لكل فرد منا أن يبدأ بتعظيم اللغة العربية في نفسه.

طرق التلقين

وأفاد موفق القرعان نائب مدير مدرسة العالم الجديد الخاصة، بأن طرق تدريس «العربية» لا تزال تقليدية، وتعتمد على التلقين، وأصبح همّ المعلم منكباً على الدروس لإنهاء المناهج، دون أن يضع في اعتباره أن الطالب مستوعب كل هذا الكم من المفردات اللغوية الجديدة عليه، خاصة أن الطالب في المراحل الأولى، يكون كما الورقة البيضاء، التي تُسطّر عليها المهارات العملية التعليمية، لذا، يجب تغيير وتطوير هذه الطرق التي تنفر الطالب من لغته.

وأضاف أن تحديث أساليب اللغة العربية بما يخدم الأدب العربي، ضروري، ولا بد من ربطه بالحاجات الأساسية للمجتمع العربي، والابتعاد عن الأساليب القديمة، على أن يتم بناء المنهاج بأسس علمية ثابتة، مثل جعل الدرس يخاطب عقل الطالب حسب المرحلة الدراسية.

وعلق القرعان على كره الطالب للغة العربية، قائلاً: إن أساليب التدريس التقليدية، هي السبب في كره الطلبة للغة العربية، وتفضيل اللغة الإنجليزية، خاصة أن الإنجليزية مطلب وظيفي ومهني.

من جانبه، قال عيسى الحمادي مدير المركز التربوي للغة العربية لدول الخليج، إن الطفولة في المدارس كوّنت اتجاهاً إيجابياً نحو اللغة الإنجليزية، وبالتالي، من الطبيعي أن يتكون لدى الأطفال الدارسين اتجاه سلبي نحو اللغة العربية، وسيؤثر ذلك في دافعية التعليم نحوها، فيجد الطلبة بديلاً يوظفونه ويتعلمونه باهتمام أكبر، ومع الأيام، يتأصل ذلك الاتجاه فيهم، وتفقد اللغة العربية أهميتها وقيمتها ومكانتها اللائقة.

مشروع تربوي

وكشف الحمادي عن إعداد المركز مشروعاً يعالج ضعف مخرجات اللغة العربية، بالتعاون مع مكتب التربية العربي لدول الخليج، للتعرف إلى أسباب ضعف مخرجات تعليم اللغة العربية، ووضع مقترحات وإجراءات للتحسين، وتطوير أداء المعلمين والإشراف التربوي للتخلص من الضعف في مخرجات اللغة العربية، وتعريف المدارس والمديرين ومساعديهم بدورهم في تحسين الضعف في المخرجات.

وقالت نيبال أحمد، ولية أمر، إن منهاج اللغة العربية، تتسم بالجمود، ودائماً نجدها تخاطب عقول أكبر من الموجهة إليهم، حيث لا تراعي المرحلة العمرية، فضلاً عن خلوها من توظيف القواعد، وذلك على الرغم من تطوير المناهج، لكن هناك حلقة مفقودة، وهي عدم مواكبة عقول الطلبة، والتركيز على توظيف إمكاناتهم في استخدام المفردات والقواعد.

وذكر وائل حسن ولى أمر، أنه يعاني من عدم تقبل أبنائه لمادة اللغة العربية، وتفضيل اللغات الأجنبية الأخرى عليها، مثل الإنجليزية والفرنسية، على الرغم من بذل معلمات المدرسة قصارى جهدهن، لتيسير وتسهيل المنهاج، وشرح القواعد والمفردات، لكن الإشكالية تكمن في صعوبة المنهاج، وعدم ملاءمته للمراحل العمرية. كما أن على وزارة التربية والتعليم أن تعيد النظر في القصص المختارة للتدريس.