شهدت جلسات اليوم الأول من قمة المعرفة 2015، التي تنظمها مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم في الفترة من 7 وحتى 9 ديسمبر الجاري بفندق جراند حياة بدبي، إجماع المشاركين والمتحدثين من الخبراء والمتخصصين في مجال تطوير مسارات نشر ونقل المعرفة، على حاجة المنطقة العربية إلى الاعتماد على الابتكار وتوظيف التقنيات الحديثة كركائز أساسية لتطوير المنظومة التعليمية في المنطقة، وسبيل لترسيخ مفاهيم الاقتصاد المعرفي نحو تنمية مستدامة.
وجاءت أولى الجلسات لتناقش محور الابتكار في التعليم، وشارك فيها كلٌّ من معالي حسين الحمادي وزير التربية والتعليم، ومعالي إلياس بوصعب وزير التربية والتعليم العالي في لبنان، ومعالي الدكتور لحسن الداودي وزير التعليم العالي وتكوين الأطر في المغرب، وبونام بوجاني رئيسة مؤسسة الأنظمة الإبداعية في التعليم.
مواكبة التغيرات
وأوضح الحمادي في تعريفه للابتكار في التعليم أنه يمثل البحث عن حلول جديدة لمشاكل قائمة ومواكبة التغيرات ومتطلبات سوق العمل. مشيراً إلى أن الإمارات ركزت في رؤيتها الشاملة على التعليم بشكل أساسي بهدف الانتقال من الاقتصاد القائم على النفط إلى اقتصاد المعرفة، من خلال عدة خطوات كانت أُولاها تطوير مناهج التعليم العام عبر إشراك الجامعات والقطاعات الصناعية لتكون شريكة في عملية التطوير. إلى جانب استحداث نظام جديد بعيداً عن النظام التقليدي من حيث الأدبي والعلمي، ليصبح التركيز على تزويد الطلاب بمهارات مختلفة باستخدام المناهج الحيَّة.
توحيد التعليم
وبدوره استعرض الوزير بوصعب التجربة اللبنانية في مجال الابتكار في التعليم، حيث أكد أن البيروقراطية في بعض الحكومات تعد أهم العقبات التي تواجه هذا الابتكار، لأن التطوير السريع يحتاج بالتوازي إلى قوانين متطورة. موضحاً أنَّ لبنان يعمل بشكل أساسي على تطوير المناهج لتصبح تفاعلية بهدف توحيد مستوى التعليم، ولتوفير الوقت الأكبر للمعلم لتطوير مهاراته، والتركيز على تطوير الطلاب بدلاً من إهدار وقته على مهام يمكن للتكنولوجيا القيام بها مثل تصحيح الامتحانات والتقييمات.
من جهته قال الوزير الداودي إنَّ الابتكار هو ثقافة المجتمع وقابليته لإنشاء أجيال تمتلك ثقافة الابتكار والعطاء، فالعلم وحده غير كافٍ للتطور. كما لا بد للدول من توفير آليات الابتكار، الذي يشمل الصناعة والتكنولوجيا الحديثة والقدرة على الانتاج.
وسلَّطت بوجاني الضوء خلال الجلسة على بعض أفضل الممارسات في مجال الابتكار في التعليم، موضحة أنها تتمثل في بعض الأنظمة والبرامج التي تمَّ تطبيقها في بعض المدارس وأثبتت نجاحها، ومن أبرزها نظام الروبوتوكس الذي يسمح للطلاب بالتفاعل بشكل مباشر مع العملية التعليمية وإدارتها من خلال استخدام الأجهزة اللوحية، مما يمنحهم القوة، وبالتالي القدرة على الابتكار.
جودة المعلم
وخصَّصت القمة ثاني جلساتها لغوردن براون، رئيس وزراء المملكة المتحدة السابق، الذي أشار إلى أنَّ تطوير منظومة التعليم في أي دولة يتطلب توافر أربعة عناصر رئيسة تتمثل في وجود معلمين متميزين، حيث ترتبط جودة أداء المعلم بجودة التعليم الذي يتلقاه الطالب، إلى جانب عنصر توافر مدارس مجهزة. بالإضافة إلى أهمية اعتماد مناهج سليمة ومتطورة وقادرة على فتح آفاق جديدة أمام الطلبة.
وأكد براون أنَّ البلدان التي تستثمر في الابتكار هي القادرة على رسم مستقبلٍ أفضلَ لشعوبها، وتوفير حياة رغيدة لهم، مستعرضاً تجربة الصين التي ركزت على تطوير التعليم والبحث العلمي، ودعم الاقتصاد القائم على التصنيع، موضحاً أنَّ الشركات الكبرى مثل شركة أبل وغيرها تذهب أرباحها للمبتكرين الذين يبيعون ويفكرون ويأتون بأفكار خلاقة وليس فقط للمصنِّعِين.
أما الجلسة الثالثة فجاءت بعنوان «الابتكار وتكنولوجيا المعلومات» والتي أكدت على أهمية توظيف التقنيات الحديثة لتطوير التعليم وتوفير البيئة المناسبة للطلبة؛ ليتمكنوا من الإبداع في جميع المجالات، وتحقيق التطور المطلوب الذي يمَكِّن من الوصول إلى المستقبل الذي يتطلَّب الاستفادة القصوى من التقنيات الحديثة، والتوظيف الأمثل لجميع القدرات.
تفكير إيجابي
وأثناء الجلسة قال المهندس حسين بن ناصر لوتاه، مدير عام بلدية دبي، لقد تمكَّنا في دبي ومن خلال الاعتماد على الابتكار من تجاوز الكثير من التحديات التي واجهتنا خلال مسيرة عملنا، كما تمكَّنا في الوقت ذاته من تحقيق الإنجازات في كثير من المجالات، وذلك في فترة قصيرة.
الذكاء
وتطرَّق باتريك باودري، الكولونيل المتقاعد في سلاح الجو الفرنسي ورائد الفضاء السابق إلى الفرق بين الذكاء والفضول، قائلاً: «يتمتع الجيل الجديد بقدرات كبيرة على الإبداع والابتكار والتفكير بالمستقبل والاستثمار الأمثل للتقنيات الحديثة التي أصبحت متوافرة بشكل كبير، وفي متناول يده».
تحفيز الإبداع
واختتم اليوم الأول فعالياته بجلسة شارك فيها كلٌّ من الأميرة غيداء طلال رئيسة هيئة أمناء مؤسسة الحسين للسرطان، وهيو هيير مهندس وعالم فيزيولوجي والمسؤول عن المجموعة البحثية للأحيار الميكاترونية في مختبرات معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وبيت موريس مستشار إداري في مجموعة أيسس للابتكار في جامعة أوكسفورد، وروبن هانسون أستاذ الاقتصاد في جامعة جورج ميسن. فيما أدارت الجلسة فالنتينا قسيسية الرئيس التنفيذي لمؤسسة عبد الحميد شومان.
وناقش المشاركون في الجلسة دور البحث العلمي والتطوير في تحفيز الإبداع وقيادة الريادة، وكيفية توفير البيئة المشجعة على الابتكار في البحث العلمي على مختلف الأصعدة، بالإضافة إلى دور البحث والتطوير في تمكين المجتمعات، وتشجيع المبدعين على تقديم ابتكارات جديدة تلبي المتطلبات المتغيرة وتهدف إلى الارتقاء بالمجتمع نحو آفاق جديدة.
وبدأت الأميرة غيداء طلال الحديث حيث استعرضت تجربتها التي قالت إنها خصصت جزءاً كبيراً من حياتها لمعالجة جميع مرضى السرطان في الوطن العربي متحدثةً عن وقوفها إلى جانب زوجها خلال معاناته بعد تشخيصه بمرض السرطان؛ الأمر الذي حثَّها على توظيف الإمكانات المتاحة والعمل على الاستفادة من الخبرات العالمية والتقنيات الحديثة.
تجربة شخصية
وبعد ذلك تحدث هيو هيير عن تجربته الشخصية بعد بتر قدميه وإصراره على العودة لممارسة حياته الطبيعية وبدأ بتطوير نظام متقدم يساعد على الحركة من خلال أطراف اصطناعية تساعد على المشي بصورة طبيعية عبر توظيف أحدث التقنيات المتطورة لتعزيز القدرة البشرية على الحركة. كما استعرض مجموعة من الأبحاث العلمية والدراسية الحديثة مؤكداً أن التطوير والابتكار لا حدود لهما في مجال تحدي الإعاقات البدنية والأمراض.
من جهته أشار بيت موريس، المستشار الإداري في مجموعة أيسس للابتكار في جامعة أوكسفورد إلى أنَّ العقول النيِّرة تقدم أبحاثاً متطورة تسهم بتأثير إيجابي على حياة الناس وتلبي متطلباتهم. وأكد أهمية التمويل الحكومي والتوظيف الأمثل للموارد من أجل دعم عملية البحث والتطوير، مشيراً إلى أنَّ 32% من تمويل الأبحاث في المملكة المتحدة يأتي من ميزانية الحكومة، وهذا ما يعد أمراً أساسياً في عملية التخطيط الاستراتيجي القائم على المعرفة.
مفهوم الابتكار
أما روبن هانسون أستاذ الاقتصاد في جامعة جورج ميسن، فقد أشار إلى بعض الفروق الموجودة التي ينبغي مراعاتها عند المقارنة بين الاختراعات والابتكارات، وبعض النقاط الأساسية المتعلقة بدور الدراسات الأكاديمية والبحوث العلمية، وخاصة مع تزايد التركيز العالمي في السنوات الأخيرة على مفهوم الابتكار والإبداع، والحاجة المتنامية لتحديد المتطلبات المستقبلية، والثغرات الموجودة في مسيرة التنمية.


