شهد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، في مجلس سموه الرمضاني بقصر البطين بأبوظبي أمس، محاضرة بعنوان «أداء تعليمي قوي وإصلاحات تربوية ناجحة – كيف نبني الأنظمة التربوية في القرن الحادي والعشرين» للمحاضر الدكتور أندرياس شلايشر، مدير التعليم والمهارات والمستشار الخاص للأمين العام لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للسياسة التربوية في باريس، وذلك في إطار برنامج المحاضرات والأمسيات الفكرية الرمضانية التي ينظمها مجلس سمو ولي عهد أبوظبي.
وأكد المحاضر أن الإمارات تعد من أكثر دول العالم استثماراً في مجال التعليم بطريقة مبتكرة وخلاقة.
وأشاد بالإنجازات التي حققتها دولة الإمارات في مجال التعليم، مشيراً إلى أنها تعد واحدة من الدول العشر الأولى من بين 70 دولة في العالم تمكنت من تحقيق تقدم كبير في مجال التعليم، متقدمةً بذلك على الكثير من الدول المتقدمة في أميركا وأوروبا، ولافتاً إلى أن أبوظبي والإمارات لديها نظام إصلاح مدرسي مهم، وسينعكس النظام التعليمي في الإمارات على المنطقة ككل في المستقبل. وقال إن الإمارات شهدت تحسناً ملحوظاً في التعليم، ونمت كثيراً وتحسن اقتصادها منذ عام 2010 بثلاثة أضعاف ما كانت عليه من قبل، وتحقق ذلك بتحسن التعليم، وأن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقييمها لأوضاع التعليم في الإمارات وما سيحدث في المستقبل رأت أنها ستشهد تطورات اقتصادية كبيرة في السنوات المقبلة، نتيجة اهتمامها بتطوير منظومة التعليم، ما سيزيد من ناتجها الإجمالي.
وحضر المحاضرة سمو الشيخ راشد بن سعود بن راشد المعلا، ولي عهد أم القيوين، بحضور سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان، ممثل الحاكم في المنطقة الغربية، ومعالي محمد أحمد المر، رئيس المجلس الوطني الاتحادي، وسمو الشيخ نهيان بن زايد آل نهيان، رئيس مجلس أمناء مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية، والفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، وسمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية، وسمو الشيخ خالد بن زايد آل نهيان، رئيس مجلس إدارة مؤسسة زايد العليا للرعاية الإنسانية وذوي الاحتياجات الخاصة، ومعالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، ومعالي الشيخ حمدان بن مبارك آل نهيان، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وعدد من الشيوخ والوزراء وكبار المسؤولين وأعضاء السلك الدبلوماسي لدى الدولة.
محاور
وتناول المحاضر أهم التغيرات في ما يتعلق بالطلب على المعرفة والمهارات، وانعكاسات ذلك على المناهج الدراسية وعلى علم أصول التدريس والتربية، وعلى مهنة التدريس، والتحسينات التي تمّ إدخالها على جودة مخرجات التعليم حول العالم، والمحركات الرئيسة لسياسات تحسين نوعية المدارس وفعاليتها وضمان إنصافها، وكيفية زيادة فعالية هذه المحركات، من أجل تحسين شامل للأنظمة في المدارس «درس أساسي حول تنفيذ إصلاح ناجح، والاقتصاد السياسي للإصلاح التعليمي».
وقال أندرياس شلايشر إنه يجب علينا التفكير بعمق أكثر في كيفية إعداد جيل الشباب من أجل عالم الغد، لكن المعضلة التي يواجهها التربويون هي أن المهارات التي يسهل تعليمها واختبارها تسهل أيضاً تحويلها إلى مهارات رقمية وأتمتتها وتعهيدها.
وأضاف أنه لم يعد العالم يكافئ الناس على ما يعرفونه، فمحرك بحث «غوغل» يعرف كل شيء، بل بات يكافئهم على ما يمكنهم القيام به اعتماداً على ما يعرفونه، مشيراً إلى أنه في الماضي كان التعليم يتمحور حول كيفية تعليم الناس شيئاً ما، أما الآن فقد أصبح يتمحور حول ضمان قدرة الطفل على معرفة مساره بكل ثقة، واكتساب مهارات تمكّنه من إيجاد طريقه في عالم ملتبس ومتقلّب ومبهم.
دعم المدرسين
وأضاف أندرياس شلايشر أن الأنظمة التربوية الأعلى أداءً انتقلت من السيطرة الإدارية والمساءلة إلى الأشكال الاحترافية في تنظيم العمل، فأصبحت تدعم مدرسيها من أجل تحقيق الابتكار في طرائق التعليم، وتحسين أدائهم وأداء زملائهم، والسعي إلى تطوير أنفسهم مهنياً، بما يفضي إلى ممارسات تربوية أفضل، مشيراً إلى أنه حين كان الهدف في الماضي ينصبّ على توحيد المعايير والتوافقية، أصبحت الأنظمة التربوية الأعلى أداء الآن تحفّز مدرسيها إلى الابتكار.
وأوضح المحاضر أنه غالباً ما تقوم الأنظمة التربوية الأعلى أداءً بمواءمة سياساتها وممارساتها في جميع جوانب النظام، فتجعلها مترابطة على مدى فترات زمنية طويلة، وتحرص على تنفيذها بشكل منسجم وثابت.
وقال إن المعرفة يمكن أن تحقق النجاح في المستقبل، لأنها مجال الكمبيوتر والروبوتات التي أصبحت تنافس البشر في مختلف الوظائف، وهناك طلب متزايد على استخدام المعرفة في سياقات غير مألوفة من قبل مثل الجوانب الاجتماعية ولم تقتصر على الجوانب العلمية أو التقنية فقط، مشيراً إلى أنه بعد 10 أو 15 سنة سوف تختفي الكثير من الوظائف التي كانت متاحة للبشر، مثل وظائف قيادة السيارات التي ستعتمد على الروبوت الذي أصبح يقود السيارة لمسافات طويلة.
سباق التقنية والتعليم
وأضاف أنه يوجد سباق بين التقنية والتعليم منذ الثورة الصناعية، حيث تقدمت التقنية بعد الثورة، وتأخر التعليم بعد أن كان هناك تنافس بينهما، وأثر ذلك في زيادة معدلات البطالة، لأن الناس لم يتحركوا بقوة لمواجهة هذا التطور العلمي، والنظام التعليمي لم يستطع أن يتخذ خطوات تقدم التقنيات نفسها التي تسبق قدرة الإنسان على التحكم.
وقال إن النجاح لم يعد مرتبطاً بتعلم شيء، ولكن بإعطاء الطلاب البوصلة ومهارات للإبحار لتعلم المهارات الاجتماعية، حيث كان في الماضي المدرسون يعلّمون الطلاب، ولكن نتوقع اليوم أن يكون الطلاب حاملين للمعرفة، وينقلون المهارات.
المساواة في تقديم التعليم
وأكد ضرورة ضمان المساواة في تقديم التعليم حتى يصل كل الأطفال إلى تعليم صحيح، مشيراً إلى أن الإنفاق على التلاميذ لا يشكّل سوى 15% في بعض البلدان، ويجب الاهتمام بدفع أعلى الرواتب للمعلمين، من أجل تعليم أفضل للتلاميذ.
مدارس اليوم مطالبة بإشباع الطلبة بمفاهيم الثقة والتعاون مع الآخر
أوضح المحاضر أنه ينبغي على المدارس اليوم إعداد الطلاب، من أجل عالم يحتاج فيه غالبية الناس إلى التعاون مع آخرين من أصول ثقافية متنوعة، وإدراك أفكارهم وآرائهم وقيمهم المختلفة، عالم يحتاج فيه الناس إلى أن يقرروا كيف يثقون بالآخرين ويتعاونون معهم برغم وجود الاختلافات بينهم، عالم ستتأثر حياتهم فيه بسبب مشكلات تتخطى حدود بلدانهم.
وأشار إلى أنه في هذه الأيام لم نعد نعرف بالضبط إلى أين ستؤول الأمور، وغالباً ما نفاجأ ونضطر إلى أن نتعلم من الحالات الاستثنائية، وأحياناً نرتكب الأخطاء أثناء قيامنا بذلك، موضحاً أنه غالباً ما تقودنا هذه الأخطاء والفشل إذا فهمناها فهماً صحيحاً إلى خلق السياق الصحيح للتعليم والنمو.
وأكد المحاضر أنه منذ جيلٍ مضى، كان بمقدور المعلمين أن يتوقعوا أن ما يعلمونه لتلاميذهم سيبقى معهم طيلة حياتهم، أما اليوم فالمدارس بحاجة إلى إعداد الطلاب من أجل نمو اقتصادي واجتماعي أسرع من ذي قبل، من أجل وظائف لم توجد بعد، ومن أجل استخدام تكنولوجيا لم يتمّ اختراعها بعد، ومن أجل حل المشكلات الاجتماعية التي لا نعلم حتى الآن أنها ستظهر.
وقال إن المقارنات الدولية ليست سهلة أبداً، كما أنها ليست دقيقة أيضاً، وبدأت مقارنات «ﺑﺭﻧﺎﻣﺞ ﺗﻘﻳﻳﻡ ﺍﻟﻁﻠﺑﺔ ﺍﻟﺩﻭﻟﻳﻳﻥ» PISA التابع لمنظمة ﺍﻟﺗﻌﺎﻭﻥ ﺍﻻﻗﺗﺻﺎﺩﻱ والتنمية، ومقرها باريس، تأخذ في الاعتبار مدى استعداد الطلاب في السياق المذكور آنفاً في بلدان مختلفة.
جودة التعليم مؤشر للثروة
وأشار إلى أن هذا البرنامج يعرفنا بما يمكننا القيام به في التعليم، كما يساعد الدول على رؤية نفسها في مرآة النتائج والفرص التربوية التي يقدمها القادة التربويون في العالم، وتُظهر النتائج أن جودة التعليم في بلدٍ ما هي مؤشر قوي للثروة التي سيجنيها ذلك البلد على المدى البعيد. وبعبارة أخرى، فإن المخرجات الاقتصادية التي نخسرها بسبب رداءة السياسات والممارسات التربوية تقود الكثير من البلدان إلى ما يمكن أن يصل إلى حالة دائمة من الكساد الاقتصادي، وهو كساد غالباً ما يكون أشد وطئاً من الكساد الذي تسببت فيه الأزمة المالية في بداية الألفية.
وقال شلايشر إننا نتفق جميعنا على أن التعليم مهم، ولكن الاختبار الحقيقي لأهميته لا يظهر إلا عندما يوضع التعليم في موازاة أولويات أخرى، وقد تعلمنا من «ﺑﺭﻧﺎﻣﺞ ﺗﻘﻳﻳﻡ ﺍﻟﻁﻠﺑﺔ ﺍﻟﺩﻭﻟﻳﻳﻥ» أن القادة في المدارس الأعلى أداءً علّموا مواطنيهم النظر إلى التعليم والمستقبل على أنهما أثمن بكثير من الحاجات الاستهلاكية اليومية.
واكد أن إيلاء التعليم أهمية كبيرة ليس سوى طرف من المعادلة، والطرف الثاني هو الاعتقاد بالإمكانيات التي بوسع جميع الأطفال تحقيقها، مشيراً إلى أن المثير للاهتمام هو أن الكثير من الأنظمة التربوية الأعلى أداءً تتمتع بأداء قوي ومتكافئ، أي أن جميع الطلاب من جميع الخلفيات الاجتماعية يحرزون تحصيلاً دراسياً عالياً، كما أن الأنظمة التربوية الأعلى أداء تشترك في ما بينها بمعاييرها الواضحة والطموحة، فالجميع يعلم ما المطلوب منه لكي يحصل على المؤهل الدراسي الذي يريده.
مواهب غير عادية
وأوضح المحاضر أنه في الماضي كانت المدارس تستخدم الأساليب نفسها في تعليم جميع الطلاب برغم اختلافاتهم، أما اليوم فتتعامل الأنظمة التربوية الأعلى أداءً مع التنوع من خلال ممارسات تعليمية مختلفة، فهي تدرك أن الطلاب العاديين لديهم مواهب غير عادية، ومن ثم تقوم بتخصيص التجارب التعليمية بما يناسب اختلافات الطلاب، مشيراً إلى أنه ربما كان أهم مخرج للأنظمة المدرسية الأكفأ في العالم هو الجودة العالية للمخرجات الدراسية في جميع نواحي النظام التربوي، ما يحقق لجميع الطلبة مستوى الاستفادة نفسه من التعليم المتميّز.
المحاضر في سطور
درَسَ الدكتور أندرياس شلايشر الفيزياء في ألمانيا، ثم حصل على شهادة في الرياضيات والإحصاء من أستراليا، ويشغل منصب مدير التعليم والمهارات والمستشار الخاص للسياسات التربوية للأمين العام لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في باريس، حيث يدعم استراتيجية الأمين العام من خلال تقديم التحليلات والمشورة حول السياسات، بما يدفع بعجلة النمو الاقتصادي ويحقق التقدم الاجتماعي، إضافة إلى تعزيز عمل المنظمة في ما يتعلق بالتعليم والمهارات على الصعيد العالمي، كما يعزز التعاون داخل المنظمة وخارجها.



