يشهد عالم الإعلام في السنوات الأخيرة سباقاً محموماً لإيجاد موطئ قدم له أمام التحديات التكنولوجية الكثيرة، وقد واجه الإعلام التقليدي صعوبات كثيرة حتى يحتفظ لنفسه بمكان وسط هذا الزخم التكنولوجي، فتطورت أدواته حتى وصل لمرحلة الإعلام الإلكتروني مستعيناً في ذلك بالثورة الرقمية التي فتحت أبواباً ومجالات واسعة أمامه..
للتفاعل مع وسائل الاتصال الجماهيري بكافة أنواعها ومواجهة التدفق المعلوماتي الهائل، الأمر الذي جعل كثيراً من المختصين ينتبهون لهذا الإعلام الجديد، الذي أرسى نظاماً اتصالياً شاملاً بأبعاده الاجتماعية والثقافية والحضارية.
تقدم تكنولوجي
وفي هذا الاتجاه قال الدكتور محمد عايش رئيس قسم الاتصال الجماهيري بالجامعة الأميركية في الشارقة، إن الإعلام الرقمي، أصبح من أهم الأدوات التي يعتمد عليها الآن قطاع كبير من الجمهور لتلقي المعلومات، خاصة أن التسارع الكبير في التقدم التكنولوجي ساعد بقوة في ظهور هذا المصدر المعلوماتي المهم.
معلومة سريعة
وأشار أن هناك الكثير من الإيجابيات التي أضافت كثيراً لواقعنا المعرفي، كسرعة الوصول للمعلومة، ونشرها في اللحظة ذاتها، فضلاً عن التأثير الجيد والمباشر في توجيه الرأي العام، والتواصل الفعال مع المتلقين، كما أن هناك بعض السلبيات المتمثلة في عدم الاستخدام الصحيح لمثل هذه الوسائل في نقل معلومات مجهولة المصدر، وعدم التحقق من صحتها، ما قد يضيف عبئاً على مصداقية الخبر المقدم.
إيجابيات وسلبيات
وذكر الدكتور سهيل دحدل الأستاذ المساعد في كلية الاتصال الجماهيري بأميركية الشارقة، أنه من خلال خبرته الكبيرة في مجال الوسائط الاجتماعية، استطاع أن يدرك أن الإعلام الرقمي أصبح ركناً معرفياً مهماً في الحاضر قبل المستقبل، وذلك للاستفادة الكبيرة من التطور التكنولوجي، الذي أصبح ملامساً للحياة اليومية للجمهور..
مضيفاً أنه رغم وجود بعض السلبيات التي تتمثل في عدم دقة مصادر بعض المعلومات إلا أن الإيجابيات المباشرة تشكل أساساً يجب الاعتماد عليه، مشدداً على أن المهنية في أداء العمل الإعلامي هي المرجع الذي يجب على الجميع التحلي به لتجنب هذه السلبيات.
إعلام مهني
وأكد أنهم كأكاديميين يطالبون طلبتهم دائماً بتحري المعلومات الدقيقة، والتأكد من مصدرها والبحث عنها، حتى يتسنى لهم تقديم معلومة صحيحة غير مقتطعة..
وهذا ما يضيف في تكوين كادر إعلامي مهني، يستطيع تجنب النماذج الأخرى السيئة، منبهاً إلى أن الإعلام الرقمي لا يمكنه تقليص أو تحديد دور الإعلام التقليدي أو تجنيبه، فلكل منهما دوره الذي يكمل الآخر، لإتاحة أكبر مساحة من عرض المعلومة، ولكل منهما ما يميز طريقة تقديمه وعرضه لها.
انتقال تدريجي

وقالت الطالبة سيدي هيرا (كندية)، إن الإعلام التقليدي يفتقر لكثير من مميزات الإعلام الرقمي، وخاصة في سرعة تقديم المعلومة..
مشيرة إلى أن هناك انتقالاً تدريجياً يحدث من جانب المؤسسات الإعلامية حتى تواكب كل جديد، مضيفة أنه رغم وجود بعض من عدم المصداقية في المعلومات التي تقدمها الوسائل المعلوماتية الحديثة، إلا أنه يمكن التغلب على ذلك بالتأكيد على مهنية المتخصصين من الإعلاميين، لعدم وقوعهم في هذا الخطأ.
وأوضحت أنها كطالبة ترى أن المناهج التي يدرسونها، تواكب كل التقنيات الحديثة، وهذا ما يسهل عليهم كخريجين جدد في سوق العمل استيعاب هذه التقنيات، لافتة إلى أن الانتشار الكبير للإعلام الرقمي حالياً يساهم بشكل أو بآخر في انتشار المؤسسات القائمة على ذلك، وإعطائها مساحات تنافسية مهمة مع المؤسسات الإعلامية العريقة في الإعلام التقليدي.
مناهج حديثة

وأوضحت الطالبة البريطانية عايشة دياجي، التي تدرس في أميركية الشارقة لمدة عام في إطار برنامج تبادل الطلبة بين الإمارات وبريطانيا، أنها ترى أن الإعلام التقليدي هو إعلام أحادي الجانب مقابل الرقمي، الذي يتميز بتعدد الوسائط والأبعاد التي تتيح له مجالات انتشار أكبر وأوسع..
مؤكدة أن الإعلاميين يمكنهم من خلال استخدام الوسائط الحديثة الوصول للمعلومة بشكل أسرع والتواصل مع المصادر بسهولة، وهذا ما ينعكس على تقديم خدمة معلوماتية آنية تواكب الشغف المعرفي للتواصل مع الأحداث وقت وقوعها.
ولفتت إلى أن المساقات التعليمية في الجامعات أدركت ذلك سريعاً مما أتاح لها تحديث مناهجها للوصــــول لأحـــدث الطرق والوسائل التي تنعكس على الخريجين الجدد، واستعدادهم لاستيعاب جديد هذا العالم المتسارعة أحداثه كل لحظة.
الصحافي الشامل
أشار الدكتور محمد عايش إلى أنه يجب على الصحافي أن يكون شاملاً، بحيث يستطيع متابعة الخبر، وصياغته بطريقة عرض احترافية وصادقة وبسيطة، مشيراً أن الإعلام الإلكتروني هو عنصر مكمل للإعلام التقليدي، والتنافس بينهما هو في طريقة العرض السريع للمعلومة الصحيحة، لافتاً أن طلبة الإعلام حالياً متابعون جيدون لكل جديد ويتأقلمون بسرعة شديدة مع كافة التغيرات التكنولوجية..
كما أن المناهج الدراسية مواكبة لكل هذه التغيرات التي تجعل الطلبة مستعدين للدخول بسهولة في هذا المجال، مضيفاً أن الكلية بصدد تجربة جديدة تمنح فيها بعض الطلبة جهاز (آيباد) لإجراء تجربة شاملة لكيفية إعداد الخبر، من خلال تصوير الحدث وعمل مونتاج له، ثم الصياغة التحريرية، وذلك للتدريب على مثل هذه المهمات.
فضاء معرفي بالكلمة والصوت والصورة

الإعلام الرقمي هو ناقل الحدث الأقوى والأسرع انتشاراً اليوم بفضل الخصائص التي يتمتع بها مثل استخدام الصوت والصورة لدعم الكلمة، فشبكة الإنترنت بما تضمه من أدوات ووسائط متعددة..
بدت مساحة في فضاء الكتروني مفتوح أمام المستخدمين لتصفح الأخبار والاطلاع على آخر الأحداث، ناهيك عن تجاوزه الخطوط الحمراء والرقابة المفروضة في وسائل الإعلام التقليدية حسب ما أوضح مجموعة من طلبة جامعة زايد في دبي.
جمهور محدود
الطالب عبدالله العبيدلي، قال إن الإعلام الرقمي بما يحتويه من وسائط متعددة وحديثة يعد من أهم الأدوات المستخدمة في عملية التعليم للطالب الجامعي وسواه، فالهواتف الذكية وفرت المسافة والجهد أمام طلبة الكليات والجامعات من أجل الحصول على المعلومة، فيما يبدو جمهور الاعلام التقليدي محدودا ضمن شريحة معينة من المجتمع وهم كبار السن وهواة الإعلام التقليدي..
وقد تداركت معظم وسائل الإعلام منافسة الإعلام الرقمي بحيث أردفت للقراء خدمات ذكية مثل إرسال الأخبار عبر الرسائل القصيرة أو البريد الالكتروني أو نشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة.
اتساع الفجوة
شاطره الرأي الطالب سعود خادم، الذي أوضح أن ابتعاد الطالب الجامعي اليوم عن الإعلام الرقمي يبدو صعباً، بل إن اتساع الفجوة المعرفية بين الطالب والإعلام سينجم عنها مشكلات وظيفية مستقبلاً، فالإعلام الرقمي بات أداة هامة للموظف والطالب والمجتمع بصفة عامة بأطيافه المختلفة..
لاسيما وأن خاصية التفاعل مع وسائل الإعلام الرقمي بدت ممكنة سواء مع الصحف أو مصادر الأخبار الأخرى في وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، مما أثر في الترويج بصورة أكبر عن بعض الأخبار بسبب حجم التعليقات أسفلها.
وذكر خادم أن الإعلام الرقمي شهد تطوراً كبيراً حيث ظفرت بعض الشخصيات بشهرة واسعة نتيجة نجاحها في الإعلام الرقمي رغم غيابها في وسائل الإعلام التقليدية مثل الصحف والإذاعة، مما يثبت أن الإعلام الرقمي بدا أقوى تأثيراً من الإعلام التقليدي، بفضل إمكانية دعم الكلمة بالصوت والصورة، إلى جانب اختصار المعلومة أو الخبر بعيداً عن الإسهاب والحشو المتعارف عليه في بعض الصحف الورقية على حد تعبيره.
نمط التفكير

ووصفت عنود عبدالله طالبة إخراج وإنتاج سينمائي، الإعلام الرقمي بأنه عامل مؤثر وقوي في تغيير أيدولوجيات الناس ونمط تفكيرهم، وفقاً لما يشاهدونه ويقرؤونه في وسائل الإعلام الرقمي، مما يؤكد حقيقة أنه سلاح ذو حدين يمكن استخدامه في الجانبين خدمة المجتمع أو تضليله..
مشيرة إلى أنها حرصت في هذا الجانب على تصوير مقاطع فيديو تتضمن حكما وعبرا تخدم أكبر شريحة من المتابعين والمستخدمين في فضاء الإعلام الرقمي. وأكدت أن المجتمع بات شريكاً أساسياً ومنافساً لوسائل الإعلام، إذ نجح البعض في فتح قنوات أخبار بمجهود فردي..
وقد تمكن الكثيرون من إنتاج أفلام قصيرة لنقل رسائل مختلفة للمجتمع وصناعة الأحداث ونقلها، فضلاً عن الرد على إساءة غير المسلمين والصحف الأجنبية لديننا بطريقة راقية، مضيفة إن الإعلام الرقمي يعتبر وسيلة مثالية للترويج سياحياً عن دولتنا الحبيبة، من خلال استخدام خصائص لجذب المشاهدين فضلاً عن تسليط الضوء على أجمل المعالم السياحية.
الفئات المستفيدة
ولاحظت الطالبة نورة علي أن أكثر الفئات استفادة من الإعلام الرقمي هم طلبة الإعلام والإعلاميون، وذلك لأن فرصة الحصول على المعلومة باتت سهلة للغاية..
وبصفتها طالبة في تخصص العلاقات العامة مطالبة باستمرار بتكليفات مثل إعداد بيان صحفي وفقاً لخبر تداولته مجموعة من الصحف، فيتجه الجميع فوراً إلى الإنترنت لاستخراج الخبر من الصحف المحلية والعالمية، ثم نسخه بسهولة مختصرة بذلك الوقت والجهد عند شراء الصحف الورقية، لاسيما وأن عملية الطباعة باليد للبحث أو التقرير ستستغرق وقتاً أطول بكثير.
ولفتت إلى أن قراءة الأخبار بدت أكثر مريحة للمتصفحين، إذ تستعرض الصحيفة ضمن الصفحة الرئيسية أهم الأخبار والأحداث وتعرض في شريط جانبي أكثر المواضيع قراءة وتعليقاً من جمهورها القراء، مما يجعل الصحف الالكترونية تبدو أكثر إثارة وتشويقاً من نظيرتها الورقية، خاصة أن بعض الأخبار مرفق بها فيديو لدعم الخبر بالصوت والصورة..
وإرسال الرابط الالكتروني للأخبار الهامة بسهولة ثم نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة أو »وات ساب« وغيرها من الوسائل في الإعلام الرقمي.
قيود ورقابة
قال الطالب عبدالله العبيدلي إن ثمة سلبيات يشكو منها الاعلام الرقمي، لعل أبرزها سهولة نشر الشائعات بين المستخدمين، إذ يحرص ضعاف النفوس والمستهترون على استغلال بعض الأنباء وفبركتها لتأليب الرأي العام وتضليل أكبر نسبة من المستخدمين والمتابعين على شبكات التواصل الاجتماعي، مطالباً بفرض المزيد من القيود الرقابية على المستخدمين، بحيث يخضع مستخدمو الاعلام الرقمي إلى عقوبات محلية ودولية تمنعهم من تجاوز حدودهم، لاسيما في المجتمعات الطلابية باعتبار أن الطلبة أكثر استخداماً له.
