في عصر التداخل والتواصل والتفاعل بلا حدود، تطفو على السطح مشكلات مجتمعية عدة، تكون عامل هدم إن لم تُواجه كما ينبغي، وحين يتعلق الأمر بالشباب الذين يعتبرون قوة الدفع في تطور الدول، ووقود نهضتها وتقدمها، تصبح المسؤولية المجتمعية واجباً أخلاقياً وتربوياً ووطنياً بامتياز، لتسيير طموح الشباب إلى بر الأمان.
وفي النقيض، فإن الإهمال الأسري والفراغ الشبابي وحب التجربة السلبي، أسباب تؤدي إلى انحراف الشباب، واتجاههم إلى ممارسات لا تليق بهم ولا ترضي الآخرين، انحداراً إلى مستنقع المخدرات المدمر. لذلك وقفت المؤسسات المجتمعية صفاً واحداً لصد كل محاولات الزج بشباب الوطن في هذا الطريق، والضرب بيد من حديد على أي ضرر يواجه جيل الشباب.
وفي السياق؛ دقت إدارات مكافحة المخدرات في الدولة، ناقوس الخطر لحماية المراهقين من طلبة المدارس، من الوقوف في شرك التجريب أو التقليد لممارسات قد تقود إلى الأخطر، لا سيما وأن هذه الشريحة تحديداً تعتبر صيداً سهلاً وخاصرة ضعيفة نظراً لحجم التأثير والتأثر في عمر المراهقة.
7 دقائق
عن المؤثرات التي قد توقع الشباب في دائرة الإدمان، قال العقيد الدكتور جاسم خليل ميرزا مدير إدارة التوعية الأمنية بالقيادة العامة لشرطة دبي، إن الإهمال الأسري، وأصدقاء السوء، وحب التجربة، أسباب رئيسية لظهور هذه الآفة المجتمعية السيئة، وهي تمثل أكثر من 80% من أسباب الانتشار.

وأشار إلى حملات توعوية مستمرة تقوم بها شرطة دبي، مثل حملة «مدارس بلا مخدرات» للتوعية بأضرار انتشار حبوب الهلوسة بين طلبة المدارس، إذ أكدت استبيانات أجريت أن 90% من أسباب إدمان الشباب على المخدرات، مردها إلى أصدقاء السوء في ظل غياب الرقابة الأسرية، لافتاً إلى دراسة أخرى عربية، أكدت أن الآباء العرب وخاصة الخليجيين، يرون أبناءهم 7 دقائق فقط في اليوم، وأن بعضهم لا يعرف أي المراحل الدراسية وصل أبناؤه.
12 حملة
وقال إن الإدارة أطلقت مؤخراً 12 حملة توعية، بهدف الوقاية والحد من السلوكيات الخاطئة التي تؤدي إلى وقوع جرائم بين الشباب والأحداث تحديداً، وهذه الحملات تخاطب المدارس، وأولياء الأمور، والطلبة، لافتاً إلى حملة «مدارس بلا مخدرات» التي شملت 49 مدرسة حكومية في دبي، و122 مدرسة خاصة، بمجموع 171 مدرسة.
وعن نماذج لحالات تدخلت فيها شرطة دبي، تطرق الدكتور جاسم خليل إلى شكوى تلقتها الشرطة من مدير مدرسة، يطلب المساعدة في احتواء نحو 25 طالباً من الراسبين وذوي السلوك السلبي، وقد تم تشكيل فريق عمل لمقابلة الطلبة، وتبين أن جميعهم يعيشون حياة أسرية غير مستقرة، ويعانون من انفصال الوالدين، أو العنف الأسري، أو الاختلاف بين جنسية الأب والأم، وأن أولياء أمورهم لا يعلمون شيئاً عنهم، مشيراً إلى أنه تم التواصل مع الأمهات، وتبين أنهن بحاجة أيضاً إلى تأهيل وتوعية، وبالفعل تم إخضاعهن لبرنامج مكثف مدته 4 أشهر، وكانت النتائج إيجابية جداً، إذ تم تعديل سلوك 18 طالباً أكاديمياً.
أسباب مزمنة
من جانبه، سلّط المقدم الدكتور جمعة سلطان الشامسي مدير إدارة التوعية والوقاية في القيادة العامة لشرطة دبي، الضوء على أسباب إقبال بعض الشباب على المخدرات وهي أسباب تقليدية مزمنة، مؤكداً أن هناك جهوداً كبيرة تبذلها الدولة للتصدي لظاهرة انتشار المخدرات، من قبل الجهات الصحية المنتشرة على مستوى الدولة، والتي تعنى بعلاج مدمني المخدرات وإعادة تأهيلهم، مع مواصلة التوجيه والرعاية اللاحقة التي تقدم للمدمنين وأسرهم، بمساعدة العديد من المؤسسات المدنية والمجتمعية.

وشدد على ضرورة التشدد مع مديري المدارس الذين يهملون في الإفصاح عن الطلبة المدمنين، حتى لا تتفاقم المشكلة وتزداد تعقيداً، لافتاً إلى أنه يتم الاجتماع بالاختصاصيين الاجتماعيين، ومديري المدارس، والكادر الطبي فيها، لإلحاقهم بدورات تدريبية تساعدهم في اكتشاف الشخص المدمن والتعامل معه. وقال إن الإدارة أعدت أفلاماً تسجيلية عن التوعية بأضرار المخدرات، سعياً إلى حصار المشكلة وتحجيمها.
أم تكشف ابنها
وأضاف: في حالة اكتشاف طالب مدمن، تدرس حالته، ويتابع اجتماعياً، ويستدعى ولي أمره ويقدم تعهداً، إذ لا يمكن الزج بالطالب في دار رعاية الأحداث حتى لا تتفاقم المشكلة.
ولفت الشامسي إلى أهمية ملاحظة الأسر سلوك أبنائها، فإذا حصل تغير على واقع الابن، مثل زيادة عدد ساعات النوم أو الانطواء، فلا بد من مراقبته، لافتاً إلى حالة أم حضرت إلى الإدارة مع ابنها، تقول إن ولدها يتحدث مع نفسه أحياناً، وشكت أن يكون لدى ابنها مس شيطاني، أو أنه مصاب بمرض ما، وبالضغط عليه، اعترف أنه يتعاطى حبوباً مخدرة، فبادرت بإحضاره إلى الإدارة لعلاجه. وقال الدكتور جمعة الشامسي إن الطالب الذي يضبط للمرة الأولى يُستدعى ولي أمره ويؤخذ عليه تعهد برعايته، وضرورة علاجه وتقويم سلوكه، مؤكداً أنه لا يمكن إدانة طالب في قضية مخدرات، وهو في سن صغيرة، لذلك على الآباء أن يكونوا أكثر حرصاً ووعياً وأهلاً لحمل أمانة الأبناء.
إحصائيات ومبادرات
أشار الدكتور جمعة الشامسي إلى إحصائيات لشرطة دبي عام 2014، تفيد بعلاج 48 حالة إدمان في مستشفى الأمل بدبي والمركز الوطني للتأهيل بأبوظبي، لافتاً إلى اتفاقية مع برنامج الإمارات لتوظيف الكوادر الوطنية، وتعاون مع مؤسسة محمد بن راشد للأعمال الخيرية والإنسانية، وجمعية بيت الخير، وهناك 77 طالباً تبين إدمان آبائهم، قدمت لهم مساعدات مدرسية.
ودعا الشامسي إلى تواصل كل من يحتاج إلى الاستشارة والدعم على الرقم 800400400.
مراحل
المدمن مريض نفسي يحتاج علاجاً خاصاً
أوضح الدكتور علي الحرجان اختصاصي الطب النفسي، أن خطوات احتواء المدمنين تبدأ بالعلاج الدوائي أولاً ثم النفسي والاجتماعي. وبيّن أن إدمان المخدرات مشكلة مجتمعية، ولابد من اعتبار المدمنين مرضى نفسيين يحتاجون نظاماً علاجياً خاصاً، يهتم بالأسباب التي دفعتهم للجوء إلى الإدمان، مشيراً إلى أن العلاج قد يستمر لفترة تتجاوز العام.
وأكد أن عدداً من المتعاطين يعودون للإدمان مرة أخرى بعد العلاج، مشيراً إلى أن العلاج يعتمد في نجاحه على دافعية المدمن أساساً، بالإضافة إلى الفترة الدوائية في العلاج، ومرحلة العلاج المجتمعي من خلال احتواء هذه النماذج، بتوفير مستلزمات العيش الكريم لهم، وتأمين بيئة جديدة خالية من أصدقاء السوء، مشيراً إلى أهمية المتابعة اللاحقة للمعالجين من الإدمان، حتى لا يعودوا إلى المخدرات مرة أخرى.

وأشار إلى الجهود التي تبذلها مؤسسات الدولة مجتمعة للتصدي لهذه الآفة، والتي تتكامل في الوقاية والعلاج والتأهيل، وتبقى الحاجة ماسة إلى مزيد من الجدية والالتزام من قبل أولياء الأمور لتضييق الخناق على هذا السلوك المرفوض.
مراهقة
مسؤولية المدرسة مضاعفة

قال قمبر المازم مدير مدرسة حلوان الثانوية في الشارقة، إن المدرسة شديدة الحرص على حماية الطلبة من الوقوع فريسة الإدمان، ولديها تعليمات بالإبلاغ عن أي طالب يشتبه في إدمانه، مشيراً إلى أن المجتمع المدرسي يحتضن المئات في سن المراهقة، وهي المرحلة الأصعب في حياة أي شخص، حيث الانسلاخ عن القيود الأسرية، والارتماء في أحضان تيارات متناقضة، وليس مفاجئاً أن نجد طلبة في هذه المرحلة العمرية، منجرفين وراء سلوكيات سلبية لإثبات ذاتهم والإحساس بشخصيتهم، لذا تبدو مسؤوليتنا مضاعفة.
الترفيه الإلكتروني.. فراغ في عالم مجهول
للجانب القانوني في قضية الإدمان رأي أوضحه المستشار القانوني الدكتور يوسف الشريف، حيث قال إن المحكمة تراعي صغر سن المتعاطي أو المدمن، إذ تقضي بتخفيض العقوبة المقررة قانوناً، بسجنه 4 سنوات إلى عام واحد فقط، وفي كل الأحوال إذا كانت المرة الأولى في تجربة التعاطي، فالقانون يلزم المحكمة بإيداعه مصحة للعلاج، وتبقى السابقة مسجلة ضده، ولا تسقط إلا بحصوله على حكم برد الاعتبار، وفقاً للإجراءات المحددة في القانون.

مستجدات غريبة
وقال إن التأثير السلبي للأمور الغريبة والطارئة على المجتمع، في ظل الرفاهية الزائدة والرغبة في تجربة كل جديد وغريب، خطير وكبير، خاصة مع سوء استغلال البعض لأوقات الفراغ، وعدم استثمارها في الهوايات التقليدية المفيدة التي كان يمارسها شباب الأمس، في وقت أصبحت فيه الألعاب الإلكترونية سبباً ومدعاة للانحراف، وأدت بكثير من الشباب إلى التكاسل والخمول والتعلق بعالم افتراضي مجهول، فمن هنا يتولد الخطر.
دور مجتمعي
أما الدكتور عبدالعزيز الحمادي رئيس شعبة الإصلاح الأسري في محاكم دبي، فأوضح أن هناك دوراً مجتمعياً مهماً، لاحتواء انتشار المخدرات بين الشباب والطلبة، يبدأ بشراكة مجتمعية بين مؤسسات الدولة؛ من أجهزة الشرطة والمدارس والجامعات وحتى الجمعيات التي تعنى بإصلاح المجتمع وتفادي السلبيات. وعوّل الحمادي كثيراً على دور الأسرة في المحافظة على الأبناء، وعدم تركهم فريسة رفقاء السوء، ومتابعة شؤونهم وأحوالهم خارج المنزل، والسؤال دائماً عن مشاكلهم ومحاولة حلها بالتقرب إليهم ومصادقتهم، وعدم وضع حواجز قد تفصل الأبناء نفسياً عن أولياء أمورهم.

عولمة سلبية
وبين أن الأسباب التي قد تدفع الشباب للجوء إلى طريق الإدمان كثيرة ومتعددة، تبدأ من العولمة التي اجتاحت حياتنا اليومية، وضعف الحدود الأخلاقية والضوابط التربوية في سلوكيات البعض، بالإضافة إلى تدني مستوى الرقابة الأسرية، وترك الحبل على الغارب، وانحصار دور أولياء الأمور في تقديم الأموال لأبنائهم دون معرفة طرق صرفها.
الأب القدوة
نبّه الدكتور الحمادي إلى الدور السلبي التي تفرضه المشاكل الأسرية، نتيجة حالات الطلاق التي تقع بين الزوجين، وإهمال الزوج شؤون بيته، ومتابعة أبنائه دراسياً وسلوكياً داخل البيت وخارجه، وانحسار دور الأب في اللهث وراء ماديات الحياة، دون اعتبار لمستقبل الأسرة والحاجة للأب القدوة، الضامن لسلامة الأسرة والأبناء وصولاً إلى المستقبل المنشود.
