التحدي لغة لا يتقنها إلا من ينتصر على الخوف أولاً، مهما بلغت حروفها حداً من الصعوبة والمستحيل. هكذا هي فاطمة علي التي تصدت بعزيمتها لأمواج الخوف والقلق، من منطلق إيمانها أن الرضوخ والسلبية في التعامل مع هكذا حال كفيل بأن يجهض كافة الأحلام والطموحات، فعلى الرغم من انتكاس حالتها الصحية في سنوات مبكرة، لم يتأثر إصرارها إلا بمزيد من التفاؤل والرضا بما كتب الله لها، فظلت كتلة من النشاط تحفز عزيمة كل مَنْ حولها.

عكازات طبية

ولدت فاطمة سوية لا تعاني أي مشاكل صحية، وبعد عامها الأول أصيبت بارتفاع شديد في درجة حرارتها، انتهى بإعاقة حركية فقدت فيها وظائف قدميها، لكن ذلك لم يمنعها من محاولة الحركة باستخدام العكازات الطبية التي لم تدم إلا عاماً واحداً، إذ إنها وبعد بلوغها عامها الرابع، تدهورت حالتها الصحية مرة أخرى، وانحسرت مضاعفات الحالة بعد أن فقدت الإحساس بقدميها لتصبح غير قادرة على الحركة، والكرسي وسيلتها الوحيدة للتنقل.

عاشت فاطمة حياتها مع الأطفال الأسوياء بكل ثقة وسرور، رافضة منذ صغرها العزلة، فمشاهدة الأطفال يركضون ويمرحون لم تنعكس سلباً على تفاصيل حياتها أبداً، كما هو حال بعض الأسر التي تحجب الأبناء عن الخروج، أو تضع معايير محددة تلزمهم لأنهم معاقون.

تفاؤل وصدقات

أيقنت أسرة فاطمة وبعد محاولات عدة لعلاج ابنتهم، أن عطاء الشخص يكون محدوداً بفكره وليس بحركته، وما دام الإنسان لديه عقل يفكر به، فإن ذلك سيعوضه عن فقدان حتى كافة أطرافه، ووجدوا الحل المناسب في تأهيل فاطمة عن طريق نادي الثقة للمعاقين في الشارقة، ثم إلحاقها بالمدرسة مع الطلبة الأسوياء، إذ إن ذلك سيمنحها مزيداً من التفاؤل ويعوض عجزها عن الحركة، وذلك ما لمسوه واقعاً بفعل الصداقات والعلاقات الطيبة التي جسدتها فاطمة. استحوذت فاطمة على اهتمام كثير من زميلاتها في المدرسة، اللواتي كن يتسابقن ويتنافسن في حمل حقيبتها، ودفع كرسيها ومرافقتها في أرجاء المدرسة، فأحبت فاطمة مدرستها حد الإشباع وأكثر، ولم تشعر بعجزها عن الحركة، بل دامت كالشمعة يلتف حولها الناس طلباً للنور.

الغد أفضل

أكملت فاطمة مراحلها التعلمية في المدارس الحكومية العادية، وظلت شغوفة بالدراسة، وذلك بفضل العلاقات الجيدة التي أوجدتها في محيطها.

مرت السنوات سهلة عليها وعلى أسرتها، التي كانت تودع ابنتها المدرسة مطمئنة عليها وواثقة بأن الغد أفضل، تلك القناعة ترسخت وبقوة بعد أن أدركت الأسرة أن المرض أو الإعاقة مهما اختلفت حدتها وتباين شكلها، تظل في النهاية رهن الوضع النفسي الذي غالباً ما يصنعه الإنسان لنفسه بنفسه.

الجامعة والوظيفة

أنهت فاطمة مرحلة المدرسة، التي كانت محطة انطلاقة بعيدة المدى لإرادتها، من منطلق إيمانها أن مكانة الإنسان في المجتمع تترسخ بعلمه وتفكيره، فبدأت مهمة البحث عن جامعة تناسب ميولها وتلبي رغباتها، ونظراً لتكاليف الدراسة الجامعية المرتفعة في الدولة، فضلّت فاطمة الالتحاق بإحدى الجامعات في بلدها الأم مصر، فتنقلت بين الإمارات ومصر حتى أنهت دراستها الجامعية في تخصص التجارة الخارجية، بتقدير مرتفع، وعادت بطموحها المتزايد للبحث عن وظيفة تحقق جزءاً من أحلامها المستحيلة السهلة؛ كما وصفت