أن تلج عالم القصص والحبكة الروائية وأنت في بداية التكوين فهذا يحتاج إلى عبقرية فذة، وعندما تتهيأ الظروف من بيئة تعليمية إلى أسرة إلى متابعة عندها تصبح بذرة الخيال قابلة للنمو في وسط يشجع عليها، حيث أصبحت القصة من الوسائل التي تستخدم في عمليات التعلم خصوصاً مع المراحل التأسيسية، لما لها من تأثير على الطلبة وقدرة على جذب انتباههم وترسيخ المعلومة في أذهانهم، ورغم قلة المحتوى القصصي العربي ذو الجودة العالية الموجه للطفل، إلا أن القصة أصبحت توظف بشكل كبير في المدارس بأبوظبي للمراحل التأسيسية ورياض الأطفال، ويعتمد التطبيق فيها على مهارات المعلم وقدراته في طرحها للطالب وجذبه إليها.

وفي هذا الإطار أولت كلية الإمارات للتطوير التربوي اهتماماً خاصاً بإعداد طلبتها وتمكينهم في مجال الكتابة القصصية، من خلال طرح مساق الكتابة الأدبية والذي مكن معلمات المستقبل بالكلية على مدى السنوات الماضية من انتاج 260 قصة مرتبطة بالمناهج الدراسية المطبقة، وتم عرض الأفضل من بينها في فعاليات أدبية شارك فيها كتاب وأدباء لتشجيع إنتاج الطالبات، كما توجهت الكلية إلى تأسيس ناد قصصي بهدف الوصول لإنتاج قصصي محلي يمكن توظيفه في العملية التعليمية.

البيئة المحلية

وتقول الطالبة شيخة البلوشي في السنة الرابعة بالكلية: إنهم خلال سنوات الدارسة تعلموا مهارات الكتابة الأدبية والتربوية في مجال القصة والمقال، وتعرفوا إلى القصص بأنواعها واقعية وخيالية، ومعايير إنشائها، وكيفية توظيفها في العملية التعليمية، من حيث اعدادها بمنهجية محددة مرتبطة بالمنهج الدراسي وتحقق مخرجاته التعليمية، وأن ترتبط بالبيئة المحلية وتعبر عن الهوية والتراث وتربط الطالب بالواقع من حوله، وتعلموا كذلك كيفية اختيار الكلمات والمحتوى المناسب للمرحلة العمرية للطالب من الروضة وحتى الصف الخامس.

قصة المزرعة

وأضافت أنهم قاموا بعد ذلك بكتابة قصص تم تحديد أفكارها وأهدافها التعليمية من خلال الاطلاع على المناهج التي تدرس حالياً بمدارس مجلس أبوظبي للتعليم واختيار موضوع يتم العمل عليه بشكل قصصي، وأنها نفذت قصة حول الطفلة آمنة التي ذهبت في العطلة الأسبوعية إلى مزرعة جدها وهناك تعرفت إلى أنواع الحيوانات وطرق رعايتها، وقدمت البلوشي من خلال القصة المعرفة للطلبة بشكل مشوق.

تعليم إلكتروني

وترى البلوشي أن أسلوب القصة مؤثر جداً في الطلبة ومن المهم أن يمتلك المعلم مهارات كتابتها لتوظيفها في التعليم، وأنه من خلال عملها التدريبي في المدارس تجد أن هناك حاجة لتعزيز التعليم الالكتروني لما له من تأثير فعال على الطلبة سواء من خلال اعداد قصص مصورة الكترونيا، أو استخدام السبورة الذكية والألعاب الالكترونية التعليمية التي ستحقق مردوداً كبيراً اذا توفرت بشكل كبير في المراحل التأسيسية التي يعد اللعب والتسلية من أهم الطرق التي يتعلمون من خلالها.

ناصر والبذرة

كما ذكرت الطالبة ظبية الملا، أن القصة التربوية الموجهة للطفل في المدرسة من بين المهارات التي تدربوا عليها ضمن مساق مهارات الكتابة بالكلية، وقد عملت على انتاج قصة على مدى أكثر من شهرين والتي دارت حول نمو النبات من خلال قصة بذرة مع طفل اسمه ناصر كان وحيد والديه ويرغب في الحصول على حيوان أليف وتربيته، ولكنه خلال جلوسه في الحديقة سقطت على رأسه بذرة، وبعدها انتقلت ظبية في قصتها إلى جانب خيالي لإثارة الأطفال، حيث جعلت البذرة تتحدث في القصة وتخبر الطفل ناصر أنها وحيدة ولو تركها ستموت من دون الماء والغذاء، وتواصل القصة أحداثها بعد أن يقوم الطفل ناصر بزراعتها ومتابعة نموها أمامه.

استفادة ميدانية

وتقول ظبية إن القصة التي يكتبونها استمدت فكرتها من مقرر طلبة الصف الثاني الابتدائي، لأنهم على اطلاع مستمر بمناهج الحلقة الأولى بأبوظبي، وأنها بنت القصة بناء على معايير تلك المناهج وأهدافها بحيث تحقق من خلالها المخرجات التعليمية المتوقعة، مشيرة إلى أن تنفيذ القصة تطلب منها وقتاً كبيراً بدءاً من اختيار الفكرة وتحويلها إلى قصة ورسم الصور المعبرة، وتتمنى ظبية أن تلقى هذه القصص طريقها إلى المدارس وتستثمر في العملية التعليمية لأنها مرتبطة بالمناهج، مشيرة إلى أن ميزة هذه القصص أنها من انتاجهن وتعبر عن البيئة المحلية بأسمائها ورسومها وتعابيرها.

تعاون المعلمين

من جانبها ذكرت الطالبة سلمى سالم في السنة الرابعة بالكلية، أنها لمست خلال عملها التدريبي في المدارس مدى التفاعل الكبير من الأطفال في الحصص التي تستخدم فيها القصص، ولفتها في رياض الأطفال أن معلمة اللغة العربية تعمل مع معلمة اللغة الإنجليزية بشكل مشترك في الحصة ويتشاركان في قراءة قصة واحدة باللغتين للطلبة لتعزيز المعارف اللغوية والعلمية لديهم، وتركيزهم على طريقة سرد القصة بالانفعالات والأصوات الجاذبة .

رسائل تعليمية

وأضافت أنها ألفت قصة حول «النحلة» وأرسلت من خلالها عدة رسائل تعليمية للطالب أهمها ضرورة عدم قتل هذه الحشرة وأي حشرات أخرى لأن لكل كائن حي فوائده على البيئة، وكذلك ماهية النحلة وانها تمدنا بالعسل وهي كائن نشيط وعامل ومنظم، مشيرة إلى أنهن تعلمن في كلية مهارات الكتابة التربوية في القصص والمقالات، وكيف يمكن أن توظيف في المناهج لتدريس الطلبة، وتتمنى أن تستخدم هذه القصص للطلبة في الميدان كمصادر تعلم مساعدة وداعمة للمناهج.

تحديات الإنتاج

وأكدت سلمى أن كتابة القصة ليست سهلة، لذا فإنها بعد التخرج وعند التحاقها بالعمل في المدارس ستحتاج إلى دعم لكتابة القصص للطلبة، أهمها عامل الوقت في ظل متطلبات مهنة التدريس اليومية، كذلك دعم على مستوى توفير امكانات وخاصة التقنية لتعزز انجاز الرسومات المتعلقة بالقصص اضافة لتعاون ادارة المدرسة في ذلك، فهي أمضت نحو أسبوعين في انجاز رسومات قصة النحلة، منوهة بأن القصة من أفضل الطرق لتوصيل وترسيخ المعلومة في ذهن الطالب.

تدريب المعلمين

ميلان فاندين هوفن المحاضرة في كلية الإمارات في مجال تحليل النصوص الأدبية الانجليزية، أكدت أهمية القصة كوسيلة للتعليم خصوصاً لطلبة المراحل التأسيسية، وضرورة أن يمتلك كل معلم في الميدان مهارة كتابة القصص المرتبطة بالمناهج ومهارة قراءتها أيضاً، لأن أسلوب القراءة عامل مهم في جذب الطالب للقصة ومحتواها التعليمي، وأوضحت أن الطالبات يتعلمن خلال المساق أنواع النصوص الأدبية كالقصة والمقال والفروق بينها وكيفية تحليلها، ويخوضن تجارب قراءة قصص للأطفال في المدارس، ومن ثم يتم تكليفهن بعمل مشروع حول هذا المساق الأدبي،يقمن من خلاله بكتابة قصة موجه لطالب الحلقة الأولى أو الروضة ويتم اختيار فكرة القصة من خلال المناهج المطبقة بأبوظبي، بحيث توظف كوسيلة تعلم، ويتم بناء القصة وفقا للأسلوب الأدبي الصحيح، كما تقوم الطالبات بتنفيذ الرسوم المعبرة عن القصة والتي يمكن أن تكون يدوية أو الكترونية.

مصادر تعلم

وأشارت إلى أن الطالبات في الكلية على مدى سنوات الدراسة أنتجن نحو 260 قصة، ويتم سنوياً اختيار الافضل منهن لوضعها في المكتبة و اقامة يوم خاص بالقصة توجه في دعوات لكتاب وأدباء وجهات نشر لرؤية أعمال الطالبات وتشجيعهن على الابداع، وذكرت ميلان أنها تدرك أن مجلس أبوظبي للتعليم يبذل جهودا كبيرة لتوفير مصادر تعلم متنوعة للطلبة منها القصص والتي يحرص على اختيار التي يتناسب منها مع البيئة المحلية والمنهاج، وهي ترى أن طالبات الكلية لديهن ابداعات قصصية محلية، اذا تم تنميها ورعايتها ستوفر محتوى قصصي تعليمي ابداعي للطلبة .

نادي

قالت فاندين هوفن إنه من منطلق قناعتها بقدرات الطالبات وأثر القصة كوسيلة تعلم، عملت هذا العام على تأسيس نادي الكتابة القصصية، تسعى من خلاله لاستقطاب المواهب الطلابية في مجال الكتابة الأدبية، وتدريبهم بشكل متخصص وموسع ومحاولة تنفيذ دورات وورش عمل في الكتابة القصصية والاستعانة بكتاب وأدباء لتعزيز هذا التدريب .