لم تعد المناهج والمقررات الدراسية تكتفي بقالبها المألوف فقد تطورت في الفترة الاخيرة بشكل ملحوظ وملموس، ودخل الابداع الفني ضمن العملية التطويرية فتحولت معه المواد الدراسية الى معزوفات موسيقية راقية تمس الوجدان والعقل بأصالتها، بصورة مستمدة من موروثنا الثقافي، الى جانب انضمام الوسائل الذكية لهذا التكوين الجديد على المناهج والطالب، الشيء الذي استهدفت من خلاله حنان العطار موجهة التربية الموسيقية في وزارة التربية والتعليم، فئة ذوي الاحتياجات الخاصة بجميع الاعاقات، وتحرص "البيان" على عرض هذا المشروع المبدع وتنفرد به كونه تضمن طرقا تعليمية غير مسبوقة تجمع بي طرائق التدريس الميسرة وأساليب التعلم الذكي.


وكشفت حنان العطار، عن مشروع أعدته للربط بين التربية الموسيقية والمواد التعليمية الأخرى مثل اللغة الانجليزية والعربية والرياضيات من خلال تلحين معزوفات تتضمن المنهاج وبالتالي تكون في متناول طالب الدمج، بجميع فئاته هم من يلقون صعوبات التعلم نسبة للإعاقات الجسمية والصحية، والإعاقة البصرية، والإعاقة السمعية، واضطراب اللغة والكلام (اضطرابات التواصل)، والتّوحد والاضطرابات الانفعالية والسلوكية، والإعاقة الذهنية.


واستطاعت العطار من خلال المشروع تشكيل الفريق الموسيقي الأول على مستوى الدولة من طلاب الدمج الذي يتكون من (50) طالبا وطالبة، وتكوين فريق كورال يتكون من 125 طالبا وطالبة، بالإضافة الى تكوين فريق موسيقي للعزف على الآيباد.


من أجل بسمة طفل
وذكرت العطار انها اعدت مشروعا تحت اسم "من اجل بسمة طفل" يهدف الى تقديم الدعم لطلاب الدمج في الموقف التعليمي واكتشاف المواهب الموسيقية لدى طلاب الدمج ورعايتهم. حيث نبعت فكرة المشروع من خلال الاطار العام لتوجه الدولة والذي يشكل نقلة نوعية وأسبقية في خلق أمل جديد لذوي الاحتياجات الخاصة والمتمثل في القانون الاتحادي رقم 29 لسنة 2006 بشأن حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة في مجال التعليم المادة رقم (12).

وكذلك الهدف الخامس من استراتيجية وزارة التربية والتعليم (2010 – 2020) الذي ينص على ”توحيد المعايير وتوفير فرص التعليم للطلبة من ذوي الاحتياجات الخاصة، لتحقيق مستوى عالٍ“ وكذلك شعار إدارة التربية الخاصة بالوزارة "المدرسة للجميع" الذي استلهمناه في وضع شعار المشروع "الموسيقى للجميع".

5 محاور
وتمركز المشروع حول 5 محاور أساسية وهي تقديم الدعم لطلاب الدمج في الموقف التعليمي من خلال مادة التربية الموسيقية، وتكاملها مع المواد الدراسية الأخرى لتحسين التحصيل الدراس، والمحور الثاني اكتشاف المواهب الموسيقية لدى طلاب الدمج ورعايتهـــــــــا وإبرازها، بصورة فردية أو جماعية، والمحور الثالث تحسين التواصل الاجتماعي والحد من المشاكل السلوكية السلبية مثل العدوانية والعزلة، المحور الرابع يتمثل في تحسين الصورة الذاتية، الثقة بالنفس، القدرة على الاستقلالية، التوجيه الذاتي وبالتالي تحسين القدرة على التخيـل والإبداع، والمحور الخامس هو الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.



نتائج
وافادت بأن تطبيق المشروع في المدارس اثمر عن تحسن واضح في التواصل الاجتماعي لدى الفئة المستهدفة، وزيادة الثقة بالنفس لدى طلاب عينة المشروع، وقلة السلوك العدواني لدى طلاب عينة المشروع، وتحسن في الاستيعاب وتجاوب الطلاب مع مادة التربية الموسيقية، وتحسن التحصيل الدراسي في المواد الأخرى، وتقبل إدارات المدارس والمعلمين والطلاب فكرة الدمج، بالإضافة الى تقبل أولياء الأمور بالدور والتأثير الإيجابي لمادة التربية الموسيقية على طلاب الدمج، فضلا عن محاولة التأثير في ثقافة المجتمع لإدراك دور التربية الموسيقية وأهميته في تقديم الدعم لذوي الاحتياجات الخاصة.


وحرصت العطار على عمل مقارنه بين التحصيل الدراسي للطلبة قبل التعلم بالموسيقي وبعد واثبتت المقارنة ارتفاع تحصيلهم الدراسي بعد تعلمهم بالموسيقي.


واعتبرت العطار، ان مادة التربية الموسيقية تكمن اهميتها في زيادة مهارات التواصل وتحسين صورة الذات ، وتعزيز الثقة بالنفس، وزيادة التحصيل الدراسي عن طريق تكاملها مع المواد الأخرى، والإقلال من السلوكيات السلبية، وتحسين المهارات الحركية، وتنمية القدرة على اتخاذ القرار وحل المشكلات.


حيث تعمل الموسيقى على تهيئة الطفل المعاق لعملية التفاعل الاجتماعي حيث يفتقر الكثير من المعاقين عقلياً لمهارات الاتصال الاجتماعي، والذي يتحقق من خلال العزف أو الأداء داخل المجموعة، وكذلك تشجيع الاتصال البصري عبر الألعاب والأنشطة الموسيقية المختلفة، ويمكن استخدام الموسيقى المفضلة للطفل الذي يعاني من صعوبات التعلم لتعليمه مهارات اجتماعية وسلوكية عديدة، فهي تحبب إليهم التعلم، فبدلاً من استخدام طرق جامدة، تكون طريقة تعليمية مرتبطة بالجانب الترفيهي وهو ما يجذبهم أكثر.


تحديات

واشارت العطار الى ان الاسباب التي جعلتها تقف على اعداد مثل هذا المشروع هى: إساءة فهم وتفسير الدمج فهو لا يعني تعليم جميع الطلاب ذوي الإعاقة في الفصول الدراسية العادية دون دعم إضافي، وقلة توفير الدعم الكافي للمعلمين لمعرفة كيفية التعامل مع طلاب الدمج، وعدم وجود التوعية الكافية للطلاب في البيئة المدرسي للتعامل بالطريقة الصحيحة مع طلاب الدمج، وصعوبة التعامل مع طلاب الدمج وإعطائهم الوقت الكافي أثناء الموقف التعليمي لضيق الوقت.


فن التعامل
تدربت حنان العطار على فن التعامل مع فئة ذوي الاحتياجات الخاصة لمعرفة احتياجاتهم حتى تتمكن من إعداد مشروع يساهم في تغير حياتهم، حيث استطاعت أن تختار عددا من طلبة ذوي الاحتياجات الخاصة وتشكل فرقاً واوركسترا من جميع الإعاقات حتى يكون نموذجا لباقي المدارس.

أحمد يجيد العزف على آلات موسيقية رغم إعاقته السمعية

طفل مبدع خصه الله بموهبة حسية وميزة عن سائر البشر، لكنه مصاب بإعاقة سمعية.. تلك الإعاقة التي لم تحرمه من احساس مرهف حينما تتلمس يداه الصغيرتان الآلة الموسيقية ليعزف عليها أحسن الألحان، فيطرب وجداننا ويلامس احاسيسنا.. أحمد خالد المغربي، ذلك الطفل الصغير الذي لم يتجاوز عمره ثماني سنوات، فهو طالب بالصف الثاني الابتدائي في احدى المدارس الخاصة وهو الابن الأصغر من بين افراد أسرته، ولد بإعاقات غريبة من نوعها فخلق بأذن واحدة، وفتحة انف صغيرة جدا غير مرئية وعيون لا تفتح بشكل طبيعي، وفم لا يفتح إلا قليلا بسبب تجويفه البسيط وقصر لسانه، لكن ذكاءه كان خارقاً.
حيرة ومعاناة.

وتروي امه معلمة التربية الموسيقية رجاء فايز حجاب فـي مدرسـة الشارقـة النموذجيـة: عندمـا ولـد احمـد انزعجـت عليـه وقلقـت وذهبـت حائرة بيـن الأطبـاء لتحـديد ما يعانيـه طفلـي الصغيـر، إلا ان الأطبـاء لـم يستطيعـوا تشخيـص حالتـه نظـرا لصـغر سنـه، ولـم يحبـذوا وقتهـا تعرضـه للأشعـة فمـا كـان عليها غير الانتظار حتى وصل إلى السن الملائم فخضع للفحوصات الطبية ومزرعة دم وراثي، وتابعت الأم مع الأطباء حالة ابنها حتى اكتشفت عدم وجود قنوات سمعية بالأذن ولا عصب سمعي يوصل إليه التأثرات الخارجية ولو بنسبة 20%. كانت اولى محاولات الأم هي تركيب سماعة وتثبيتها خلف الاذن حتى يستطيع من خلالها ان يدرك ما يدور حوله.

معاناة كبيرة عاشتها الأم منـذ ولادة أحـمد حتـى يتقبـله المجتمـع فمـنذ ثلـاث سنـوات تـم دمجـه فـي مدرسـة خاصـة ومـن صعوبـة التـحدث والفهـم رفضتـه إدارة المدرسـة وبعـد محـاولات مستميـتة قبلتـه المدرسـة مرة أخرى.
تميز وذكاء .

بدأت الأم تلاحظ تميز احمد في استخدام اجهزة التليفونات الذكية ومدى اهتمامة بالايباد وتشغيل الموسيقى التي لا يسمعها، وحينها بدأت تعلم الطفل العزف على السلم الموسيقي. ولأن رب العالمين خصه بموهبة كبيرة في الموسيقى فقد بدأت احاسيسه تتفتق على سماع الموسيقى بأصابعه حينما يتلمس الآلة الموسيقية حتى اصبح شيئا فشيئا ضمن مشروع حنان العطار التي كرست اهتماماتها وأولوياتها لدعم فئة ذوي الاحتياجات الخاصة من خلال الموسيقى، وساهم هذا المشروع في الحد من الحركة المفرطة التي كان يعاني منها احمد. وخاطبت الأم كافة اولياء الأمور الذين يرفضون تعامل ابنائهم مع الموسيقى، قائلة: "ان الموسيقى كانت عاملاً أساسياً في تحول حياة ابني إلى الأحسن".