مازالت السنة التأسيسية مثيرة للجدل حول الأسباب المؤدية إلى الإبقاء عليها حيث نالت جانبا كبيرا من إهتمام الأكاديميين الذين أكدوا أن الحديث عنها قديم متجدد، ولكن الإشكالية لا نزال في التعامل مع ظاهرها ، وتساءلوامنذ تطبيقها حتى الآن أين الدراسات عن أسباب الحاجة لهذه السنة؟.
ولفتوا إلى الإفتقار إلى دراسات تقيس مخرجات التعليم العام ومدى توافقها مع متطلبات التعليم العالي، مشددين على أهمية وجود خطة متكاملة تشمل جميع مراحل التعليم العام حتى يتسنى للطالب بعد تخرجه من الثانوية الالتحاق المباشر بالمؤسسات الأكاديمية.
وأشاروا إلى أن الطلبة قبل قرار تطبيق هذه السنة كانوا يتخرجون من مدارس الإمارات ويدرسون بجامعات وطنية وعالمية، ولم يحتاجوا إلى سنة تأسيسية للالتحاق بهذه الجامعات، وفي المؤسسات الأكاديمية خارج الدولة كان المطلوب فقط اللغة الانجليزية، وتساءلوا: ما الذي اختلف اليوم عن الأمس في التعليم العام؟، فإذا كان طلابنا اليوم مهاراتهم أفضل من أقرانهم بالأمس في العلوم الأساسية فلماذا السنة التأسيسية؟.
ولفت سيف راشد المزروعي وكيل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي المساعد للخدمات المؤسسية والمساندة إلى أن الحديث عن إلغاء السنة التأسيسية ليس كلاما لحظيا، وعملية إلغائها لن تكون بكبسة زر، وإنما من خلال خطة ممتدة لعدة سنوات وبشكل تدريجي، مؤكداً أن هذا ما تفعله وزارة التربية والتعليم، فمن خلال مناقشاتها مع فريق العمل لديها تبين أن لديهم خطة متكاملة وشاملة لجميع عناصر العملية التعليمية من أعضاء هيئة تدريس وطلبة ومناهج دراسية وبيئة تعليمية، وهناك تعاون مشترك بين الوزارتين في ما يتعلق بإعداد الطالب في التعليم العام حتى يلتحق بالجامعات من دون الحاجة لسنة تأسيسية.
مهارات ومناهج
وتفصيلاً، قالت الدكتورة منى البحر رئيسة لجنة شؤون التربية والتعليم والشباب والإعلام والثقافة في المجلس الوطني الاتحادي إنها تخرجت من المدارس الحكومية والتحقت بالجامعة من دون سنة تأسيسية، معتبرة أن هذا الأمر هو الوضع الطبيعي لأي طالب ثانوية عامة يلتحق بالجامعة في مختلف دول العالم.
وأضافت: إن السنة التأسيسية منذ تطبيقها في الإمارات يدرس فيها الطالب مهاراتي اللغتين العربية والانجليزية والرياضيات، ويفترض بالطالب أن يكون ملما بهذه المهارات منذ المرحلة الثانوية وجاهزا للالتحاق بالمؤسسات الأكاديمية التي تتلقى مخرجات التعليم العام، وعلى حد تعبيرها فإن الإشكالية اليوم في هذه المخرجات، حيث تقوم العملية التعليمية على ثلاث ركائز أساسية هي الطالب والمدرس والمنهج الدراسي، إلى جانب البيئة التعليمية الجاذبة والأنشطة اللاصفية واستخدام التقنيات التي تلعب دورا مهما في العملية التعليمية.
وتابعت معلقة على تحديد الإشكالية التي تجعل السنة التأسيسية مستمرة: إنني لم أسمع مطلقا في الإمارات عن وجود دراسة تقيس مخرجات التعليم العام، متسائلة: أين الدراسات التي تحدد مكامن الإشكالية والحلول لها سواء من التعليم العام أو الجامعي؟ فلا يوجد دراسة فعلية تقيس مخرجات التعليم.
ولفتت البحر إلى أنه من المفترض أن يوجد امتحان قبول للطالب عند دخوله المدرسة، وعندما ينتهي من دراسته لقياس مخرجات التعليم العام والمعرفة التراكمية لدى الطالب وبناء عليها يتم معرفة مستوى الفارق الذي حصل في هذا التراكم، منوهة إلى أنه من الأولى لنا أن نجيب عن هذا الأمر من خلال دراسة لوضع الحلول.
وترى الدكتورة البحر أن معايير قياس هذه المخرجات متعددة وعلى عدة مستويات؛ مستوى التحصيل اللغوي للطالب باللغتين العربية والانجليزية، والتراكم المعرفي، ومهارات التواصل، والأخلاقيات العامة.
مهارات أفضل
وقال الدكتور منصور العور رئيس جامعة حمدان بن محمد الإلكترونية: إن الطلبة كانوا سابقا ينهون المرحلة الثانوية ويلتحقون بجامعات عالمية من دون الحاجة لسنة تأسيسية، وأثبتوا تفوقا في الرياضيات، واليوم لا أدري لماذا الحاجة للسنة التأسيسية؟، خاصة وأن طلابنا اليوم يمتلكون مهارات أفضل من الجيل السابق، ومستواهم جيد في العلوم الأساسية، وبما أن نظام التعليم العالي لدينا يتطلب حصول الطالب على التوفل والتعليم العام الخاص المنهج البريطاني والأميركي لدينا لا يتخرج الطالب من المدرسة إلا ويكون حاصلا على "التوفل" أو "الايلتس" في اللغة الانجليزية و"السات" في الرياضيات، وفي ما يتعلق بالمدارس التي تطبق منهاج وزارة التربية والتعليم، فهذا يتطلب مضاعفة التركيز على اللغتين العربية والانجليزية في التعليم العام، وإلغاء السنة التأسيسية.
وأضاف العور: تخرجت من الثانوية العامة بالإمارات والتحقت بجامعة أميركية دون الحاجة للسنة التأسيسية؛ الوهم الذي صنعناه فصدقناه وعشنا بداخله، لافتا إلى أن الجامعات الأميركية لا تطلب سنة تأسيسية، وإنما تطلب لغة انجليزية، وهذا كاف، فإذا كان التعليم العالي يطلب اللغة الانجليزية فيجب أن تكون مناهج التعليم العام مبنية على تلبية هذا الأمر، وأن يتخرج الطالب من الثانوية العامة ولديه توفل وسات لتسهيل دخوله للجامعة، والموضوع بسيط، ولا يحتاج إلى قياس مخرجات أو تعقيدات.
وتابع: إن مستوى طلبة المدارس حاليا أفضل من السابق سواء في الرياضيات أو اللغة الانجليزية، والحديث عن مخرجات التعليم العام يجب أن يكون مقرونا بمدخلات هذا التعليم، فإذا كنا نتكلم عن اللغة الانجليزية علينا أن نتكلم عن المنهج الدراسي والمعلم وطريقة تدريسه والطالب وتحسين المدخلات والمخرجات معنا للوصول إلى إلغاء السنة التأسيسية واستثمار ما يهدر عليها من أموال في نواح أخرى.
وأشار إلى أن جل طلبة المدارس الخاصة يلتحقون بجامعات عالمية من دون السنة التأسيسية، متسائلًا: لماذا تصرّ جامعاتنا الوطنية على هذه السنة؟.
وقال: علينا أن ندرك أن خريج الثانوية مسؤول مسؤولية قانونية عن تعلمه، والجامعات تتعامل على هذا الأساس، فإذا طلب ولي أمر شهادة ابنه يطلبون منه إحضار توقيع من ابنه، كونهم يعتبرونه مسؤولا، ونحن في الإمارات علينا أن نزرع هذه المسؤولية في طلابنا، خاصة وأننا اليوم نتكلم عن تعليم ذكي ومتعلمين أذكياء ونخاطبهم بالرجوع إلى المقاعد التقليدية!
إعادة النظر
ومن جهته، قال الدكتور أيوب كاظم، مدير عام المجمع التعليمي العضو في تيكوم للاستثمارات: إن إلغاء السنة التأسيسية يتطلب وجود خطة شاملة قوامها إعادة النظر في مخرجات التعليم العام.
وأضاف: عندما كنت عضو تدريس في كلية الهندسة بجامعة الإمارات فإن الطلبة خريجي الثانوية العامة الملتحقين بالكلية كانت مهاراتهم في اللغة الانجليزية والرياضيات وتقنية المعلومات دون المستوى المطلوب، وبالتالي فإن هؤلاء الطلبة يحتاجون لسنة تأسيسية لتقوية مهاراتهم في المواد المذكورة، كون التعليم في الجامعات باللغة الانجليزية.
والحقيقة أن نسبة قليلة من طلبة الثانوية العامة كانت لا تحتاج لسنة تأسيسية، كونهم يمتلكون المهارات التي تؤهلهم للالتحاق بالجامعات مباشرة، وهذا بدوره يعتمد على قدرات ومهارات الطلبة.
احتياجات
أكد الدكتور خالد الخاجة عميد كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية في جامعة عجمان أن السنة التأسيسية يجب أن تلغى ويستفاد من المبالغ التي تهدر عليها في جوانب تعليمية أخرى، منوهاً بأن هذا الأمر لن يتم بيوم وليلة، ولكن لا بد من وضع خطة شاملة ومتكاملة في هذا الشأن في التعليم العام حتى يتخرج الطالب مؤهلا للالتحاق بالجامعات ويمتلك المهارات في اللغتين العربية والانجليزية والرياضيات وتقنية المعلومات.
وقال: إن المدارس الخاصة الأجنبية تؤهل الطالب بما يتوافق مع احتياجات المؤسسات الأكاديمية من خلال اختبارات "السات" في الرياضيات و"التوفل والايلتس" في اللغة الانجليزية، ويفترض أن يتم هذا الأمر في المدارس التي تطبق منهاج وزارة التربية والتعليم، ولا يتخرج الطالب من الثانوية العامة إلا ويكون حاصلا على شهادة الاختبارين، وهذا الأمر لا يتطلب تطبيقا فوريا، وإنما تهيئة طلبة الثانوية العامة بدءًا من الصف العاشر ثم الحادي عشر والثاني عشر.
وطالب الخاجة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بإعداد امتحان توفل محلي للغة الانجليزية يخضع له طلبة الثانوية العامة قبل تخرجهم، حتى يتمكنوا من الالتحاق المباشر بالجامعات.
خطة شاملة
ونقلت "البيان" آراء الأكاديميين إلى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، حيث أكد سيف راشد المزروعي وكيل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي المساعد للخدمات المؤسسية والمساندة ضرورة أن يعرف الجميع أن السنة التأسيسية ليس للوزارة دور فيها.
وقال: إن المؤسسات الأكاديمية الحكومية طالبت بوضعها، ومن بينها جامعتا الإمارات وزايد وكليات التقنية العليا، وكان دور الوزارة تنسيقياً بشأن عمليات القبول والتسجيل، مشيراً إلى أن وحدة القبول والتسجيل في الوزارة أنشئت بناء على طلب من هذه المؤسسات ، حيث ارتأت هذه المؤسسات أن خريجي الثانوية العامة لا يستطيعون التماشي مع متطلبات التعليم العالي، وقد واجهتهم صعوبات، وعلى ضوء ذلك اقترحت كل مؤسسة ما يناسبها لمرور الطلبة بأفضل طريقة حتى يتسنى لهم الدخول إلى الجامعات.
وتابع: إن اختبارات "السيبا" تم وضعها من خلال خبراء من الجامعات الحكومية الثلاثة بالتعاون مع الوزارة، وتم وضع المعايير الخاصة به، وعلى الطالبة الذين يلتحقون بالجامعات اجتياز هذا الاختبار والمعدل المطلوب، وكان دورنا التنسيق معهم، والحقيقة أن نسبة نجاح الطلبة في هذا الاختبارات كانت في السنوات السابقة من 50 إلى 60 %، بينما اليوم النسبة ارتفعت إلى 85 إلى 90 % للطلبة المتقدمين لأول مرة، وهذا يعكس مدى استيعاب الطلبة لمتطلبات التعليم العالي، ويدل على حقيقة مفادها أن الفجوة بين التعليمين العام والعالي بدأت تتراجع.
ولفت إلى أنه عندما وضع اختبار "السيبا" انتقدته وزارة التعليم العالي، ولقي الكثير من المعارضة، وطلب من الوزارة قياس هذا الاختبار باختبارات "التوفل والايلتس".
ميزانية
وأضاف: إن الحديث عن إلغاء هذه السنة ليس كلاما لحظيا، وعملية الإلغاء لن تكون بكبسة زر، وإنما من خلال خطة ممتدة لعدة سنوات، وبشكل تدريجي، وهذا ما تفعله وزارة التربية والتعليم، فمن خلال مناقشتنا مع فريق العمل لديها تبين لنا أن لديهم خطة متكاملة وشاملة لجميع عناصر العملية التعليمية من أعضاء هيئة تدريس وطلبة ومناهج دراسية وبيئة تعليمية، كما أن هناك تعاوناً مشتركاً بينا وخطوات مدروسة بعناية في هذا الشأن في ما يتعلق بإعداد الطالب في التعليم العام حتى يلتحق بالجامعات من دون الحاجة لسنة تأسيسية.
ثلث الميزانية
قال وكيل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي المساعد للخدمات المؤسسية والمساندة،سيف المزروعي إن معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع عندما كان وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي أكد أن ثلث ميزانية التعليم العالي تذهب إلى السنة التأسيسية، وهذا الهدر المالي لا بد من الاستفادة منه في جوانب أخرى من التعليم، بعد إلغاء السنة التأسيسية.
وقال: بعد تسلم معالي الشيخ حمدان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي الوزارة، عقدنا اجتماعات مع معالي حميد القطامي وزير التربية والتعليم وفريق العمل لديه، ونعمل على التنسيق بيننا في الشؤون التعليمية، منها السنة التأسيسية.





