الآن وبعد إسدال الستار على الامتحانات، وصدور نتائج الثانوية العامة والمعدلات، بدأت مرحلة جديدة من التوتر والقلق تكتنف منازل الطلاب الذين تخرجوا من الثانوية، حيث تطرح الأسئلة والسجالات والاستفسارات من قبل أولياء الأمور والطلاب: أي التخصصات نختار وأي جامعة.
وهل نرسلهم للخارج أم نبقيهم إلى جانبنا، وما هي القدرات والكفاءات التي توفرها المخرجات في ظل تسابق مؤسسات التعليم العالي الخاصة منها والرسمية على جذب الخريجين والخريجات، فيما بات الآباء والأبناء في حيرة من امرهم!
وكشفت دراسة اكاديمية أجريت على طلاب الثانوية العامة في مدينة العين، من قبل خبراء وأكاديميين ترأسهم الدكتور صالح الخطيب، أكاديمي متخصص في الإرشاد النفسي في جامعة العين "سابقا"، أن 40 بالمئة من الطلاب يخضعون لرغبات أولياء أمورهم في اختيار التخصصات الأكاديمية.
وأكد خبراء التربية والتعليم والإرشاد النفسي والأكاديمي، على أهمية توخي الدقة وعدم الضغط على الأبناء في اختيار التخصصات الأكاديمية، التي ترسم صورة مستقبلهم العلمي والعملي وإجراء موازنة دقيقة بين الطموحات والرغبات وبين القدرات والإمكانات.
والعمل على اكتشاف الميول والقدرات قبل أن يتخصص الطالب في المرحلة الثانوية في أحد الفرعين العلمي أو الأدبي، والتأكيد على عدم تأثير الأصدقاء، وأهمية دراسة متطلبات سوق العمل من المخرجات والتخصصات العلمية، واختيار المؤسسات التعليمية النوعية والرائدة.
وقال الخطيب للبيان: كثيرا ما يقع الطلاب في حيرة واضطراب عند بدء اختيارهم لمسار تعليمي، أو تخصص اكاديمي بعد إنهاء المرحلة الثانوية، حيث تتنوع أمامهم مجالات الدراسة المتاحة. ولا يخفى على أحد ما قد يعانيه هؤلاء الطلاب من آثار سلبية ناجمة عن تلك الحيرة، أو ذلك الاضطراب. وتلك الغواية التي تمارس عليهم والتأثيرات المجتمعية من حولهم.
أصعب القرارات
وأضاف الخطيب إن للتخصص الذي يقود إلى مهنة معينة أهمية كبيرة، لما يترتب عليه من آثـار تنعكس على الفـرد وأسرته ومجتمعه. ومع أن الإنسان يتخذ الكثير من القرارات في حياته، إلا أن قرار اختيار التخصص الدراسي يعد من أهم وأصعب القرارات.
وذلك لأنه يحمل في طياته دلالات هامة بالنسبة لمستقبل الفرد والمجتمع معا، كما أن الاختيار المناسب للتخصص الدراسي يعتبر في الوقت الحاضر من أهم القضايا التي يتفاعل معها الفرد، مما حدا بالكثير من علماء النفس والمرشدين والباحثين إلى الاهتمام بشكل متزايد بعملية الاختيار الدراسي والاختيار المهني المرتبط به. أما سوء اختيار التخصص يحتاج إلى تكلفة مادية كبيرة لتصحيحه، إضافة إلى تكلفة الجهد والوقت الضائع من عمر الطالب.
إرشادات وخطوات
وأشار إلى أن هناك بعض الإرشادات التي يمكن أن نقدمها للطلبة يمكن أن تساعدهم في اختيار التخصص الدراسي المناسب:
الخطوة الأولى تكمن في التقييم الذاتي للميول واهتمامات الطالب، بأن يسأل نفسه ما الأشياء التي تجعلني سعيدا؟ ما نوع المهن أو الوظائف التي تعجبني؟ وإذا لم يكن الشخص متأكدا من الإجابة على مثل هذه الأسئلة إجابة سليمة ودقيقة، فعليه اللجوء إلى عملية استخدام اختبارات وقوائم الميول المهنية التي تساعد الفرد في التحديد الدقيق لميوله المهنية واهتماماته مثل قائمة هولاند للميول المهنية المعربة والمترجمة للاستخدام في الإمارات.
الخطوة الثانية تتمثل في اختبار قدرات الفرد، ونقاط القوة والضعف التي يمتلكها، والمهارات التي يتقنها، وبسهولة يمكن للطالب أن يتعرف إلى ذلك بالنظر إلى المواد التي درسها في المرحلة الثانوية.
والخطوة الثالثة تتضمن تفحص قيم العمل التي يؤمن بها، ومن الأمثلة على ذلك خدمة المجتمع، العمل تحت الضغط، العمل مع الجماعة، الاستقرار في العمل، المكانة، درجة حبه للمال، العمل منفردا أو مع المجموعة وغيرها.
والخطوة الرابعة استكشاف المهن، والتخصصات الدراسية التي تقود إلى كل مهنة، وهناك مصادر عديدة يمكن اللجوء إليها للمساعدة في تحقيق هذه الخطوة، منها مراكز الإرشاد والتخطيط المهني الموجودة في الجامعات، والخطوة الخامسة تتمثل في التفحص الواقعي، فهناك حاجة إلى التقييم الصادق للخيارات المتاحة ودراسة المعيقات أمام كل خيار.
وهل هناك إمكانية واقعية لتخطي هذه المعيقات، وفي الخطوة السادسة يقوم الطالب بتضييق الخيارات والتركيز على اختبار تخصص دراسي، وبناء على ذلك يصبح لدى الطالب فكرة جيدة حول المهن أو التخصصات الدراسية التي يهتم بالالتحاق بها.
وأضاف الخطيب إن نمط الشخصية يلعب دورا هاما في اختيار التخصص الدراسي المناسب. وإن شخصية الطالب هي ما يجعل منه شخصا فريدا، وإن التخصص الدراسي المناسب هو الذي يتطابق ويتناغم مع نمط هذه الشخصية، كما أن استكشاف الميول المهنية والجمع بين هذه الميول وأنماط الشخصية التي تتلاءم معها لهو أمر جوهري في اختيار التخصص الدراسي المناسب.
دراسية إحصائية
وأوضح أنه قام بدراسة ميدانية أظهرت مدى حاجة الطلاب بدولة الإمارات إلى التوجيه التربوي لاختيار التخصص الدراسي الجامعي المناسب وشملت الدراسة 250 طالبا وطالبة، أوضحت أن نسبة الذين التحقوا بالتخصص الدراسي بناء علـى ميولهـم لا تتجـاوز 12.5 % عند الإناث ،و 11.3 عند الذكور.
مما يدل على أن هذا العامل الهام في عملية اختيار التخصص الدراسي المناسب لم يعط الأهمية التي تتناسب مع مدى أهميته في اختيار التخصص الدراسي.
وبدلا من ذلك فقد كان لرغبة الوالدين دور هام في اختيار التخصص الدراسي لأبنائهم، مما يعني أن نسبة عالية من الطلاب ينزلون عند رغبة والديهم في اختيار نوع دراستهم، مما قد يساهم في ظهور آثار سلبية عديدة على دراسة أبنائهم المستقبلية.
والأجدر بالوالدين أن يقدموا لأبنائهم المعلومات الصحيحة عن كل تخصص دراسي مع النصيحة والتوجيه ،ثم عليهم في النهاية أن يحترموا ويباركوا اختيار ابنهم لتخصصه وأن يقدموا له الدعم اللازم لإكمال دراسته بنجاح.
محددات وموجهات
من جانبه أشار الدكتور محمد عبد الله البيلي، عميد كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة الإمارات، وأستاذ اساليب التعليم والتفكير والموهبة، أن هناك ثلاثة محددات وموجهات رئيسية مسؤولة عن اختيار الطالب للتخصص الأكاديمي، المحدد الأول هو المدرسة، من خلال التوجيه المهني، ويجب أن يتم مبكرا قبل التخصص في الفرع العلمي والأدبي.
وذلك يعتمد على قدرات الطالب وإمكاناته وميوله ورغبات في التخصص، وفي ظل غياب أحدهم لا يحقق الطالب الهدف المرجو من اختيار التخصص، رغبة بلا قدرة أو قدرة بلا رغبة تعطي نتائج سلبية.
أما المحدد الثاني فهو الأسرة التي يقع على عاتقها دور كبير وهام في التوجيه، وليس الإجبار، وبالتالي يجب أن تمتلك الأسرة ثقافة الإرشدد بناء على معطيات وحقائق واقعية وليس مجرد طموحات ورغبات شخصية، فكثير من الآباء يحققون طموحاتهم التي فشلوا فيها عن طريق أبنائهم، لكن في ظل غياب رغبة وقدرة الطالب نحصل على نتائج عكسية.
أما المحدد الثالث فهو الطالب نفسه، وعليه أن يدرك أهمية تلك الخطوة ودراسة كافة العوامل والبدائل المتاحة أمامه، وإجراء المشورة الكافية والتعرف على متطلبات السوق من التخصصات التي تلبي طموحاته العملية والعلمية، ولايركن لرأي الأصدقاء فقط ،،وللأسف الكثير من الطلاب يتأثرون بآراء أقرانهم، وهذا دليل سلبية القدرة على التفكير واتخاذ القرار.
تخطيط مبكر
أشار البيلي إلى أنه لدينا اكثر من 66 مؤسسة تعليم عال في الدولة، تقدم مخرجات اكاديمية نوعية تلبي كافة الطموحات والراغبات وتراعي القدرات، والكثير من الطلاب يختارون مؤسسات تعليمية متوسطة، اختصارا للطريق ولسهولة الدراسة، وهذا توجه سلبي، وعلى الطالب اختيار المؤسسة التعليمية النوعية والرائدة في مخرجاتها ومكانتها العلمية والأكاديمية.

