رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي وناديت قومي فاحتسبت حياتي
رموني بعقم في الشباب وليتني عقمت فلم أجزع لقول عداتي
هذه الأبيات من قصيدة لشاعر النيل حافظ إبراهيم، ويرثي من خلالها حال اللغة العربية، وانجراف الناس نحو اللهجة العامية، وما ينوب عنها من اللغات الأخرى التي نسبها البعض للعصرية والتطور. واجهت جمعية النهضة النسائية بدبي أسوة بالجهات الأخرى، قضية تدهور اللغة العربية، وسارعت بإقامة مشروع برنامج "لغتي" الرامي إلى تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، واستقطاب مجموعة من الجاليات الأجنبية المقيمة على أرض الإمارات، إذ شاركت مجموعة من السيدات اليابانيات مؤخراً في حدث لغوي استثنائي.
هذا البرنامج نثر أبجديات العربية على عقول بعض المنتسبات اليابانيات، ومكن الكثير منهن من الاتصال في شؤون الحياة اليومية بلغتنا الأم، لاسيما وأن المتدربات اكتسبن نحو 112 مفردة مختارة على حاجات المتعلم الأساسية استخداماتنا اليومية، وراعى المنهج أن تكون الكلمات شائعة وضرورية تتوافق مع حاجة المتعلم، وعرضها عرضاً متدرجاً وفق طاقة وفهم المتدربة بواقع 18 كلمة يومياً فهماً واستخداماً، بعضها من مفردات الدين الإسلامي، فضلاً عن دروس أخرى وفرها البرنامج تتطرق إلى ثقافة المجتمع الإماراتي رغم بقاء اللغة المحور الأهم والأبرز على سطور البرنامج.
نقطة البدء
نقطة البدء والإشارة الأولى لتفعيل برامج اللغة من وجهة نظر فاطمة الفلاسي مدير عام جمعية دبي للنهضة النسائية بدبي، هي المبادرات التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، ولبى الجميع هذه الدعوة بما فيهم الجمعية، ولدرء المخاطر عن لغتنا الأم والتسويق لها بما يليق، كان برنامج "لغتي" الذي يستهدف الجاليات الأجنبية غير الناطقة باللغة العربية، وتعاطى المتدربون مع الكثير من المحاور مثل الخط العربي والذي استهدف 85 سيدة منذ بدء انطلاقه.
وأضافت إن البرنامج توسع في أطروحاته ولم يقف عند هذا الحد، بل حرص على نقل الحقائق عن الثقافة الإسلامية إلى الجاليات الأجنبية في منهج آخر شاركت فيه 49 سيدة أجنبية، وتعرفت نحو 58 سيدة أخرى على برنامج يخص الثقافة الإماراتية، ونهلت 120 سيدة مفردات اللغة العربية، وخضعت 150 متدربة لبرنامج التعليم النظامي، وقد استهدفت الجمعية النساء اليابانيات مؤخراً لربط حضارة البلدين، مما يجعل المستمعة اليابانية أكثر قدرة على تصور المجتمع الإماراتي.
وقالت عفراء الحاي مديرة مركز النهضة للاستشارات والتدريب، إن الحاجة إلى إعادة اللغة العربية في مكانها الصحيح تستدعي تضافر جميع الجهات لتحقيق الهدف، إلى جانب خلق برامج ودورات لنشرها على مستوى العالم، وهذا ما وضعته الجمعية ضمن أولوياتها بإعداد برنامج لغتي، وهو عبارة عن استراتيجية لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، ويسعى لتحقيق أهداف خطة دبي الاستراتيجية وخاصة المحور الاجتماعي، وهو طرح جديد أيضاً يساند رسالة مركز النهضة للاستشارات والتدريب.
تواصل حضاري
واستهدفت الجمعية بخطتها حسب ما أكدت الحاي، الجاليات الأوروبية والآسيوية وغيرها، لأن معرفتهم باللغة العربية تساهم في دعم وتعزيز أهميتها واعتمادها لغة تواصل حضاري بين الشعوب، ووقع الاختيار مؤخراً على الجالية اليابانية لتتلقى أبجديات العربية على يد معلمات ذوات خبرة في تعليم اللغة العربية، ومن مناهج معتمدة من هيئة المعرفة تحصل المتدربة في نهاية الدورة على شهادة معتمدة بعد ثلاثة أشهر، وبموجب الإنجاز الذي قدمته المتدربة ستتأهل للانتقال إلى المرحلة الثانية بعد أن تخضع لاختبار.
ولمعرفة تفاصيل أكثر عن الفصول الدراسية التي ضمت السيدات اليابانيات، ذكرت منى الحاي معلمة مفردات اللغة العربية، أن عقلية اليابانيين متعطشة للتعليم، ولاحظت ذلك بعد اهتمام الجميع بالدروس وحرص إحدى المنتسبات على الدراسة من خلال حضورها إلى الاختبار بعد ساعات قليلة من وصولها إلى المطار قادمة من بلدها، وراجعت الدروس ليلاً رغم الرحلة الطويلة في الجو، وطالبة أخرى حضرت الدرس رغم إرهاق المرض لها، ونماذج أخرى ترمز إلى اهتمام وجدية المتعلمات رغم طعون بعضهن في السن.
اختلاط اللفظ
وتختلط حسب ما لاحظت الكلمات والمعاني على المتعلمات بين الفينة والأخرى، وعلى سبيل المثال سألت إحداهن عن ما إذا كانت كلمة جمال بمعنى الإبل هي نفسها جمال التي ترادف الصفة بمعنى الحسن أو الروعة، وأخرى خلطت باللفظ والمعنى بين كلمتي "نخلة" و"نحلة"، وثمة صعوبة أخرى تندرج ضمن تقاليدهم وأعرافهم وهي انتقاد كل من يخرج لسانه أثناء التحدث، ما يتعارض مع بعض حروف الهجاء التي تستدعي خروج اللسان في عملية النطق، وتخطوا هذه العقبة بعد إقناعهم بضرورة استثناء الحروف العربية من أعرافهم.
وفي هذه التجربة التي خاضتها، تشعر الحاي أننا بعيدون عن لغتنا الأم، ولم نتعرف على جمال مفرداتها كما يجب، ويبدو أن الأجانب "اليابانيين" اكتشفوا روعتها رغم الساعات القليلة التي يمضونها في دروس اللغة، وهم يجدونها نسبياً أصعب من اللغة الانجليزية حسب استطلاع للرأي، ولكن في النهاية تحثهم الرغبة في السعي لتعلمها، ومن جهتها تحاول إغرائهن كل مرة بالتغزل بها عند بداية كل درس.
نمط العيش
لقد حظي نمط عيش المجتمع الإماراتي والعربي بإعجاب الدارسات، ومن بينهن "أكاني أوناكي" ربة منزل، التي أثنت على قوة الأواصر الاجتماعية في المجتمع وترابط أبنائه وتلاحمهم، إلى جانب الممارسات الأخرى التي تتعلق بالعبادة مثل الصيام، واجتماع الصغير والكبير والغني والفقير على عدم تناول الطعام حتى أذان المغرب، مؤكدة أيضاً أن اللغة العربية هي أيضاً من روائع الوطن العربي، وطالبت بشهادة تخرج بنصٍ عربي، واستطاعت بعد أشهر قليلة أن تتعرف على اللوحات الإرشادية على الطرقات المكتوبة باللغة العربية.
إعجاب
أبدت جنكو كيوراموشي إعجابها بالعادات والتقاليد التي تميز بها المجتمع الإماراتي، ومنها ما يتعلق بالزواج والطقوس الخاصة به، إلى جانب الأطباق الإماراتية التي رأت أنها تنافس أشهى المأكولات العالمية، رغم احتواء معظمها على نسب من السكر ومخالفة ذلك الثقافة الغذائية في اليابان التي يقل تركيزها على السكر، وقد اشترت بعض الطعام القابل للبقاء طويلاً مثل "اليقط" وهو أقراص صغيرة مجففة من حليب الضأن أو الماعز.
القرآن وإيقاع المفردات يحفزان التعلم
ناؤوكو كيشيدا مديرة مركز الإمارات-اليابان الثقافي، التي أمضت 23 عاماً في الدولة، شدها جمال لحن الكلمات العربية لتعلم اللغة عن كثب، وجذبها القرآن الكريم وآياته التي ترى أنها تبعث الطمأنينة والسكينة في النفس، وكذلك حضورها لبعض المؤتمرات العربية كان سبباً آخر، مشيرة إلى أن العرب هم من هضم حق اللغة العربية باستخدامهم الإنجليزية أثناء مقابلة الزوار والسياح، ولم يروجوا لها كما يجب، لذلك تتجه الأسر اليابانية الراغبة في العيش فترة طويلة في الإمارات إلى تسجيل أبنائها في مدارس خاصة تطرح خطتها مادة اللغة العربية، أما أبناؤها فلديهم القدرة على التحدث بثلاث لغات، وهي العربية واليابانية والإنجليزية، إلى جانب ابنتها التي تجيد اللغة الصينية كذلك.
وفي ما يتعلق باللغة اليابانية، أكدت أنها كثيرة جداً، وكي يستطيع الفرد قراءة صحيفة باللغة اليابانية عليه معرفة نحو 2000 حرف، وتعليم اللغة اليابانية في اليابان، يرافق الطالب حتى الصف التاسع، ورحلة تعلم اللغة الانجليزية تبدأ من الصف السابع، وإذا لم يفلح الطالب في تعلم ألفي حرف من اللغة اليابانية لن يستطيع التخرج في الصف التاسع.
ولاحظت مديرة مركز الإمارات-اليابان الثقافي، أن الجالية اليابانية تعتمد في تعلمها الذاتي على البرامج التلفزيونية، وثمة قنوات خاصة بتعليم اللغة العربية تتابعها لمدة 30 دقيقة يومياً، ونتيجة عيشها في إمارة أم القيوين وحاجتها إلى استخدام اللغة العربية في التحدث مع الجميع، تطورت مهاراتها اللغوية إلى حد كبير، وبذلك استطاعت استخدامها في إقامة محاضرات عن الإسلام والترويج له، لا سيما وأن دولة اليابان حسب ما ترصد شحيحة بالمسلمين أو المراكز الإسلامية، وفي زيارتها تحاول قدر المستطاع أن تنشر الحقائق عن الإسلام.
ومن الأخطاء التي استطاعت تصويبها تجاه المسلمين عموماً والمجتمع الإماراتي على وجه الخصوص، وجود المرأة والرجل في مكان واحد، وقد تساءل الكثيرون عن سبب منع اجتماع الطرفين دون ثالث في مكان مغلق، وأوضحت من جهتها أن الدين حذر من ذلك، وأيد الجميع هذا الرأي واقتنعوا بوجهة نظر ديننا الحنيف، وأسئلة أخرى طرحوها تتعلق بالزكاة والصدقة والصلاة.
الخط العربي يعزز العلاقة بين شعبي اليابان والإمارات
الخط العربي من الفنون الجميلة والخطوط الصعبة، ولعل ما قدمته المتدربات اليابانيات، حسب ما رصدت عائشة الهاملي معلمة الخط العربي، يضاهي مهارة الطالب المتمرس في فنون الكتابة، وتُدون المتدربات في كل حصة بخط الرقعة والخطوط الأخرى، بعض الأمثال والحكم المقتبسة مثل "من ليس له ماضٍ ليس له حاضر"، وهي مقولة شهيرة للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، واستطاعت طفلة إحدى المتدربات أن تتقن فن الكتابة باللغة العربية من خلال تعليم والدتها لها في المنزل.
ورهنت معلمة الخط العربي نجاح الدورة بتنسيق ناؤوكو كيشيدا مديرة مركز الإمارات-اليابان الثقافي مع الجالية اليابانية، وهي ترى فيها الشخصية الدؤوبة على العمل والإبداع، وهذا ما لمسته خلال الدروس، إذ كانت مديرة مركز الإمارات-اليابان الثقافي حريصة على تصحيح كل خطأ يقبع في عقول المتدربات، واستعراضها الدائم والمستمر لكرم أهل الإمارات، وتقوية الثقة بين الشعب الإماراتي والشعب الياباني، وكان للخط العربي الدور في تعزيز العلاقة بين شعبي اليابان والإمارات.






