تخطو الإمارات خطوات حثيثة وثابتة نحو الارتقاء والتميز على كافة الصعد والمجالات، من بينها التنمية الاجتماعية التي تقع على قمة اهتمامات الدولة. وكانت من ثمرات الاهتمام بالتمكين الاجتماعي، تدشين برنامج دبلوم الأمومة وعلوم الأسرة تحت رعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك رئيسة الاتحاد النسائي العام، الرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، رئيسة المجلس الاعلى للأمومة والطفولة "أم الإمارات"، الذي ينسجم مع توجيهات القيادة الرشيدة لدولة الإمارات في التأكيد على التنمية الاجتماعية للإماراتيين، وتحقيق رؤية الإمارات 2021.
تقول عفراء الحاي مديرة مركز النهضة للاستشارات والتدريب في جمعية النهضة النسائية بدبي، إن الدبلوم الجامعي الأول "أمومة وعلوم أسرية" الذي أطلقته الجمعية ممثلة بمركز النهضة للاستشارات والتدريب بالتعاون مع الكلية الجامعية للأم والعلوم الأسرية، هو حصيلة تعاون مشترك بين الكلية الجامعية للأم والعلوم الأسرية بعجمان وجمعية النهــضة النســائية بدبي، ويهدف إلى التعريف بالأسرة كمؤسسة اجتماعية وعلاقتها بالمؤسسات الاجتماعية ووظائفها والتغيرات الاجتماعية، وتعريف الدارسة بحقوق الأم الشرعية والمدنية وواجباتها ومسؤوليتها تجاه البيت والأسرة، ويساهم البرنامج كذلك في تنمية المهارات الأسـاسية لإدارة المنزل وتحقيق المستلزمات المختلفة والتطبيقات العملية المتعلقة بالمعارف والمهارات المنزلية المختلفة، كما يهدف البرنامج إلى ايــجاد فرص عمل للمنتسبات.
حقوق المرأة
وتضيف إن البرنامج يستهدف السيدات المواطنات، وخريجات الثانوية والعاملات في حقل التعليم والمجالات الاجتماعية والأسرية والمسارات الوظيفية الأخرى التي تتعلق بذوي الاحتياجات الخاصة، مشيرة إلى أن الدراسة تضمنت مساقات عدة وهي حقوق المرأة في القانون الدولي وفي تشريعات الدولة، وفقه الزواج في ضوء قانون الأحوال الشخصية، وعلم الاجتماع الأسري والصحة الإنجابية، ومشكلات الأسرة الخليجية، والتغذية في الصحة والمرض، وفن الطهي وتطبيقاته، وتصميم وتنفيذ نماذج الملابس، وإدارة المنزل والموازنة المالية للأسرة، وفن تجميل المرأة، والتصميم الداخلي للمنزل، وأخيراً علم نفس الطفل ونموه.
وتلفت إلى أنه على ضوء المشاكل الأسرية في المجتمع، حرصت الجمعية على أن تخصص حيزاً للبرنامج، للتصدي لجميع أشكال التفكك الأسري الشاذة مثل الطلاق، مفيدة أن الجمعية كانت مقراً مناسباً لتنفيذ البرنامج باعتبارها مكاناً يتصف بالخصوصية، ومن جهة أخرى تتوفر جميع المستلزمات المساندة في عملية تعليم المرأة مثل المطبخ ومكائن الخياطة، مما يمنح أريحية مطلقة للمنتسبات.
تقنيات الخياطة
وتؤكد ساجدة العزاوي أستاذة تقنيات الخياطة، أن المرأة في حاجة إلى تعلم أبجديات الخياطة، كي تكون قادرة على التعامل مع المشكلات الصغيرة في المنزل ومعالجتها، إذ طرحت سؤالاً على إحدى المشاركات في البرنامج عن ماذا ستفعل إذا تعرض زر قميص ابنها للقطع وهو ذاهب إلى المدرسة في الصباح، فأجابت بأنها ستبحث في خزانة الملابس عن غيره.
وتضيف إن وسائل الإعلام وتحديداً الأفلام العربية هي المتهم الأول في تحجيم مفهوم الخياطة، وكثيراً ما كانت تصور للمشاهد أن ممارسة الخياطة مرهونة بالفقر، ولكن ما إذا نظرنا في حقيقة هذا النشاط نجد أن زوجة الرئيس الأميركي الأسبق جون كينيدي كانت تخيط ملابس أحد أبنائها في رحلة على متن الطائرة.
رحلة طويلة
وانخرطت شيخة الشحي في برنامج الدبلوم العالم بعد أن تكهنت بأهميته في الحياة الأسرية، وتقطع نحو 100 كم ثلاث مرات اسبوعياً من إمارة رأس الخيمة إلى دبي كي تنهل دروساً عدة في التدبير المنزلي والخياطة والصحة الجينية والمساقات الأخرى التي تخدمها في المستقبل، رغم ارتباطها في دراسة تخصص آخر في إحدى الجامعات.
وترى أن الكثير من الحقائق تجهلها المرأة المتزوجة وغير المتزوجة كشف البرنامج النقاب عنها بوضوح، وأثناء تجاذب الحديث مع صديقاتها تلاحظ افتقارهن للكثير من المعلومات التي تتعلق بالمرأة والأسرة، وتوضح من جهتها ما تتضمنها المواد الدراسية في البرنامج، مما حفز صديقاتها على الانتساب إلى البرنامج في الفصل المقبل.
إعراض الذكور
تحرص جمعية النهضة النسائية في دبي على تنفيذ مبادرات مكثفة تتعلق بالتنمية المجتمعية مثل إقامة المحاضرات للجنسين، وتضيف عفراء الحاي في هذا الصدد، مديرة مركز النهضة للاستشارات والتدريب، إن البرامج المعدة توجه حيناً للجنسين، وما يدعو للقلق إعراض نسبة كبيرة من الرجال عن حضور مثل هذه الدورات بذريعة أنهم لا يحتاجون إلى توعية وتثقيف، إذ يُلاحظ أن عدد الحضور من النساء في إحدى المحاضرات هو 30 امرأة، في حين يتقلص عدد الرجال إلى أربعة يستمعون إلى المحاضر على استحياء، مشددة على أهمية حضور الجميع لمثل هذه البرامج الأسرية والاجتماعية التي تحد من الممارسات والمفاهيم الخاطئة لدى الجميع بصفة عامة والمقبلين على الزواج على وجه الخصوص. طموح «جدة» تنافس على المراكز الأولى
إحدى المنتسبات وهي جدة في العائلة، أصرت على الانتساب في البرنامج بعد أن أنهت دراستها الجامعية في الشريعة، وحرصت على تطبيق ما تتعلمه في واقعها الأسري على أبنائها وأحفادها، لتنافس زميلاتها في الدراسة على تحقيق أعلى المعدلات والمراكز الأولى في البرنامج، إضافة إلى نماذج أخرى حرصت على الانتساب رغم تقدمها في السن.
وتشيرعائشة الكمالي مسؤولة الاستشارات والمشرفة على برنامج دبلوم الأمومة وعلوم الأسرة في جمعية النهضة النسائية بدبي، إلى أن البرنامج يؤهل امرأة قادرة على تشخيص الخلافات الزوجية والأسريــة ومعالجتها، تستطيع رعاية الطفــل وتنشئته داخل الأسـرة وفـق الأسس العلمية السليمة بما يساهــم في تنميــة شخصيــة الطفــل وسلوكه على الوجه المطلوب، كما يهدف البرنامج إلى تخريــج امــرأة تتقن طرق الطهو المختلفة.
كما تعكف الدراسة على إعداد امرأة قادرة على المشاركة في الحوارات العامة والمنتديات بثقافة أسرية عامة مدعومة بالتفكير المنهجي، وتطبق مفاهيم إدارة المنزل من خلال تكامل الأدوار والوظائف لكل أفراد الأسرة، فضلاً عن تزويدها بأسس التغذية في حالات المرض ومعالجة أفراد الأسرة في الحالات المنزلية الطارئة مثل الحروق والتسمم، إلى جانب توعية المنتسبات بكيفية حفظ الأغذية بطريقة علمية سليمة ومعرفة العوامل المؤثرة في فسادها وتثقيف النساء في جوانب أخرى مثل مواعيد صلاحيـات الأغذيـة.
ويعتمد البرنامج في أساليب التدريب حسب ما تشير إلى الجانب النظري والعملي، وتحصل المنتسبة في السنة الأولى على شهادة دبلوم جامعي أول معتمد من وزارة التعليم العالي ومن ثم شهادة البكالوريوس في السنة الرابعة ويمكن للمنتسبة إكمال الدراسات العالية فــي المجــال نفســه إن أرادت لاحقــاً. تغيير اتقان فن إدارة المنزل والحوار مع الأسرة
لم تتخيل عائشة مبارك إحدى الأمهات المنتسبات في برنامج دبلوم الأمومة وعلوم الأسرة، أن حياتها ستتغير إلى هذا النحو سريعاً، إذ تخلصت من الكثير من العقد الشائكة في حياتها، ولعل أبرزها عدم القدرة على ضبط المصروف المالي في المنزل، والمشاكل النفسية التي يمر بها الأبناء، فضلاً عن لغة الحوار مع الآخرين التي تطورت إلى حد كبير.
وعجزت عائشة في السابق عن توفير المال الكافي حتى نهاية كل شهر نتيجة الصرف التعسفي في عملية الشراء، وبعد دراسة مساق إدارة المنزل والموازنة المالية للأسرة عالجت الأخطاء المالية في المنزل، واستطاعت أن توفر المال وتحافظ عليه إلى نهاية الشهر بعد معاناة استمرت طويلا في ما مضى.
وكذلك في ما يتعلق بالتطعيم الصحي للأطفال، إذ كانت لا تعير هذا الجانب أي أهمية تذكر، وأدركت في ما بعد أنها من الضرورات التي غفلت عنها في السابق، ومفاهيم أخرى خاطئة ترسخت في معالجة بعض مشاكل الأطفال الصحية والانجاب والولادة، واستطاعت رفع حاجز الخجل عن طفلتها التي ظلت لمدة طويلة تشكو من الخجل.
واستفادت كثيراً من طرق إعادة التدوير التي قدمها البرنامج، وعلى سبيل المثال استطاعت صنع كميات كبيرة من معجون الطماطم من خلال الشرائح الصغيرة الزائدة عن الحاجة أثناء إعداد الطعام، وهكذا في ما يخص الخياطة التي ساهم أيضاً في إعادة تدوير بعض الأشياء المهجورة.
وتطورت لغة التخاطب مع الآخرين بصورة منقطعة النظير لديها، وتعرفت على مصطلحات جديدة حري باستخدامها أثناء الحديث مع الآخرين، لاسيما الزوج الذي أتقنت فن توصيل الرسالة إليه بلغة جميلة راقية، وتبدلت بعض السيناريوهات في حياتها بأن أصبحت شقيقتها الكبرى التي تلجأ إليها لطلب الاستشارة هي من يأتي ليأخذ المشورة. وللبرنامج وقع كبير عليها أيضاً في الاتكالية، الصفة التي تخلصت منها بعد الاستماع إلى دروس عدة تحث على الاعتماد على النفس، مما ساعد على تغيير ملامح المنزل إلى الأفضل عبر ابتكار أشكال جديدة في الأثاث.
الدراسة غنيمة ثقافية للمتزوجة والعاملة
الدبلوم الجامعي الأول "أمومة وعلوم أسرية" الذي أطلقته جمعية النهضة النسائية ممثلة بمركز النهضة للاستشارات والتدريب بالتعاون مع الكلية الجامعية للأم والعلوم الأسرية في عجمان، لاقى إقبالا من الأمهات وترى فيروز أحمد أن الدراسة تبدد شعار تتداوله بعض النساء وهو "العمل ثم العمل ثم العمل"، وتصف الدراسة في هكذا تخصص بأنها غنيمة أسرية ثقافية تعليمية شاملة، نتيجة فرز مخرجات تتميز بقدرة عالية على مواجهة الأعباء في المنزل وخارجه.
وبالنسبة للمرأة المتزوجة، تثني على توجيه معلمي البرنامج للأمهات نحو تنشئة الطفل ومتابعة مراحل النمو بطريقة علمية، وتقديم الأساليب الواجب اتباعها في تربية الأبناء لتفادي الأخطاء الشائعة التي تمر بها معظم العائلات والحث على مشاركة الأبناء في عملية اتخاذ القرار.
وتفيد أنه يمكن إدارة كبرى الشركات، بينما يواجه المرء صعوبة في إدارة المنزل، لذلك عرج البرنامج على كيفية إدارة المنزل مع مختلف الأطراف التي يمثلها الزوج والأبناء، مضيفة إن إحدى المنتسبات شاركت في نقاش وقالت بأنها أنشأت حسابا مصرفيا خاصا بأبنائها منذ ولادتهم، ورد عليها المحاضر بأن هذا من الأخطاء الشائعة التي يرتكبها أولياء الأمور، إذ لن يستطيع الطفل عندما يكبر معرفة قيمة المال عندما يكبر كونه حصل عليه بسهولة.
انتسبت نادية عبداللطيف إلى الدراسة، لاحظت مرونة في التعامل مع الأطفال في مركز رياض الأطفال الذي تعمل فيه، خاصة وأن هذا المجال المهني في حاجة إلى حنكة ومهارة في التعامل مع الأطفال، ولاحظ الجميع قدرتها على التحكم في ساعات الغضب، موضحة أن مهارات أخرى اكتسبتها في خضم الدراسة أبرزها تعلم فنون الخياطة والتي ساعدتها صنع قطعة من القماش فوجئ بها الجميع.
وترددت هنادي عبدالله قبل الانتساب للدراسة في السابق، ولكن ما شد من عزمها المساقات الأكاديمية التي يتناولها البرنامج، والتي تلامس تفاصيل حياتنا الدقيقة على حد تعبيرها، فالزيارات إلى محل الخياطة تراجعت نسبياً وأصبحت على بينة في الكثير من الحقائق التي تخص عالم حواء.





