(التنافسية)، مفهوم بدأ يتفاقم في مناقشات الأكاديميين والدارسين في مسألة اللغة، وتحديداً بين اللغة العربية واللغة الإنجليزية في المشرق العربي، وبين اللغة العربية واللغة الفرنسية أو الفرنكوفونية، في المغرب العربي، حيث شكل الأخير بحثاً جدياً في المؤتمر عبر حضور ما يقارب 75 ورقة تطرح التجربة الجزائرية في أشكال دعمها للنهوض باللغة العربية مجتمعياً، باعتبارها وسيلة تواصل، وغاية حضارية وثقافية وتاريخية. وحول إشكالية التنافس بمستوياتها المختلفة، أكد أكاديميون متخصصون في تجربة المغرب العربي أن الازدواجية العامية، صنعت فوضى لغوية، تحتاج إلى الوعي بأهمية تأسيس منهجية موحدة للبرنامج العربي، مؤكدين أن القوة الفرنكوفونية تكمن في تنسيقها العالمي للغة الفرنسية، التي تجدها في توافق بين كل دول العالم، بخلاف البرنامج العربي، الذي يعاني من قلة تنسيق بين الدول وتعدد البرامج.
والملاحظ من أطروحات المتخصصين في المغرب العربي هو تعدد التوجهات نحو وضع اللغة العربية في محيطهم الإعلامي والاجتماعي والثقافي، فمنهم من يؤكد الخطوات الجادة للحراك التفاعلي مع اللغة في داخل المؤسسات المعنية، ومنهم من يطالب بالمزيد من الرصد و التحليل، متفقين أنهم لا يسعون إلى إلغاء أو القضاء على اللغة الفرنسية، كونها تقدم متسعاً من المعرفة، ولكنهم ضد أن يتم عبرها إقصاء للغة العربية التي باتت تمثل هوية وطن بالكامل. وجاءت التساؤلات الحتمية في مصير هذه التنافسية وجاهزيتنا العربية للتفاعل الميداني في داخل المجتمع، بإقرار أن دور المؤتمر الدولي للغة العربية هو البحث في (الغاية) من اللغة.
مستويات الازدواجية
وقدم الدكتور محمد شطاح، ثلاثة مستويات لازدواجية اللغة في المغرب العربي، وتحديداً في وسائل الإعلام التي تلعب دوراً في تأسيس المناخ اللغوي العام في داخل المجتمعات، أولا: ازدواجية استخدام اللغة العربية الفصحى واللغة الفرنسية الفصحى، ثانياً: استخدام العامية العربية والفصحى، ثالثاً: العامية العربية والعامية الفرنسية. وأوضح أن النقاش الدائر حول اللغة أصبح يسجل حضوراً قوياً وبالأخص ما نطلق عليه الحتمية اللغوية التي صنعها الاستعمار الطويل على المنطقة، وهنا الوضع يختلف عن المشرق العربي، مبيناً أن المطالب بمعايشة اللغة الفرنسية ساهم في فتح أبواب وخلق تأثيرات سلبية على المنطقة.
وأشار شطاح الى أن نتائج تلك الازدواجية الإعلامية ساهمت في انتشار وتوسيع الاستخدام للغة الفرنسية على حساب العربية، الذي شكل في مجمله حالة أطلق عليها (عصيان لغوي)، وظهور لما يسمى بالعامية الإعلامية، وجميعها تسعى لإعادة تشكيل هوية المغرب العربي، وهو بحد ذاته تحد خطير في توجهاته المتعددة. ولفت أن هناك تيار رافض للفرنكوفونية باعتبارها إرثا استعماريا، ويجب أن تضع له حدود. وأن هناك تيارا آخر يرى من اللغة الفرنسية غنيمة حرب، كاشفاً أن مواقع التواصل الاجتماعي فاقمت ظاهرة الازدواجية اللغوية.
استثمار الفرنسية
ووصولاً إلى نتائج بحث آثار ازدواجية اللغة، عبر دراسة تناولت الإعلام موضوعاً للبحث، أشار شطاح أنه من المهم نفي مقولة أن الفرنسية غنيمة حرب، مبيناً في هذا الصدد أنه ليس متعصباً، بل مؤمناً بأهمية الانفتاح المعرفي ولكن بضوابط، وأكد أهمية استثمار الصحف الناطقة باللغة الفرنسية في التعريف بالثقافة العربية، لافتاً الى أنه تم محاربة الاستعمار الفرنسي عن الطريقة اللغة الفرنسية، موجهاً تعليقه للمؤسسات العامة والمدنية أن مرحلة حل الإشكالية، لن تكون عن طريق قرارات عشوائية بل تتدرج، وبخطة متكاملة قد تستمر لسنوات، والمهم ليس الوصول إلى نتيجة سريعة، بل وضع آليات تنفيذية استراتيجية تخضع لمراقبة ومتابعة زمنية واجتماعية وإعلامية.
برنامج موحد
من جهته قال الدكتور محيي الدين عميمور، مستشار سابق لرئيس الجمهورية الجزائرية - الوزير الأسبق للثقافة، أن الجهود في الجزائر تركزت في البداية على تدريس اللغة الفرنسية، وأن يشكلوا صلة وصل بين الثقافة العربية والفرنسية، كونهم على دراية تامة بأصولها وأبعادها الاجتماعية والمعرفية. مؤكداً أن ما يميز الثقافة الفرنسية برنامجها الموحد الذي نفتقده نحن في مناهجنا العربية، فمثلاً إذا جاء البرنامج الفرنسي من بلجيكا أو كندا أو غيرها تجدها بنفس المضمون والمرتكزات والكيفية، بعكس المنهج العربي الذي يختلف في سوريا ومصر ولبنان والخليج.
وأوضح عميمور أن اللهجات المحلية في مختلف الدول العربية، سببت لهم مشكلة كبيرة في مسألة استقطاب البرامج التلفزيونية، لأن معادلة فهم اللهجات نسبية، والنتيجة توجهنا لاستقطاب البرامج التلفزيونية الفرنسية. ومن جهة أخرى، فإن محاولة إنعاش اللهجات المحلية الجزائرية بأشكالها الضعيفة صنع تنافسية كبيرة بين العربية والفرنسية من جهة، والعربية والعامية المبتذلة من جهة أخرى. ولكن يجب النظر إلى التجربة الجزائرية في التلفزيون الرسمي الذي يستخدم اللغة العربية الفصحى، في جميع ما يعرض سواء كان أخبارا رسمية أو برامج ثقافية أو اجتماعية أو رياضية، وتكاد تكون الجزائر لها الريادة في تعريب المحتوى الرياضي على مستوى الوطن العربي. وفي موضوع الجهد التعليمي في داخل الجزائر، أكد عميمور أنه لا يمكن تحويل بعض الكليات العلمية إلى العربية دونما تعريب مراجعها الرئيسية، مبيناً أنه جهد تختص به جامعة الدول العربية التي غرقت في السياسة.
المواجهة بالتعليم
مسألة النقاش الدائر بين اللغة العربية كوجود لها في داخل المغرب العربي، أكدت الأكاديمية رحيمة الطيب عيساني أن هذا الجدل كان في السابق، أما الوضع حالياً فقد تغير تماماً، بعد أن اهتمت الجزائر، بمسألة التعليم على وجه الخصوص، وقالت حول ذلك: " دراستي تكمن في التعريب، وأدرس جميع مساقاتي باللغة العربية، هناك الكثير من العلوم في المشرق لا زال يتداولونها باللغة اللاتينية ونحن استطعنا فعلياً تعريبها، والحاصل أن النقاش كما أكد الجميع هو موضوع التنافسية وموضع تأثير كل لغة على حساب الأخرى". وأضافت أن العلوم التكنولوجية ظلت تدرس باللغة الأجنبية نتيجة فقدانها لجهود التعريب.
باحثون شباب
الموروث.. مفهوم متعدد الأوجه كما أوضحت عيساني ، بدءاً من كبار السن من درسوا في المدرسة الفرنسية، لافته أنهم استطاعوا التخلص من الفجوة العميقة بين الجيل القديم والحالي عبر التعليم، نمتلك في المؤتمر ما يقارب 75 ورقة جزائرية، لباحثين شباب بين عمر 28 إلى 40 سنة وجميعهم درسوا في المدرسة الجزائرية العربية، وتحفظت على بعض الأطروحات التي تغالت في جلد الوضع الإعلامي في الجزائر، مؤكدة أن التلفزيون الوطني بقنواته الخمس نموذج عملي لمنجز الجزائر في تعزيز اللغة العربية، ويعتبر المشاهد الجزائري اليوم منفتحا على القنوات العربية والأجنبية ويتأثر بها بتأثر العالم، ولكن تبقى مقومات الصناعة الإعلامية منظومة تدخل في أبجدياتها دراسة الحالة التعليمية والثقافية في النسيج المجتمعي. واعتبرت عيساني أن ضرورات العصر حتمت عليهم دراسة اللغات الأجنبية، وموضوعياً فإن الجميع يتفق على أهمية دراسة اللغات الأجنبية، ولكن لا أن تكون على حساب اللغة الأم، التي تمثل في الوقت الراهن تعبير عن الهوية والذات.
وسيلة وغاية
"القيم بمفهومها الاجتماعي والثقافي والديني تشكل القيمة الفعلية لاستثمار اللغة العربية الفصيحة"، هنا يؤكد الدكتور نصير أبو علي، مبيناً أنه كلما كانت اللغة العربية مرتبطة بالقيم أدت دورها المرتبط في الحياة والوظيفية واللغة الأدبية بصورة أقرب، وأن اللغة ليست عائقاً أمام تقديم الرسالة الإعلامية، خاصةً إذا تحدثنا عن مناحي التنمية المعرفية، لأن الفكرة الأساسية من اللغة في كونها وسيلة من الناحية التعلمية، وغاية في النص الحضاري والوجودي، وما نحتاجه في مجتمعاتنا هو ريادة اللغة العربية من جديد للمحور الاجتماعي والمعرفي.



