جاء شعار "اللغة العربية في خطر .. الجميع شركاء في حمايتها" التابع لـالمؤتمر الدولي الثاني للغة العربية، إيماناً بأهمية حماية اللغة الأم باعتبارها جزءا حيويا من الثقافة وتأسيسا للتبادل المعرفي بين مختلف الحضارات. ورصد موقعها ضمن مفهوم (الحماية) إشارة إلى وجود خطر يصوغ مستقبل اللغة وتداعياتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وتحديداً المعرفية، الذي اتفق مجموعة من المتخصصين في اللغة العربية أن الخطورة تكمن في توقف العقل العربي عن الإنتاج المعرفي، على الرغم من الحركة الواسعة للترجمة، إلا أن الدخول في غمار المواكبة العالمية يضعنا أمام البحث المتجدد في إشكالية لغة الضاد بين استثمارها في التعليم واعتبارها لغة للتخاطب وبين مكنونها لهوية المجتمعات العربية.
مقياس موضوعي
في مجال المعرفة وارتباطها باللغة العربية، أكد الدكتور نصر الدين أحمد حسين، يعمل منذ 25 عاماً في الجامعة الإسلامية العالمية في قسم اللغة العربية وآدابها، أنها مسألة أساسية في تشجيعنا على تطوير اللغة العربية وتنمية تفاصيلها العلمية والاجتماعية، ولكن تظل مسألة الأسس والمناهج التي تحدد طبيعة تلك العلوم المتصلة بالمعرفة العامة، أساسا للخوض في تلك العلوم سواء بدراستها أو تدريسها، من خلال إنشاء أقسام متخصصة لكل علم، تعمل ضمن الكيفية العلمية، وبالنظر إلى مسألة الترجمة فإنها تعتبر مقياسا موضوعيا للتبادل المعرفي بين المجتمعات العربية والعالم الآخر، وتبقى حساسية (المواكبة) وأهمية إنتاج المعرفة بنداً رئيسياً من عقد التقدم واللغة فهي هنا تلعب دوراً يميل إلى مدى توفر البيئات التعليمية والثقافية والمؤسساتية للقدرة على التنسيق وصناعة لغة تعاط بين ما أنجزناه على مستوى اللغة وبين ما يجب أن نشتغل عليه لإحداث ريادة ملموسة للغة العربية.
وأضاف حسين أننا في أغلب التجمعات العلمية نكون متحمسين للحديث عن اللغة العربية، وكيفية حمايتها وتطويرها، والأغلب يجمع على أهمية وجود قرار سياسي وحكومي يؤسس منهجا واضحا للجهات حتى تمضي قدماً، في المقابل فإن العمل على الجهود الفردية من قبل المتخصصين في داخل المؤسسات أو ما نسميه المبادرات الفردية التي تساهم بشكل جذري في تحريك دفة العمل داخل كل قطاع، تظل بحاجة لقرار سيادي مهم، ولكن آليات التنفيذ والتبني وصياغة مشاريع وتجارب واقعية مسؤولية قيادية في داخل كل مؤسسة عامة وخاصة.
عربيزي ... لا تخيف
في سياق ظاهرة "عربيزي" والتكنولوجيا وإعدادهما للغة تخاطب دخيلة بين الشباب والشابات العرب ومفهوم المعرفة في هذا الصدد، أكد الدكتور عاصم شحادة علي متخصص في اللغة العربية، أنها تسمى "النقهرة": النقل الحرفي للصوت، ويستخدم كتقنية في مجال تعليم اللغة لغير الناطقين باللغة العربية، ومسموح بها للمبتدئين فقط، والاعتراض عليها دائماً يسجل في كونها ساهمت في جعل الشباب بعيدين عن ممارسة الكتابة بالعربية الصحيحة، نتاج ما أثارته أجهزة التكنولوجيا أخيراً، وخاصة الكتابة باللاتينية، وقال حول ذلك: "استخدامها لا يضر أبداً، لأنها لا تعتبر عاملا ناقلا للمعرفة، وأستطيع القول بأنه ليس لها بعد سلبي، لأنها لا تعبر عن نقل فكرة بل أداة تواصل، فالمفهوم الفكري يحتاج دائماً إلى سمات لغة محددة".
سطوة العامية
الثورة التكنولوجية كما أوضح علي أنها المحرك للكتابة بالإنجليزية، ومفهوم المشاركة في الإنتاج المعرفي من ناحية ابتكار وإبداع المعرفة إلكترونياً، لا يزالان محل نقاش يتوقف دائماً على أهمية تطوير وتطويع اللغة العربية ومساهماتها، فيما يرى البعض أن مواقع التواصل الاجتماعي والإنترنت ساهمت في تعزيز اللغة في بعض المجالات، ولكن سطوة العامية حددت مستويات تناولها في الوسط الثقافي. ورجوعاً للمعرفة فإنها تعتبر مجموعة من المعلومات، نتطلع بها إلى العالم من خلال لغتنا، لذلك فنحن لا نستطيع الفصل بين اللغة والثقافة ووصولاً إلى المعرفة، لأن العربية في الأساس لغة حياة بالنسبة لنا، ويجب التأكيد على مسألة الترجمة في قدرتها على إيصالنا بالبناء الاجتماعي والثقافي والفني المتجدد، وأزمة الترجمة اليوم ليست في حركتها النشيطة ولكن في مكنون مضمونها، الذي يطرح سؤالاً: ما الذي يحتاجه الجيل الحالي لمعرفته وبالتالي ترجمته، وكيف نستطيع صياغة حوار تفاعلي بين الترجمة وابتكار متجدد لمعرفة جديدة وخاصة.
منظومة اللغة
بينما أشار الدكتور حسان فلاح أوغلي، دكتوراه في اللغة العربية وآدابها، أن التقصير في مواكبة التطورات الحديثة وترجمتها إلى العربية، جاء من مبدأ الفكرة النمطية عن قصور اللغة العربية، والخطوة القادمة تحتاج إلى وعي جاد بمنظومة اللغة وتكاملها، التي تمتاز بسمات تستوعب مجمل العلوم، وبصفته يعمل في مركز متخصص بالدراسات البحثية، اعتبر أن إنتاجات المؤسسات العلمية على مستوى الإصدار في تصاعد مستمر، وأن هناك ضخا واهتماما ملحوظا، يسهم في إحياء اللغة العربية كمنهج وأسلوب تنموي وتطويري.
كيان مستقل
بدوره ألقى الدكتور هشام عمر عبدالعزيز اللوم على قلة الوعي بالتنافسية الواقعة بين اللغة العربية واللغات الأخرى في العالم، موضحاً أننا نمتلك في خزانات المكتبات العربية كنوزا من المعرفة، واللغة العربية تحمل في طياتها الريادة والازدهار على مستوى إنتاج الفكرة العلمية وتجارب تطبيقها، والإشكالية الثانية كما بين عبدالعزيز في العمل باللغة العربية ككيان مستقل يحتاج إلى آليات تنموية ترتقي بفلسفته المعرفية والحياتية.
صحوة عربية
قالت أروى السميري تعمل موجهة في منطقة الشارقة التعليمية: "الجميع يتحدث عن تأخر وخطر يداهم اللغة العربية، ولكنني أراها تعيش حالة صحوة واهتمام نوعي، خاصة احتفاء دولة الإمارات بهذا البعد الثقافي عبر قرار سياسي وجهود مؤسساتية، وأستطيع القول إننا في الإمارات نستطيع تحقيق خطوات متقدمة في ظل هذه الرعاية والرؤية المعلنة، ونعترف بالمقابل أن هنالك معاناة وقصورا في تطوير العربية كلغة حياة». وفي الجانب التعليمي اعتبرت أروى أن التعليم العالي وسوق العمل، يعتبران محركين رئيسيين في صياغة عنوان يضع حداً نوعياً لتغير التوجه العام نحو اللغة الإنجليزية، ومن جهة أخرى، فإن الإعلام سلاح نفتقده في دعم اهتمام التربويين، وهناك توجه واضح لتعزيز اللهجة العامية، في الكتابة التلفزيونية، إضافة إلى المقدم التلفزيوني، الذي يجب أن يكون مدعما بلغة عربية سليمة تقودها معرفة فكرية وثقافية عالية.
قمع العقل العربي
أوضح الإعلامي أحمد علي الزين، صاحب برنامج "روافد" على قناة (العربية)، أن أي لقاء يتم من أجل الارتفاع بالإنسان العربي نحو الحرية والكرامة، يعتبر إنجازاً، لأنه يحقق إعادة بحث عن الهموم والتساؤلات، ولو لم يكن هناك جرس قُرع بخطورة موقف اللغة العربية، لما أُقيمت تلك المبادرات، لافتاً أن الحديث عن اللغة العربية أقرب إلى الحنين، والسؤال: لماذا لا تشكل اللغة اليوم جزءاً من الأحداث التقنية، لماذا لم نستطع المساهمة في تحقيق وابتكار انجازات للعصر؟ قائلا: "إن ما يهدد الإنسان العربي اليوم هو قمع عقله عن الإنتاج المعرفي".
وسم «هذي لغتي» يرصد أحداث المؤتمر إلكترونياً
بين أروقة المؤتمر الدولي الثاني للغة العربية، حضر فريق وسم "هذي لغتي" عبر (تويتر) لرصد أحداث الفعالية ونشرها إلكترونياً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أوضح حول مشاركتهم أحد الأعضاء المنتمين للمجموعة مهدي الغفري، مبيناً أن المجموعة حددت من يوم 18 ديسمبر وهو يوم الاحتفال باليوم العالمي للثقافة، لحث كل رواد (تويتر) و(فيسبوك) على استخدام اللغة العربية ولمدة 24 ساعة خلال اليوم، وتحديداً من تمثل لهم العربية اللغة الأم، مبينين أنهم يمثلون نشطاء في اللغة العربية، ويسعون إلى تعزيز مكانتها في أجندة المحتوى الرقمي العربي.
أكد الغفري أن تغطيتهم للمؤتمر تأتي لأهمية الحدث والشخصيات، مضيفاً: "اليوم تواصلت مع صاحب فكرة الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية في اليونسكو وجهاً لوجه وهو الدكتور زياد عبدالله إدريسي، فكرة اللقاء وحدها تقدم لنا دافعا ومزيدا من البحث حول آليات الحديث عن الطرق الجديدة في تعزيز مكانة اللغة".



