أثار الحراك السياسي في المجتمعات العربية أخيراً، محور سؤال لغوي فيه تأكيد أبداه فؤاد أبو علي، رئيس الائتلاف المغربي من أجل اللغة العربية في الجلسة الرئيسة الثانية بعنوان: "مجامع وجمعيات اللغة العربية بين الواقع والمأمول»، مبيناً أن التغيرات والمراحل السياسية ساهمت في تغير خطاب السلطات العربية التي تركزت في فترة سابقة على قضايا تحقيق "التوازن الاجتماعي"، وتجاهلت القضية المحورية للغة ببعدها المصيري. ولفت محمود السيد، نائب رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق، أن دور مجامع اللغة العربية لها هدفان رئيسان هما: حماية اللغة العربية وتطوير اللغة العربية لمواكبة العصر، فيما اعتبر نقد دور المجامع دونما الاطلاع على مجهوداتها يمثل نقصا من قبل المتابعين للحراك اللغوي العربي، بينما أكد بلال البدور الوكيل المساعد لشؤون الثقافة والفنون في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع أنه لا يزال النقاش والجدل حول عدم وصول كنوز المجامع إلى الأشخاص العاديين في المجتمع، محل بحث ويحتاج إلى الوعي بأفضل الإمكانيات والأساليب الحديثة للتواصل المعرفي.
سلطة مشاركة
عبر سؤال رئيس الجلسة الدكتور عثمان الصيني رئيس تحرير مجلة العربي، عن دور المجامع والجمعيات الأهلية تحديداً في تعزيز الدور التفاعلي للغة العربية بين أصحاب القرار والأفراد، أكد فؤاد أبو علي أن المسألة متعلقة بالتشريعات والقوانين، فبقدرة تلك المجامع العربية على أن تصبح سلطة مشاركة في سن قوانين والتفاعل مع السلطة، قد نكون وصلنا إلى خطوات جادة وحقيقية، إذ تقدم القوانين بطبيعتها تركيزاً محورياً وسلطة تنفيذية للسير قدماً في قضية اللغة العربية، مبيناً أن الحديث عن اللغة في المشرق العربي يختلف عن المغرب العربي، حيث يبحث الأول في مناحي التطوير والتنمية من خلال اللغة العربية، بينما يناقش الأخير حالات وجود، بمعنى أنه بعد 10 سنوات وفي ظل هذا الوضع الشائك باللغة العربية، ستكون قريبة إلى اللغات الميتة.
الحماية التشريعية
ويرجع أبو علي أمر التشريع والقوانين إلى ما أسماه بالخطاب السياسي، والحديث عن هدف الحكومات الآنية في تحقيق (التوازن الاجتماعي) على حساب قضايا مصيرية تتعلق بهوية البلدان وانتماءاتها الحضارية، قائلاً: "غياب الحماية التشريعية، متعلق بموضوع عدم إصدار قانون ينظم اللغة كلغة رسمية، فاللغة العربية على هامش القرار السياسي، عززه الدور الضعيف للمؤسسات التعليمية، في اتخاذ خطوات جادة باعتبارها مقار حيوية في المنظومة المجتمعية". ولفت أن تأسيسهم لائتلاف عربي يتكون من مؤسسات وشخصيات يهدف بالدرجة الأولى إلى تنسيق الجهود. موضحاً أن المجتمعات المدنية هي السبيل الفعلي لإحداث حراك ملحوظ وخطوات جادة لحماية اللغة العربية.
إنجازات
قال محمود السيد إن نشر الأساليب الجديدة إلى جانب مناقشة الألفاظ الجديدة، وتحقيق المخطوطات جميعها مهام توكل إلى مجامع اللغة العربية، إضافة إلى تطوير اللغة في العلوم والمعرفة، لافتاً أن ما يجب أن نسعى إليه في الحقيقة ليس الخوف من اندثار اللغة وإنما من أن تصبح اللغة العربية لغة عصر وحضارة وعلوم، مشيراً إلى أن هناك العديد من الإنجازات التي حققتها المجامع العربية، بتشكيلها في البداية مرجعاً رئيساً للغة العربية، مرجعية لغوية تدرس الأساليب الشائعة وما يستجد، وتعديل وإيجاز ما هو جديد، فقد قدم المعجم اللغوي في مصر نحو 600 قرار لغوي سهل اللغة، بينما قدم المجمع اللغوي في سوريا ما يقارب 200 قرار لغوي.
سلبيات المجامع
ويرى السيد أن العمل في المجامع العربية قائم على فرق عمل متكاملة تؤمن بعملها، أنتج معاجم كبيرة وتخصصية، مؤمناً أننا لم نصل إلى الآن إلى حيث نريد، ولكن الاطلاع على إنجازات تلك المعاجم العربية يستحق الإشادة والرصد. وحول سلبيات المجامع العربية، وسياسة عملها مع المستجدات في اللغة، بين السيد عدة نقاط منها: بطء الاستجابة لمواكبة المتغيرات والتفاصيل العلمية والاجتماعية الجديدة، ضعف التعاون مع الجامعات باعتبارها المنهل الأول للمتخصصين والدارسين في المجال، ضعف التعامل مع الإعلام، الذي شكل بحد ذاته فجوة في بيان مكانة المجامع ودورها وأوجه تطورها، غياب الصلاحية التنفيذية وهي المساهمة في سن القوانين التي تحمي اللغة العربية، أهمية إنشاء مرصد لغوي، واستكمال المعجم التاريخي والمكتبة الإلكترونية الجامعة، مطالباً بحظر تعليم اللغات الأجنبية على حساب اللغة الأم، معلقاً أنه ليس ضد تعلم اللغة، ولكنه يبحث في صرامة الطرح واتخاذ موقف عام إزاء قلة الاهتمام باللغة العربية.
كارثة كبرى!
بدأ محيي الدين عميمور، وزير الثقافة الجزائري السابق، حديثه بسؤال: هل تمتلك المجامع العربية قوة تنفيذية تستطيع بها فرض نفسها؟ معتبراً أن اللغة لن تزول ولكنها سوف تتآكل مع الوقت، مبيناً أن ما أثاره فعلياً في الفترة الأخيرة هو الدور الإلكتروني واستثماره في صياغة معاجم رقمية، مبيناً أننا عربياً لا نملك أجهزة تفاعلية حقيقية على مستوى اللغة ومفرداتها، وهذا كارثة كبرى. وقدم عميمور مثالاً على أحد البرامج للمعجم الوسيط، وحول التجربة قال: "من باب التجربة، وضعت كلمة طنجة، لاكتشف أن برنامج المعجم يقدم لي بدائل تصحيحية، ومنها كلمة (طبخة) تصحيحاً لكلمة (طنجة)".
قضية خلافية
أبدى بلال البدور رأيه في أهمية ابتكار أساليب تقرب المجامع العربية إلى الجمهور العادي، فبقاء مجهوداتها في الأدراج، يصعب فكرة تعزيز المفهوم المجتمعي للغة العربية، مبيناً أن البعض يرى مجامع اللغة العربية في كونها لكبار السن، وأنهم لا يتعاملون مع المستجدات، إلا أنه يجب الوعي بوجود خبراء داخل تلك الصروح العلمية يساهمون في تسهيل الدور على المجمعيين، مضيفاً أن قضية زوال اللغة تعتبر قضية خلافية، لافتاً أن إقصاء اللغة العربية، يبدو بارزاً وواضحاً، ونحن نشكل جزءا من العملية بمبررات سوق العمل وغيرها.
