برامج التواصل الاجتماعي الحديثة، استطاعت أن تحدث نقلة في حياة الكثيرين، وأصبحت المجلس الذي يضم الأصدقاء والضيوف عبر الإنترنت، وظهر التنافس شديداً بين أشهرها "فيسبوك" ومن ثم "تويتر" إلى أن أرست برامج أخرى قواعدها في رحاب شبكات التصفح، مثل "الانستغرام" وموقع "كيك" التي خطفت الأضواء في زمن قياسي من موعد ولادتها.

كثر الحديث مؤخراً عن برنامج "كيكرز"، الذي تتمثل فكرته في تدوين مقطع فيديو لا يزيد عن 36 ثانية بكبسة زر، وعرضه على حضرة المشاهدين في جميع أنحاء العالم بلا توقف. وأصبح "كيكرز"، وسيلة للمناظرات الهدامة والمهاترات، ووسيلة أيضاً لعرض مقاطع فيديو ساذجة، وهيمن التقليد الأعمى على شريحة عريضة من الشباب والمراهقين والأطفال، مما يعكس صورة سلبية عن المجتمع نتيجة تصرفات فردية هوجاء، لاسيما وأن الأرقام تشير إلى أن الخليجيين الأكثر حضوراً على موقع "كيك"، فيا ترى كم هو عدد المشاهدين حول العالم لسلسلة كيكرز العربية؟! وما هي أهم المقاطع المرفوضة التي يتناقلها الشباب؟

وسائل مفروضة

وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، تفرض نفسها كما ترى موزة العامري نائب مدير مركز التنمية الاجتماعية في دبي، ومرونة التعامل مع هذه الطفرة التكنولوجية مطلب وضرورة، موضحة أنها رفضت قطعاً استخدام ابنتها لجهاز البلاك بيري في البداية، وعدلت عن قرارها في ما بعد، وهكذا في ما يتعلق بالوسائل الأخرى التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من نمط حياتنا.

أما برنامج "كيكرز"، فتصفه العامري بأنه الطامة الكبرى، نتيجة استخدام الفتيات هذا البرنامج بلا وعي وإدراك، بحثاً عن التسلية والترفيه، وأصبح مصدر تحريض للتجرد من الخجل والحياء، مستنكرة ما تقوم به فتيات من عرض مشاهدة مخلة وجريئة من بطولة طالبات مراهقات، ومؤكدة في الوقت ذاته أن البرنامج أصبح مصدر قلق وخوف من تفشي أسرار المنزل وحرمة البيت بكبسة زر واحدة من يد الطفل.

وتؤكد أن الفتاة ستجني على سمعة العائلة بارتكابها حماقات في هذه البرامج، وستصبح الفتاة "المتهورة" لقمة سائغة في أفواه متصفحي وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة بصفة عامة و"كيكرز" على وجه الخصوص، وكذلك الشاب الذي سيتأثر واقعه سلباً في المستقبل، لا سيما أثناء تقدمه للزواج.

أبجديات إلكترونية

وتشدد على ضرورة إلمام ولي الأمر بأبجديات وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة وتعلمها، ومناقشة القضايا المتداولة في هذا الفضاء الإلكتروني، كما تنبه الآباء والأمهات إلى خطورة انعزال الأبناء أثناء العبث بالأجهزة الحديثة، والتنبؤ بما يخفيه هذا الانطواء من مشكلات مرفوضة في قاموس ولي الأمر، مطالبة جميع الأهالي بإعادة صياغة العلاقة مع أبنائهم بما يكفل الاستقرار الأسري من خلال إقامة يوم مفتوح أسبوعياً مثل الذهاب إلى مطعم لتناول الطعام، أو تولية مهمة قيادة السيارة للابن إذا كان يحمل رخصة قيادة، ونحو ذلك من البرامج من شأنها كسر الحواجز بين الطرفين.

ويمكن توجيه الأبناء حسب ما ترى العامري، نحو استخدام هذه الوسائل بصيغة هادفة، وعلى سبيل المثال، يقدم بعض المعلمين سلسلة من مقاطع الفيديو لشرح بعض المسائل أو الحديث عن بعض الدروس على البرنامج، خاصة وأن الطلبة سيتقبلون الحديث بصدر رحب على شبكة الانترنت، وكذلك المؤسسات يمكنها إطلاق حملات التوعية إلكترونياً مثل التحذير من أقراص الترامادول، وتسليط الضوء على ما يهم الشباب والفتيات باعتبارهم أكثر الفئات استخداماً للبرنامج، مستعرضة قصة شاب نشر مقاطع هادفة عن زيارة القبور، وتذكيره بمآل الإنسان ونهايته.

بداية الطفرة

ويرى الطالب حسين علي، أن شريحة عريضة من الشباب المراهقين إلى جانب الفتيات، تمادوا في استخدام هذه التقنية، ولم يبق تداول هذه البرامج حكراً على هذه الفئة العمرية وإنما انتقلت عدوى "كيكرز" إلى فئات عمرية أصغر، لا يتعدون الثانية عشرة من العمر، بل كانت البداية على يد طفل صغير، نشر سلسلة من مقاطع فيديو توضح كيفية تناول الطعام والرقص أمام الشاشة، فضلاً عن سيل الردود المستهزئة عبر "كيكرز" على فتاة أخطأت لغوياً أثناء شرحها عن صعوبة إشعال النار.ويشاطره الرأي إبراهيم خليفة طالب في المرحلة الثانوية، ويضيف إن بعض مقاطع الفيديو المتداولة عبر برنامج الكيك "مخلة"، ولا تمت لعاداتنا وتقاليدنا بأي صلة رغم هوية ناشريها الخليجية.

وهذا التصرف غير اللائق برهن على سلبية الاستخدام، والشواهد على ذلك كثيرة، منها تفاخر فتاة في أحد المراكز التجارية بمعاكسة شاب لها، وعرضها تفاصيل الحدث بالصوت بلا خجل أو حياء، فضلاً عن فراغ شخص آخر دفعه إلى الرقص والغناء أمام الشاشة لأنه حصل على إجازة، وخلافها من المقاطع المثيرة للجدل والامتعاض معاً، في حين ثمة استخدامات تحمل قيماً ومبادئ إنسانية، مثل الأم التي عرضت عبر الفيديو حلاقة شعرها بالكامل، وقوفاً إلى جانب ابنتها المصابة بالسرطان.

ويعلق الطالب جاسم الزعابي على وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة بأن كلاً منها تتمتع بميزة مختلفة، وما يميز التويتر سهولة نقل الشائعات من خلاله، وبرنامج "الانستغرام" هو الآخر ساهم في صنع "تقليعة جديدة" في شبكة الانترنت بعرض صور الأيادي والأختام على يد الفتيات وتصوير الجسد بلا وجه وخلافها من الصور التي تفشت، معرباً عن أسفه إزاء ما يتلقاه من مقاطع فيديو "صادمة" عبر برنامج الكيكرز.

ويلفت انتباهه، كثرة المشتركين الخليجيين على موقع "كيك"، وفوجئ من صدارة دول خليجية ضمن المراكز العشرة الأولى لمتابعة "كيكرز"، معتقداً أن هذا الرقم ينذر بخطر تضاعف الأرقام والإدمان على مواقع التواصل الاجتماعي، مما يسفر عنه مستقبلاً المزيد من التقليعات الشبابية السلبية المرفوضة في مجتمعنا.

وسائل الاتصال صهرت الشعوب في بوتقة الإنترنت

لم يتعجب الاختصاصي الاجتماعي فيصل محمود رمضان، من النيران التي أضرمتها وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، وهو يرى أن تعددها المستمر صهر الشعوب في بوتقة الانترنت، فنجد انطلاقاً من غرف الدردشة إلى التواصل عبر برنامج "كيكرز" وبرامج أخرى أنها تعرض الصور الشخصية دون خصوصية تذكر، وكان لهذه القنوات الاثر الكبير في أبنائنا وتناولهم لمواضيع جوفاء غير مرحب بها.

ويمضي قائلاً: انتشرت في الآونة الاخيرة، العديد من المقاطع القصيرة المضحكة تارة ومقاطع أخرى خاوية لا تغني ولا تسمن من جوع، تتناول أحاديث ساخرة لناشريها، وكأن أبطال هذه المقاطع المرئية يعانون من خلل ما، والمثير للسخط أن أمثال هؤلاء لا يبالون بتعليقات المجتمع الغاضبة.

ويشير رمضان إلى أن التربية لها دور كبير في غرس القيم الحميدة في نفوس أبنائنا، والمفروض على كل ولي أمر تقوية مناعة الطفل وسد الفجوات بين الكبار والصغار، وإقامة حوارات صريحة وشفافة خاصة لمن هم في سن المراهقة، وتغذيتهم دينياً وثقافياً بالحث على الصلاة والالتزام بالعبادة، فضلاً عن اختيار الرفقة الحسنة، وتبديد شعار "كل ممنوع مرغوب" الراسخ في ذهن الطلبة عن طريق التحذير من مخاطر كل ما يخل بالآداب أو يسيء إلى مجتمعنا، مع الاحتفاظ بحيز من خصوصية الأبناء.

قرصنة وابتزاز

ويستطرد: إن الفضول في معرفة آراء الآخرين، دفع البعض إلى التقليد الأعمى وإقامة مقاطع فيديو بهدف قياس ردود الأفعال، وقد يكون المغزى أيضاً سد الشعور بالنقص وقلة الاصدقاء، ما يدفعهم نحو العروج على هذه البرامج وزيادة ضخ المقاطع والصور بما يضر ولا ينفع، ولكن من سيدفع الثمن غالياً على الأرجح، كل فتاة انتشرت عنها مقاطع فيديو أو صوراً خاصة، والأضرار النفسية والاجتماعية التي ستجنيها لا تعد ولا تحصى في هذا الجانب، إذ يصل الأمر حيناً إلى حد الابتزاز، وكذلك الشاب أو الطفل يمكن أن يقعا ضحية القرصنة في برامج كهذه، ووجب الحذر والتوعية من سلبية هذه البرامج، من كل ما يُعرض سمعة الفرد أو الأسرة للإساءة من ضعاف النفوس.

وحسب ما يرى الاختصاصي الاجتماعي، يمكن للمرء أن يستغل هذه الثواني المعدودة، في نشر مقاطع هادفة ومفيدة، مثل مناقشة بعض القضايا المجتمعية، أو طرق حل مناسبة للخروج من المشكلات، وكيفية ممارسة الرياضات الصحراوية، والتبرع للفقراء والمحتاجين كما فعل بعضهم. أما في ما يتعلق ببرامج الصور، فحري بالمستخدمين نشر الصور الرائعة عن ملامح الطبيعة في دولة الإمارات ومظاهر التطور والعمران، إضافة إلى التقاط الصور أثناء السفر إلى الخارج، لافتاً إلى أنه ثمة الكثير من هواة هذه البرامج قدموا المنفعة للمجتمع والصالح العام.

 

دور البيت والمدرسة

 

يكمن دور البيت والمدرسة والمجتمع بشكل عام بمؤسساته الاعلامية والثقافية، في توعية الجيل الناشئ بمخاطر اساليب استخدام البرامج عبر وسائل الاتصال، وعدم ترك الموضوع الى الصغار كي يقلوا بشكل أعمى خطوات غيرهم الهدامة. إذ إن استخدام هذه البرامج ذو حدين. مخاطر

30 ثانية كفيلة لإثارة فضيحة إلكترونية

حديث الطلبة والشباب عن مخاطر استخدام شبكات التواصل الاجتماعي بطريقة سيئة، يوحي بالخوف والقلق إزاء واقع معاش بين خيوط هذه الشبكات، بيد أن بعض الأطفال أقاموا علاقات مجهولة مع فتيات وهم في سن مبكرة، ويزداد الموقف خطورة وحرجاً بقيام الطرفين بنشر صورهم الخاصة على هذه الشبكات بلا مسؤولية، ناهيك عن مقاطع الفيديو التي يمكن أن تنتشر بلمح البصر على يد أطفال بكبسة زر، ما يهدد حرمة المنازل وخصوصيتها. أما حالات الكذب والخداع التي تحدثوا عنها كثيرة، إذ كان بعض الشباب في شبكات التواصل الاجتماعي يخدعون أقرانهم بأنهم فتيات، وينفق الطرف المخدوع المال ويقدم الهدايا بلا حساب، ولم يكتفِ بعضهم بنهب ما في الجيب فقط، وإنما نشر الفضيحة بعد تسجيل المحادثات الصوتية والمرئية للشاب.

كما كان واقع بعض الفتيات ، إذ سجلت فتاة بالصوت والصورة عبر "كيكرز"، حديث شاب معها في السيارة، وأصبح هذا الشاب في دقائق قليلة ماثلاً أمام فضيحة ذاعت في معظم شبكات التواصل الاجتماعي، وتناقل الجميع مقطع هذا الشاب أثناء حديثه مع الفتاة على أجهزة البلاك بيري إلى جانب الوسائل الأخرى، وثمة الكثير من المقاطع والصور لم يعِ الشباب والفتيات حجم فضيحتها إلا بعد أن دخلت معظم الأجهزة والبرامج الذكية.