نماذج مضيئة لتعليم الكبار وضعت بصمتها في عالم المعرفة، منها سبعينية استطاعت أن تحقق حلمها بتعلم القراءة لحفظ كتاب الله، بعد إتمام مهمتها في خدمة أفراد أسرتها عقوداً طويلة للوصول بهم إلى بر الأمان، وأخرى في التاسعة والخمسين من عمرها تتقن اللغة الإنجليزية وهي في الصف الثاني الإعدادي بعدما كان تعليمها في البداية حسب وصفها كالنحت في الصخر حتى نقشت حروف اسمها، وتمكنت من القراءة وفهم ما يدور حولها، ولتؤكد بعدها أن الأمية كالعمى تمنع الانسان من رؤية الواقع وتحرمه من الحياه.
نماذج أضاءت بالعلم رغم الصعوبات والظروف القاسية التي تمر بها فئة تعليم الكبار، ومطالبة إدارات مراكز تعليم الكبار برفع الميزانيات المخصصة لها، وتجديد مبانيها، وتعديل وضع معلميها إما بالتعيين كمتفرغ، أو برفع المكافأة المالية، بما أن نظام المكافأة المقطوعة للمعلم لم يطرأ عليه أي تغيير منذ العام 1977. في الانتظار تعد وزارة التربية والتعليم والمنطقة التعليمية في دبي بأن الاشهر المقبلة ستشهد تطوراً ملحوظاً للارتقاء بفئة تعليم الكبار.
حرص الوزارة
وأكد الدكتور أحمد عيد المنصوري مدير منطقة دبي التعليمية، حرص وزارة التربية والتعليم والمنطقة بالارتقاء بفئة تعليم الكبار، موضحا ان الاشهر المقبلة سوف تشهد تطورا ملحوظا بها، من خلال تقديم الدعم اللازم على غرار السنوات السابقة، مشيرا الى ان الدولة أنجزت في غضون سنوات مجموعة من المهام نحو الانتهاء من الأمية والتي أوشكنا قولاً وفعلاً على أن ننهي حقيقة وصف الأمية من الإمارات، وقد بتنا على مشارف القضاء عليه بالاقتراب كثيراً من (صفر أمية) في مجتمعنا.
تحديات
ومن جهتها، قالت فاطمة المالك مديرة مركز قرطبة لتعليم الكبار ومشرف عام المراكز في دبي، إن مراكز تعليم الكبار تدرس نفس مقررات التعليم العام من السابع حتى الثاني عشر، أما المرحلة التأسيسية والتكميلية فتدرس مناهج خاصة لمحو الأمية، موضحة أنه تم تخصيص مبانٍ مستقلة للمراكز، ولكن الموازنات المقرة لا تتماشى مع هذه المباني، ومن اهم التحديات التي تواجه المراكز نظام المعلمين غير المتفرغين (العاملين بنظام المكافأة المقطوعة) والتي لم يطرأ عليها أي تغيير من عام 1977 حتى الآن.
وأكدت أن المناهج الدراسية لهذه الفئة مناسبة لمستوياتهم، مطالبة بتغيير نظام المكافأة أو تعيين معلمين متفرغين، وعلقت على طريقة التدريس ومستويات الدارسين مفيدة بأن المراكز تبدأ تعليم هذه الفئة بقراءة القرآن الكريم لأنها تعلم بشكل سريع، وتساهم في ترسيخ المعلومة.
وأضافت أن النساء يتميزن عن الرجال في تعليم الكبار بالدرجات وسرعة الاستيعاب، حيث شهد عام 2011 اثنين من أوائل الدولة من مراكز تعليم الكبار، فضلا عن دخول عدد كبير من النساء الى الجامعات،
ووصل عدد الدارسين والدارسات في فئة تعليم الكبار والمنازل 3 آلاف و700.
رأي
ووافق عبدالله المرزوقي رئيس وحدة المدارس التخصصية في منطقة دبي التعليمية، فاطمة رأيها حول المطالبة بتغيير نظام مكافأة المعلمين، إضافة الى رفع الموازنات التشغيلية للمراكز.
وأضاف، أن المراكز تحتاج الى تحديث للمباني وتطوير الوسائل التعليمية، فضلاً عن توفير الوسائل اللازمة للعملية التعليمية، مؤكداً أن هناك مراعاة لحجم المنهج الذي يدرس لفئة تعليم الكبار، إضافة الى نوعية الأسئلة المقدمة للدراسين.
وأشاد، بإدارات المراكز ومعلميها وما يبذل من أجل تحقيق النتائج الملموسة للدارسين، إذ نسجل درجات فوق 90% للدارسين على الرغم من انهم موظفون وعوائل ولكن لأن العملية التعليمية في المراكز شكلها الخارجي والداخلي متكامل ويعملون جميعهم بروح الفريق الواحد.
تنظيم
ومن جانبها، قالت الدكتورة هيا ابراهيم رئيس قسم الأنشطة والبيئة المدرسية في منطقة دبي التعليمية، إن محو الأمية يحتاج الى تنظيم عدة أنشطة مثل المهارات الحياتية (كالطبخ- التطريز) والألعاب الرياضية، كبادرة من المنطقة تساهم في تحديد حيويتهم وابراز المواهب المختلفة، إضافة الى تشكيل فرق من الدارسين والدارسات تشارك في الانشطة على مستوى المنطقة والدولة. وأكدت اهمية تشجيع المرأة للتعليم في كافة مراحلة، منوهة بأنه لا يوجد سن محددة للتعليم وان التعليم مفتوح لكل الاعمار.
اهتمام القيادة
وفي سياق متصل أكدت أسماء حسن الدراي مديرة مركز ديرة لتعليم الكبار، أنه من خلال التحاقها بإدارة المركز خلال السنوات السابقة وجدت أن تعليم الكبار يحظى باهتمام كبير من القيادة الرشيدة، وقد أخذ الدارس حقة في التعليم بعدما فاته قطار التعليم، وبات له الحق في إكمال دراسته من جديد، وقد أولت الوزارة والمنطقة في رعاية ابنائها المتفوقين والذين ينافسون التعليم العام (الصباحي) وتتولى اعداد الدارسات سنويا بازدياد وذلك لاستيعابهم لأهمية التعليم، وحاليا يدرس أكثر من 300 دارسة في التعليم المسائي، وقد تفوق في الاعوام السابقة وحصلن على عدة جوائز: منها جائزة الشارقة للتفوق، وجائزة حمدان التعليمية.
سبعينية تتعلم القراءة لتحقق حلمها في حفظ القرآن
التقت "البيان" عدداً من أكبر دارسات في فئة تعليم الكبار بدبي، وتمكنت من الدخول لقاعات التدريس وحضور جزء من حصة تعليم القرآن الكريم، حيث دخلت الى مركز ند الشبا للنساء لتعليم الكبار وكان به تجمع كبير من معظم دارسات مراكز دبي، وتحدثت "البيان" إلى دارسة سبعينية يظهر على يديها خطوط الزمان وقسوة الايام تدعى "ام محمد"، قضت حياتها في خدمة اسرتها فردا فردا حتى أوصلتهم بر الأمان، وآن بها الأوان ان تحقق ما كانت ترغب فيه.
فتروي "أم محمد" قصتها قائلة: "تعلمت القراءة من أجل حفظ القرآن الكريم، فنشأت في ظروف كانت امكانيات التعليم فيه ضعيفة، وكان المجتمع يرفض فكرة التعليم للمرأة، ولكن كان حفظ القرآن الكريم من احد اهدافي التي عشت سنوات احلم بتحقيقة، موضحة ان ظروف الحياة والمعيشة كانت حائلا بينها وبين حلمها، فتغاضت عنه بعض الشيء".
وأسهبت "أم محمد" في حديثها تسرد تفاصيل حياتها حيث تزوجت وأنجبت 7 أولاد وبنات وكان همها في الحياه تربيتهم تربية صالحة وتعليمهم تعليماً جيداً، فأخذت تكافح مع الحياة عام بعد عام، حتى سمعت عن مراكز تعليم الكبار فكان هدفها في هذه الايام ان تتعلم القراءة فقط، وفي ذات الوقت كانت صاحبة المكرمة بإنشاء المراكز هي الشيخة علياء بنت خليفة آل مكتوم التي شجعت كثيراً من النساء على التعليم حتى يكون المجتمع خالياً من الامية.
تعلمت "ام محمد" حتى الصف التاسع وعندما وصلت الى هذه المرحلة من التعليم التي مكنتها من تحدث الانجليزية والقراءة وتعلم الحساب والعلوم واصبحت متمكنة من قراءة القرآن، استرجعت "ام محمد" ذاكرتها الى الوراء وتوقفت عند حلمها وتفرغت لحفظ القرآن الكريم.
