ربما يبدو واقع العملية التعليمية لدى الدول المتقدمة، مدهشاً وطموحاً في حد ذاته لدول العالم النامي، لكن بنظرة فاحصة تتبين بعض الإشكالات التي ولدت حالة من عدم الرضى لدى التربويين، رغم المعايير المتطورة التي تبنتها الدول المتقدمة وساهمت في الوصول إلى جودة التعليم وتصدر قائمة أفضل عشر مدارس على مستوى العالم.
مدير عام المعهد الدولي للتخطيط التربوي التابع لـ«يونيسكو» في باريس خليل محشي، يقول لـ«البيان»: إن الدول الأوروبية ترصد التعليم من خلال الاختبارات الدولية، بالإضافة إلى حرص بعض الدول مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة وفنلندا على إجراء دراسات لمعرفة العوامل التي تقود إلى جودة التعليم، ففي فنلندا أثبتت الدراسات أن المعلم هو العامل الأساس في نجاح وتفوق العملية التعليمية، أما في الدول الآسيوية (كوريا الجنوبية وسنغافورة).
فقد أكدت الدراسات أن عدد ساعات الدراسة التي تفرض على الطلبة داخل وخارج المدرسة تقف وراء النجاح، إذ يدرس الطالب من أربع إلى ست ساعات يومياً بعد الدوام المدرسي، لكن في مقابل النتائج المتميزة والجودة العالية، كان الثمن الذي يدفعه طلبة كوريا الجنوبية وشنغهاي باهظاً من حيث الضغط النفسي، الأمر الذي حدا بجهات الاختصاص فيهما إلى المطالبة بتقليل حجم المناهج المقررة وتخفيض عدد ساعات الدراسة لمواجهة تعاقب الأمراض النفسية على الطلبة.
كذلك، كما يوضح خليل محشي، ورغم أن جميع الدول تقيس جودة التعليم بالتحصيل الدراسي والاختبارات الدولية، إلا أن غالبية التربويين في العالم المتقدم غير راضين عن تعريف الجودة في التعليم الذي يركز على التحصيل الدراسي في القراءة والكتابة والرياضيات وبعض المهارات، من حيث أن هذه العناصر تصب في تنمية المهارات الأساسية، لكن ماذا عن المهارات الحياتية. ويطالب هؤلاء بإدخال المهارات الحياتية في تعريف الجودة في التعليم، لأنها تؤدي إلى التعايش السلمي وحل المشكلات وتكريس عمل الفريق الواحد، إضافة للابتكار والإبداع، مشدداً على أنه إذا تحققت الجودة في التعليم تحققت الجودة في كل مناحي الحياة.
ما تحقق كان ثمرة سياق تاريخي طويل، شابه الطريقة العلمية الخاصة بالتجربة والخطأ.
ففي ثمانينات القرن العشرين، بدأ تنفيذ إدارة الجودة الشاملة في مجال التربية والتعليم في الثمانينات من القرن العشرين، ويرى لويس (Lewis,1994) أن أول مدرسة اهتمت بإدارة الجودة الشاملة كانت في ولاية ألاسكا الأميركية، والتي ركزت على إعادة تشكيل العلاقة بين المعلم والطالب ونقلها من عملية تعليم وتعلم إلى العمل بروح الفريق الواحد.
أما الأسباب وراء إدخال نظام إدارة الجودة الشاملة في العملية التعليمية، فترجع إلى أمور عدة، أهمها إقبال معظم المجتمعات وبخاصة النامية منها على التوسع الهائل في التعليم في السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي، ولو على حساب الجودة، ما ساهم في زيادة معدلات البطالة، لكن مع شراسة التنافس الاقتصادي اضطر العالم إلى التطلع إلى النظام التعليمي باعتباره وسيلة وسلاحاً لمواجهة المتغيرات العالمية، وذلك بتمكين الفرد ذي القدرات الفعالة في مواجهة التنافس الاقتصادي والعولمة، والثورة العلمية والتكنولوجية الهائلة القائمة على التدفق العلمي والمعرفي الذي لم يسبق له مثيل.
ويتمثل وقود هذه الثورة في العقل البشري والإلكترونيات والحاسوب، وإنتاج المعلومات، وتنظيمها، وتخزينها واسترجاعها، وتوصيلها بسرعة متناهية، فضلاً عن ثورة الطموحات الكبيرة التي ارتبطت بالثورة المعلوماتية وهو ما أفضى إلى الاهتمام بعوامل الجودة وبخاصة في مجال التعليم.
