قال سلطان علي لوتاه المدير التنفيذي لمؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، في تصريحات خاصة لـ"البيان" إن نتائج تقرير المعرفة العربي لعام 2010-2011 لإعداد الأجيال الناشئة لمجتمع المعرفة الذي أجرته المؤسسة بالتعاون مع 350 أستاذاً أكاديمياً في جامعات على مستوى الوطن العربي، أكدت أن التعليم في الإمارات يحتاج إلى تطوير منذ المرحلة التأسيسية ومروراً بكل المراحل لضمان الوصول إلى مجتمع المعرفة، مشيراً إلى أن المهارات التي وجدت لدى الشباب الإماراتي يغلب عليها الطابع العاطفي مما يؤثر سلباً على نتائج الطلبة.

وأوضح أن تقرير المعرفة شمل تجربه أربع دول (الإمارات - الأردن - اليمن - المغرب)، وتم عمل مسوحات من خلال بحث ميداني بالتعاون مع وزارات التربية والتعليم في هذه الدول، وجاء لاكتشاف المهارات التي يمتلكها التلاميذ والقيم التي يتحلون بها والبيئات التمكينية المحيطة بهم، وجاء في ظل احتياج المنطقة العربية إلى أدوات ومنهجيات دقيقة ومقننة تتيح قياس نواتج التعلم ووتائر تطورها بطرق علمية وموضوعية.

منهجية

وأكد لوتاه، أن المنهجية والأدوات المعتمدة في إعداد هذا التقرير تتعرض لأول مرة في المنطقة لقياس المهارات والقيم والبيانات التمكينية للناشئة في آن واحد، والمؤمل أن يتيح ذلك مستقبلاً إمكانية تطوير أدوات مقننة ومنهجيات معتمدة لقياس جاهزية النشء للولوج إلى مجتمع المعرفة يمكن التوسع في استعمالها في الدراسات المستقبلية سواء في المنطقة العربية أو في دول أخرى في العالم.

وأضاف، انه بعد إطلاق التقرير في دبي وحظي على اهتمام بالغ من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وتم عرض تجربة الإمارات في أبوظبي، ومن ثم عرض حالة المغرب في الرباط، وتجربة الأردن في عمان، حظيت نتائج حالة التعليم في الوطن العربي من خلال تقرير المعرفة على اهتمام بالغ من قبل الحكومات في دعم نتائج التقرير وتأطيرها ضمن برامج تطويرية في التعليم بتلك الدول، إذ تبنت الحكومة الأردنية نتائج التقرير للاستفادة منها، وذلك بعد عرض تجربة الأردن بحضور الأميرة سمية بنت الحسين رئيسة مجلس أمناء جامعة الأميرة سمية للتكنولوجيا في عمان، كما حظيت نتائج التقرير باهتمام كبير من المنظمات العالمية مثل منظمة اليونيسكو التي قامت باستضافة جلسة نقاشية في مقرها بباريس، أدارها عدد من المختصين في مجال التعليم في المنطقة العربية وبحضور نخبه من المفكرين العرب، بالإضافة إلى سفراء الدول العربية لدى اليونيسكو، مؤكداً أن هذا النقاش كان له دور كبير في تحليل النتائج وطرح حلول ومقترحات مختلفة تدعم تطوير التعليم في المنطقة وتضع أطر عملية إعداد تقرير المعرفة العربي الثالث.

ونوه لوتاه انه على جميع الدول أن تتبنى نتائج التقرير وتحولها إلى برامج تنموية تدعم تطوير مهارات الشباب، إذ ان هذه التقارير وجدت لدعم التنمية والارتقاء بالمجتمعات وليست كتباً توضع على الأرفف.

تجربة الإمارات

وألقى لوتاه الضوء على المسوحات الميدانية التي أجريت على عينة من النشء الإماراتي في عمر 17-18 سنة من الذين أنهوا الصف الحادي عشر في مدينتي أبوظبي ودبي، باعتبارهم يشكلون منتج العملية التربوية التعليمية قبل الجامعة، إلى جانب كونهم يمثلون الفئة العليا من شريحة "النشء" التي اعتمدت في تقرير المعرفة العربي للعام 2010/2011 وهي الفئة دون 18 سنة، موضحاً أن الدراسات الميدانية أدت إلى معرفة مدى امتلاك الطلاب المشاركين في المسح لعدد من المهارات والقيم، ذات العلاقة بالأبعاد المعرفية والوجدانية والاجتماعية للشخصية، التي تتطلبها عملية الولوج إلى مجتمع المعرفة، كما استهدفت الدراسة جمع آراء هؤلاء الطلاب حول البيئات المحيطة بهم، كما تم استقراء آراء معلمي التلاميذ للوقوف على اتجاهاتهم وآرائهم في البيئات التمكينية المتاحة للتلاميذ في المدرسة وفي الممارسات والطرائق التربوية واتجاهاتهم نحو القضايا التي من شأنها أن تسهم في إعداد اليافعين للولوج إلى مجتمع المعرفة. وتوسيعاً لحلقة البحث لتشمل أوسع شريحة من ذوي العلاقة، تم استطلاع الآراء التي أبداها نخبة من المفكرين وأصحاب القرار في الإمارات حول هذه المواضيع في ورشة عمل متخصصة شاركوا فيها.

وكشف أن نتائج مهارات التلاميذ وخاصة المهارات المعرفية وجدت فجوة كبيرة وضعفاً عاماً لدى النشء، حيث تم قياس المهارات المعرفية لدى الطلبة الإماراتيين عبر أربع مهارات معرفية فرعية وهي مهارة البحث عن المعلومات ومهارة حل المشكلات ومهارة استخدام التكنولوجيا ومهارة التواصل الكتابي. وتقاس كل مهارة فرعية على مقياس حده الأقصى 25 درجة وبالتالي يكون مجموع المهارات المعرفية مجمعة 100 درجة، ولم يتجاوز متوسّط العينة الكليةّ 32.91 كاشفاً عن ضعف مستوى التلاميذ المشاركين في البحث، مفيداً أن نتائج المهارات المعرفية كانت متقاربة في جميع الدول التي شاركت في البحث.

كما أكد التقرير أن مهارة التواصل الكتابي تعاني من ضعف كبير، حيث عجزت الأغلبية الساحقة من التلاميذ المختبرين عن بلوغ الدرجة الوسطى أي 12.5 من 25، فكان متوسط التلاميذ 5 درجات من أصل 25 درجة، وبالنسبة لمهارة حل المشكلات لم يتعدّ متوسط العينة الكلية 6.09. ولا يختلف وضع مهارة البحث عن المعلومات عن سابقتها.

وكشفت النتائج عن تدنّي قدرة التلاميذ المشاركين على التعامل مع الوضعيات التي تنطوي على مشكل مستمدّ من الحياة اليومية. فقد كان متوسط درجات التلاميذ 9.65 مؤكداً وجود صعوبات لدى التلاميذ في فهم أبعاد مشكلة ما، وإجراء عمليات حسابية بسيطة والتفكير المنطقي في الحلول الممكنة. أما بالنسبة لمهارة استخدام التكنولوجيا فكانت نتائجها أفضل من باقي المهارات المعرفية ولكنها لم تصل إلى الحد الأدنى المطلوب لامتلاك تلك المهارة، حيث لم يتجاوز متوسط العينة الكلية 12.15 درجة. وتبعاً لذلك، استنتج واضعو التقرير أن المهارات تشترك في سمة الضعف لكنها تتفاوت فيه من مهارة إلى أخرى، وعلى هذا الأساس يمكن ترتيب هذه المهارات، بحسب امتلاك التلاميذ لها، كالآتي: مهارة استخدام التكنولوجيا أولاً، ومهارة البحث عن المعلومات ومعالجتها ثانياً، ومهارة حلّ المشكلات ثالثاً، ومهارة التواصل الكتابي رابعاً.

مقياس الجاهزية

ووفقاً لمقياس الجاهزية المعتمد في التقرير، تركّز ما يقارب ثلثي العينة في مستوى بداية بناء الجاهزية، بينما لم يتوصّل أحد من التلاميذ المختبرين إلى مستوى الجاهزية التامة في المهارات المعرفية. كما نلاحظ أن أكثر من ربع العينة غير جاهز تماماً. وهذا يعني أن المقومات المعرفية لولوج مجتمع المعرفة لا تتوفّر لدى الغالبية العظمى من التلاميذ (92%)، ويرى التحليل المُتضمن في التقرير أن تلاميذ العينة بدو أكثر جاهزية في المهارات الاجتماعية والمهارات الوجدانية منها في المهارات المعرفية. وهنا يجدر التنبيه إلى نقطة منهجية مهمة قد تجعل عملية المقارنة نسبية، فالمهارات المعرفية هي نوع من الذكاء الأكاديمي الذي يمكن قياسه من خلال وضعيات اصطناعية بينما تنتمي المهارات الوجدانية والاجتماعية إلى مجال الذكاء العملي الذي يستخدم في مواقف الحياة اليومية.

حرص

وأوضح لوتاه أن التقرير أكد إدراك المجتمع الإماراتي والدولة نحو الدعم الكبير المقدم للتعليم وبرصد جميع الإمكانات لتطويره ليكون قاطرة التنمية والسبيل إلى إقامة مجتمع المعرفة، مشيراً إلى أن الإمارات خطت خطوات كبيرة في مجال استخدام التقنيات الحديثة والإنترنت في كل مرافق الدولة والمجتمع، وجعلها وسيلة التواصل في مختلف مرافق الحياة، مما أسهم في توسيع نطاق المعرفة والعلم لدى طبقة واسعة من أفراد المجتمع. كما حرصت الدولة على الاهتمام بالإبداع كمؤشر من مؤشرات التقدم المعرفي، فظهرت الكثير من المؤسسات التي ترعى الإبداع العلمي والأدبي والفني. وظهرت الجوائز الكثيرة على مستوى الدولة والإمارات المختلفة التي ترعى الإبداع والمبدعين.

كما أن الجهود المبذولة من قبل الدولة ومؤسسات المجتمع تبين حسن النوايا والعزم الأكيد للحاق بركب الدول المتقدمة، وذلك يؤكد الرغبة السياسية الرسمية والمجتمعية العامة في التحرك نحو تحقيق هذا الهدف. إلا أن هذه الرغبة من قبل صانع القرار ومن مؤسسات المجتمع لا بد أن تتقابل مع رغبة حقيقة من النشء نفسه بالتحرك نحو مجتمع المعرفة. ويقودنا ذلك إلى قضية مهمة في المجتمع الإماراتي تتعلق بتحفيز النشء نحو هذا الهدف ففي مجتمع الوفرة المادية المعتمد على الجانب الريعي نرى أن معظم الشباب (أكثر من 70% من الذكور مثلاً) ينزعون إلى الانخراط المبكر في الأعمال الإدارية والحكومية ذات المردود المادي الجيد، مع عزوف واضح عن الأعمال ذات العلاقة المباشرة بعمليات بناء مجتمع واقتصاد المعرفة، وبخاصة تلك المتعلقة بالإنتاج والتقانة والبحث العلمي والإبداع، وأن غياب الحافز الحقيقي لدى الشباب والتركيز على استهلاك نواتج المعرفة والمتمثلة في السلع المختلفة دون الانخراط الحقيقي في عمليات الإنتاج المعرفي أو في عمليات تسخير هذه النواتج في خدمة التنمية يعد تحدياً حقيقياً أمام المجتمع في الإمارات.

فجوة عميقة بين مستوى المهارات المعرفية للتلاميذ

أكد تقرير المعرفة العربي أن هناك فجوة عميقة بين مستوى المهارات المعرفية الحالي للتلاميذ المشاركين في الدراسة والمتطلبات المعرفية، خلافاً لما هو الحال بالنسبة للمهارات الوجدانية والاجتماعية أو حتى القيم، ويدعو ذلك إلى إعادة النظر في جودة النظام التعليمي ومحاولة تصحيح وجهته ومقاصده وممارساته نحو بناء مجتمع المعرفة.

وأكد لوتاه أن هذا التحليل لا يبدو خاطئاً، لأن هناك دراسات أخرى أكدت تأخر مستوى التعليم عن بقية مؤشرات التنمية في الدولة، وأوضح دليل اقتصاد المعرفة للبنك الدولي أن قيمة دليل التعليم والموارد البشرية وهي 4.9 من 10. تقع تحت المستوى المقبول، في حين حصلت الإمارات على مستويات متقدمة بحسب قيمة دليل الحوافر الاقتصادية والنظام المؤسساتي (6.75) وقيمة دليل تقنية المعلومات والاتصالات (8.59) وقيمة دليل نظام الإبداع (6.69).

ولفت لوتاه إلى أن الاعتراف بضعف النظام التعليمي وعدم مناسبة مخرجاته لعصر المعرفة يعد الخطوة الأولى في إصلاحه، ولقد أوضحت نتائج ورشة العمل ومسوح المعلمين التي أجريت في سياق الإعداد لتقرير حالة الإمارات أن نظام التعليم يسوده غالباً نمط التقويم التقليدي الذي يقوم في معظمه على الامتحانات التحريرية التي تركز على الحفظ والتذكر. ويرتبط ذلك بنمط التدريس التقليدي الذي يكون فيه المتعلم متلقياً سلبياً للمعلومات التي يختزنها حتى يوم الامتحان. وأصبح المعلم الجيد هو من يساعد الطالب في حفظ المادة التعليمية بالصورة التي يسترجعها بها أثناء الامتحان. والتحدي في هذا النوع من التعليم أنه يصبح نمطاً سائداً يكرس ثقافة السلبية تجاه المعرفة والصمت والاتكال على المعلم. فيظل الطالب منذ أن يدخل المدرسة حتى يتخرج منها يُلقن ويحفظ ويسترجع حتى يفقد روح التفكير والإبداع.

وأوضح لوتاه أن الأمر لا يقتصر على النظام التعليمي، فقد أوضحت نتائج الدراسة الميدانية الخاصة بالبيئات التمكينية أن الرفاهية المادية للأسرة تؤثر سلباً على امتلاك الطالب للمهارات المعرفية. وقد يعني ذلك أن الطلاب المرفهين غير مهتمين مثل أقرانهم بامتلاك المعرفة وتحصيل العلم.

وأضاف ان للأسرة دوراً كبيراً ربما يكون الأكبر في امتلاك النشء للقيم المختلفة وبخاصة القيم المعرفية، والمطلوب هو التغير في نظرة الأسرة والمجتمع إلى التزود بالعلم والمعرفة واعتبارها المعيار الرئيسي للارتقاء الاجتماعي والاقتصادي.