تواصل المناطق التعليمية التصدي لظاهرة الغياب المتكررة قبل فترة وجيزة من الامتحانات، حيث شددت على ضرورة تطبيق حزمة من الإجراءات لتعزيز انتظام الطلاب، والحد من غيابهم خلال الفترة التي تسبق الامتحانات، لا سيما امتحانات نهاية العام.

ورصدت «جولة للبيان» قبيل امتحانات نهاية الفصل التي تبدأ يوم 17 من الشهر الجاري، غياباً جماعياً في عدد من المدارس، في مخالفة صارخة لأنظمة وزارة التربية والتعليم التي شددت ودعت عبر أكثر من تعميم على استمرار الدراسة، وعدم التغيب قبل الامتحانات، مانحة المناطق التعليمية صلاحية التعاطي مع المسألة.

ودعت إدارات المدارس، إلى ضرورة متابعة ورصد حضور الطلاب وانتظامهم، واتخاذ جميع الإجراءات التي نصَّت عليها خطة تعزيز الانتظام والتواصل مع أولياء الأمور، فيما وجهت تعليمية الشارقة تحذيراً شديد اللهجة إلى المتغيبين وذويهم بعقوبات تصل إلى حد الفصل، في محاولة منها لإجبار الطلبة على الدوام.

وفي الوقت الذي تتجه أصابع الاتهام في كثير من الأحيان إلى أولياء الأمور الذين يغيبون أبنائهم طمعاً في قليل من الراحة، تتجدد شكاوى عدد كبير منهم مع اقتراب امتحانات كل فصل دراسي حول الفوضى التي تعم المدارس الحكومية والخاصة، والمتمثلة في عدم تدريس أبنائهم وصرفهم في أوقات مبكرة إلى منازلهم، الأمر الذي يعرضهم للمخاطر، خاصة في ظل عمل الوالدين، إضافة إلى تغيب أبنائهم عن المدارس دون عذر لمدد تتجاوز الـ 3 أسابيع، حيث يعلم مدرسو المواد الطلبة الذين يدرسون في تلك الصفوف بعدم جدوى مجيئهم للمدارس، بحجة أن المدرسين مشغولون بتهيئة الصفوف لامتحانات طلبة الثانوية، وأن الأفضل لهم البقاء في منازلهم للاستذكار استعداداً لامتحانات النقل، ما يضع أولياء الأمور أمام الأمر الواقع، إضافة إلى وضعهم في حيرة من أمرهم.. هل يرسلون أبناءهم إلى المدارس أم يتركوهم في المنازل؟.

وطالبوا إدارات المناطق التعليمية بضرورة متابعة تلك المدارس وإلزام إداراتها بإرسال رسائل مكتوبة أو نصية تفيدهم بضرورة إرسال أبنائهم من عدمه، وعدم صرف الطلبة في وقت مبكر، الأمر الذي يؤثر في سلوكياتهم باحتمال اقترانهم برفقاء السوء، وإلزام تلك الإدارات بإبقاء الطلبة حتى آخر يوم دراسي، من أجل إكمال المقررات والمناهج الدراسية، ومحاسبة المدارس التي تغلق أبوابها في وقت مبكر أمام الطلبة في كافة المراحل.

الأجيال تتعاقب والسلوكيات الخاطئة تتوارث، من المتسبب؟ وما الأسباب؟ وما الحلول؟ أسئلة لا بد من طرحها إزاء الظاهرة، ولا شك أنّ كل الأسباب والحلول المطروحة تدور في فلك واحد، بين البيت والمدرسة، وتبقى الحلول الجذرية لأسباب غياب الطلاب غير مفعلة، والدليل تكرارها سنوياً، حتى باتت أمراً واقعاً.

ظاهرة مقلقة

قال سعيد الكعبي مدير منطقة الشارقة التعليمية إنها ظاهرة مقلقة، وجديرة بالطرح والبحث والاستقصاء، حالها حال جميع الظواهر التربوية، لمعرفة أسبابها ودواعيها، منوهاً بالدور الأسري الكبير من خلال عدم السماح للطالب بالتغيب عبر غرس قيمة الانضباط والمواظبة، فالأسرة شريك استراتيجي في العملية التعليمية، وتضطلع بجملة من الأدوار التي لا يمكن أن يقوم بها غيرها، باعتبارها نواة المجتمع، مؤكداً أن كل الحلول تبقى مبتورة إن لم تتخذ الأسرة دوراً إيجابياً وتنفض عنها غبار السلبية، ولم ينكر الكعبي أن الخطأ مشترك، بمعنى أن هناك بعض المدارس تلعب دوراً خفياً في تشجيع الطلبة على الغياب، إضافة إلى تراخيها في مسألة التعامل مع المتغيبين، حيث إن بعض الإدارات المدرسية قد تكون من عناصر تشجيع الطلبة على عدم الحضور، مضيفاً أنه في المقابل تجد إدارات تبتكر أساليب جاذبة لحضور الطلبة، كما أنها تشدد على الحضور من خلال حزمة من الآليات الضابطة، ضماناً لعدم غيابهم.

وقال الكعبي: (على المدارس أن ترصد أسماء المتغيبين، أملاً في أن يتم علاج هذه الظاهرة، وألا تبقى وتتفاقم لتصبح واقعاً مفروضاً من خلال إجراءات تنفيذية تحد من هذه السلوكيات، وتفعيل دور الميدان التربوي والقطاعات ذات العلاقة من أجل الوصول إلى أداء تعليمي أفضل).

وأكدت حصة الخاجة مديرة التعليم الخاص والنوعي في «تعليمية الشارقة» أهمية الالتزام واحترام اليوم الدراسي، كإحدى استراتيجيات الأداء العام في المدارس، وذلك من خلال الجدية في انتظام الدراسة، لافتة إلى أنه لا بد من إعادة صياغة المدارس كمنظومة، بحيث يصبح للتعليم معنى لدى التلميذ، وتصبح المدارس وسيلة يسعى إليها رغبة لا رهبة، ووسيلة يجد فيها ما يعود عليه بالنفع، مشيرة إلى أن تعود الطالب على هذا السلوك ينسحب على باقي شؤون حياته، فالموضوع جزء من منظومة مجتمعية كاملة.

مشكلة سنوية

وأكد قمبر محمود المازم مدير ثانوية حلوان أن المدارس ستشهد هذا الأسبوع ارتفاعاً ملحوظاً في أعداد المتغيبين قد تصل إلى 90 %، مؤكداً أنها مشكلة سنوية متكررة، وباتت عادة لدى الطلبة، ولم يعد ينفع فيها التهديد أو الترغيب، وحتى الرسائل لأهالي الطلبة، مشيراً إلى أن الكارثة تكمن في ثقافة ولي الأمر الذي يقول عندما يتم الاتصال به: (ماذا سيأتي ليفعل في المدرسة، خليه بالبيت من الحر يستعد).

وتؤكد ذلك وفاء الملا مدير ثانوية الغبيبة، وقالت: (الغياب قبل الامتحانات مشكلة تطل برأسها سنوياً، ولا يوجد عقوبة رادعة بحق هذه الفئة التي أشاعت جو الإهمال وعدم الانتظام، والمطلوب وقفها عن حدها، مضيفة أن على الوزارة أن تحاسب كل مدرسة يثبت تشجيعها للطلبة على الغياب، أو عدم اتخاذها إجراءات كمخاطبة الأهل أو رصد أسماء المتغيبين.

بدروه، أكد مبارك مطر نائب مدير منطقة أم القيوين التعليمية أن غياب الطلبة مع قرب امتحانات كل فصل دراسي أصبح ظاهرة منتشرة في كافة المدارس، ما يؤثر سلباً في مستويات الطلبة، مرجعاً السبب في ذلك إلى أولياء الأمور الذين يجب عليهم التواصل مع إدارات المدارس وإرسال أبنائهم، لافتاً إلى أن إدارة المنطقة التعليمية عممت على كافة إدارت المدارس الحكومية والخاصة بضرورة عدم التعطيل للطلبة الذين يدرسون في الصفوف من السادس وحتى التاسع، ولا بد من إبقاء الطلبة حتى آخر يوم دراسي وفقاً لاستراتيجية وزارة التربية والتعليم، ولعدم الإخلال بالخطة الدراسية، ومن أجل إكمال المقررات الدراسية والمناهج في الفصل الدراسي الأخير حتى لا تتأثر نتائج الطلبة.

وأوضح أنه تم التنبيه على تلك المدارس بضرورة الاستمرار في الدراسة دون انقطاع، حتى لو حضر عدد قليل من الطلبة، لافتاً في الوقت ذاته إلى أنه تم إرسال رسائل نصية إلى أولياء الأمور تشجعهم بضرورة إرسال أبنائهم إلى المدارس، وألا يتركوهم في المنازل بحجة الاستذكار استعداداً للامتحانات التي ستجرى في السابع عشر من الشهر الجاري، مبيناً في الوقت ذاته أنه لوحظ أن هناك غياباً جماعياً في بعض المدارس قبل بداية امتحانات النقل، وسط طلبة صفوف النقل من السادس وحتى التاسع، رغم نداءات المنطقة المتكررة لأولياء الأمور بإرسال أبنائهم إلى المدارس، ولكن بعضهم غير متعاون، لافتاً في الوقت ذاته أن الغياب الجماعي للطلبة يصعب معه تطبيق لائحة السلوك في حالات الغياب.

من جانبه أكد حسن بله مدير مدرسة الراعفة للتعليم الأساسي والثانوي في أم القيوين أنه لا بد من إعادة النظر في المناهج والمقررات الدراسية، وأن تخصص المناهج للفصل الدراسي بالأيام أو ترتب أولوياتها وزيادة المقررات الدراسية، أو تقصير الفصل الدراسي حتى لا يكون هناك فراغ كبير ما قبل الامتحانات، الأمر الذي يجعل الطلبة يتغيبون عن المدارس، لافتاً في الوقت ذاته إلى أنه لا بد كذلك من تفعيل لائحة الغياب وإعطاء إدارات المدارس صلاحيات أوسع للحد من ظاهرة الغياب، مبيناً أن لائحة الغياب الحالية، والمعمول بها، تعد قديمة، ويجب تفعيلها، والتي تنادي بفصل الطالب إذا ما تعدت أيام الغياب 14 يوماً متواصلة، أو 21 يوماً متقطعة خلال العام الدراسي، لافتاً في الوقت ذاته إلى أن الطلاب الذين حضروا إلى المدرسة أمس الأول بلغت نسبتهم 50 % من مجموع 100 طالب.

برمجة زمنية

أكد الوليد الصديق موجه اللغة العربية في منطقة أم القيوين التعليمية أن هناك برمجة زمنية لكل مادة دراسية، بحيث تنتهي المقررات الدراسية قبل أسبوع من بدء الامتحانات، الأمر الذي يجعل الطلبة يتغيبون عن الدراسة، مبيناً أن الالتزام بالحضور يفيد الطلبة كثيراً، لأن معلمي المواد في مثل تلك الفترة دائماً ما يكونون غير منشغلين، الأمر الذي يصب في مصلحة الطلبة. وأضاف أنه للقضاء على ظاهرة الغياب الجماعي الذي يعد مدمراً للعملية التعليمية، يجب على إدارات المدارس، وفي حال اكتمال المقررات الدراسية في وقت مبكر، أن تضع برامج وأنشطة معينة لدعم ومساندة الطلبة في بعض المواد، ولإكسابهم بعض المهارات بالنسبة للطلبة الذين يفتقدونها، الأمر يحفز الطلبة إلى المجيء إلى المدارس، لافتاً إلى أنه ينبغي أن يكون أولياء الأمور أكثر حرصاً على أبنائهم لدفعهم إلى المدارس، وعدم تركهم في البيوت حتى لا يكونوا فريسة سهلة لبعض القنوات الفضائية التي تبث برامج لا تتوافق مع عقلية الطلبة، ومن الممكن أن تكسبهم سلوكيات لا أخلاقية.