أكدت نتائج الدراسة الميدانية التي تمت في سياق الإعداد لدراسة حالة الإمارات أن 26.8% من التلاميذ المختبرين لا يمتلكون الحد الأدنى من المهارات المعرفية (المشتملة على مهارات حل المشكلات ومعالجة المعلومات والتواصل الكتابي واستخدام التقانة) وهي من ضمن المهارات الأساسية التي تؤهلهم للولوج إلى مجتمع المعرفة. كما أن 65.1% منهم في بداية الطريق نحو اكتساب هذه المهارات، أي إن ما يعادل نحو 92% من التلاميذ دون المستوى المطلوب للولوج إلى مجتمع المعرفة.

ولم يكن سوى 8% من التلاميذ في طور اكتساب تلك المهارات التي لم يبلغها أحد من المجموعة المختبرة. ويتضح من ذلك أن منظومة التنشئة في الإمارات، التعليمية والمجتمعية بشكل مشترك، لم تستطع تمكين التلاميذ من احتياجات ومتطلبات هذا العصر من المهارات المعرفية.

وذلك لم يؤكد ضرورة الاهتمام الجاد بهذه المنظومة وإحداث تغييرات عميقة في المناهج وطرق التدريس وطرق التقويم والتنمية المهنية للمعلمين وغيرها من القضايا ذات العلاقة بمنظومة التنشئة في المجتمع ككل، حتى تتمكن الإمارات من إكساب اليافعين المهارات والقيم الضرورية للانخراط في مجتمع المعرفة.

 

نتائج أفضل

وكانت النتائج أفضل قليلاً من حيث المهارات الوجدانية (كتقدير الذات ورعاية الدافعية للتعلم) والاجتماعية (كالتواصل مع الآخرين والعمل الجماعي). فأكدت نتائج الدراسة الميدانية أن معظم جاهزية المشاركين في الاختبار هم إما في طور الجاهزية أو جاهزون (77.9% للمهارات الوجدانية و63.7% للمهارات الاجتماعية). وتحسنت النتائج بشكل ملحوظ على مستوى القيم، حيث بلغت نسب من هم جاهزون أو في طور الجاهزية 98.5% من مجموع العينة.

بيد أن التصريح بالقيم والاتجاهات من قبل الطلاب لا يعني بالضرورة انعكاس تلك القيم في ممارساتهم اليومية. وعند النظر إلى هذه النتائج مجتمعة، تبدو الفجوة عميقة بين مستوى المهارات المعرفية الحالي للتلاميذ المشاركين في الدراسة والمتطلبات المعرفية للولوج إلى مجتمع المعرفة، خلافاً لما هو الحال بالنسبة للمهارات الوجدانية والاجتماعية أو حتى القيم.

 

جودة النظام التعليمي

ويدعو ذلك إلى إعادة النظر في جودة النظام التعليمي ومحاولة تصحيح وجهته ومقاصده وممارساته نحو بناء مجتمع المعرفة. ولا يبدو هذا التحليل خاطئا، فقد أكدت دراسات أخرى تأخر مستوى التعليم عن بقية مؤشرات التنمية في الدولة. وأوضح دليل اقتصاد المعرفة للبنك الدولي أن قيمة دليل التعليم والموارد البشرية وهي 4.9 من 10. تقع تحت المستوى المقبول، في حين حصلت الإمارات على مستويات متقدمة بحسب قيمة دليل الحوافز الاقتصادية والنظام المؤسساتي (6.75) وقيمة دليل تقنية المعلومات والاتصالات (8.59) وقيمة دليل نظام الإبداع (6.69).

 

خريجو الثانوية

يضاف إلى ذلك أن خريجي التعليم الثانوي الحكومي لا يستطيعون الالتحاق بالجامعة مباشرة بل يحتاجون في الأغلب إلى سنة تأسيسية يدرسون فيها اللغة الإنجليزية والحاسب الآلي ومهارات التفكير. ويستنتج من ذلك عدم مجاراة التعليم في دولة الإمارات للتطور الاقتصادي والتقني والمعلوماتي الحادث في البلاد، ما يدل على عدم تناسب نظام التعليم في الدولة لإقامة مجتمع المعرفة الفعال.

وقال التقرير: إن الاعتراف بضعف النظام التعليمي وعدم ملاءمة مخرجاته لعصر المعرفة يعد الخطوة الأولى لإصلاحه. وأوضحت نتائج ورشة العمل ومسوح المعلمين التي أجريت في سياق الإعداد لتقرير حالة الإمارات، أن نظام التعليم يسوده غالبا نمط التقويم التقليدي الذي يقوم في معظمه على الامتحانات التحريرية التي تركز على الحفظ والتذكر. ويرتبط ذلك بنمط التدريس التقليدي الذي يكون فيه المتعلم متلقياً سلبياً للمعلومات التي يختزنها حتى يوم الامتحان. وأصبح المعلم الجيد هو من يساعد الطالب على حفظ المادة التعليمية بالصورة التي يسترجعها بها أثناء الامتحان. والتحدي في هذا النوع من التعليم أنه يصبح نمطاً سائداً يكرس ثقافة السلبية تجاه المعرفة والصمت والاتكال على المعلم. فيظل الطالب منذ أن يدخل المدرسة حتى يتخرج منها يلقن ويحفظ ويسترجع حتى يفقد روح التفكير والإبداع.

كما أوضحت نتائج الدراسة الميدانية الخاصة بالبيئات التمكينية أن الرفاهية المادية للأسرة تؤثر سلبا في امتلاك الطالب المهارات المعرفية. ويعني ذلك أن الطلاب المرفهين غير مهتمين مثل أقرانهم بامتلاك المعرفة وتحصيل العلم. كما أن للأسرة دوراً كبيراً ــ ربما يكون الأكبر ــ في امتلاك النشء القيم المختلفة وبخاصة القيم المعرفية. والمطلوب هو تغيير نظرة الأسرة والمجتمع إلى التزود بالعلم والمعرفة واعتبارها المعيار الرئيسي للارتقاء الاجتماعي والاقتصادي.

ويلقي هذا الأمر الضوء على الفجوة بين الخطط والاستراتيجيات التعليمية التي تضعها الوزارة والمجالس المختصة بالتعليم، وبين الممارسات والنتائج على أرض الواقع. فالتوجهات العامة للإصلاح والسياسات المكتوبة تؤكد بصيغ مختلفة تمحور التعليم حول الطالب وتؤكد تنمية القدرات المعرفية والاجتماعية والقيمية التي تعده لمجتمع المعرفة.

أما على مستوى الممارسة العملية، فقد أثبتت الدراسة الميدانية لهذا التقرير ضعفاً لدى النشء في المهارات، وبخاصة المعرفية، التي يتطلبها العيش في مجتمع المعرفة. ولم تعوض الأسرة ومؤسسات المجتمع هذا القصور. ومن هنا وجب التنبيه بمتابعة تنفيذ الاستراتيجيات والخطط الوطنية للعمل على البلورة الناجحة للخطط على أرض الواقع. ولا ينبغي أن تكون نتائج الدراسة الميدانية ونتائج الدراسات الأخرى مصدراً للتشاؤم بقدر ما يجب أن تكون محفزا للوعي بالواقع واتخاذ المزيد من القرارات الجدية ووضع استراتيجيات العمل الكفيلة بتحقيق المزيد من النتائج الإيجابية.

 

كيفية التحرك وآلياته

إن المعرفة والحرية والتنمية لا يمكن أن تزدهر أي منها في غياب الأخرى. فحرية الفكر والتعبير تمثل عناصر رئيسية من مكونات البيئات التمكينية التي تسهم في النهوض بالأداء المعرفي والتنمية.

وعلى هذا الأساس، فإن التحرك الفعال نحو بناء مجتمع المعرفة في دولة الإمارات ــ أو أي دولة أخرى في المنطقة العربية ــ يجب أن يستند إلى ثلاث ركائز أساسية هي: توسيع مجال حريات الفكر والتعبير، والانفتاح والتواصل الفاعل مع ثورة المعرفة والتقانة، والاستجابة بشكل أفضل إلى الحاجات التنموية للمجتمع (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم 2009).

أما بالنسبة إلى الكيفية التي يمكن أن يتم بها تمكين الشباب للانخراط الفعال في مجتمع المعرفة في دولة الإمارات فتدور حول ثلاثة محاور. والمحور الأول هو التمكين المعرفي من خلال إيجاد بيئة تعليمية تنشر ثقافة بناء المعرفة وثقافة التعليم للجميع والتعلم مدى الحياة في بيئة توفر مناخا عائليا سليما يساعد على بناء شخصية متوازنة، بيئة توفر الرعاية الصحية والنفسية اللازمة لتكوين عقل سليم متزن.

والمحور الثاني هو التمكين الوجداني من خلال إيجاد بيئة توفرمناخا عائليا سليما يساعد على بناء شخصية متوازنة وعقل سليم، أما الثالث فهو محو التمكين المجتمعي من خلال خلق بيئة تحترم حرية الفكر والرأي والمعتقد، بيئة تكرس مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات.

والحقيقة أن من الصعوبة بمكان أن نتخيل العمل في أحد هذه المحاور دون الآخر لأن الأمر يقتضي العمل فيها جميعاً وفي الوقت نفسه. وبالنسبة للتمكين المعرفي، فإن أول منطلقات التحرك هو المعرفة الحقيقية والواعية بشكل التعليم وأسلوبه في مجتمع المعرفة. فالتعليم في مجتمع المعرفة يخلق مجتمعات تعلم في الفصل والمدرسة بين التلميذ وبين المعلمين، ويهيئ للمتعلم فرص التعلم الفردي والجماعي بما يساعده على اكتساب القدرة على توليد المعرفة الجديدة وتوظيفها، وهو تعليم يهتم بالتعلم والإفادة أكثر من الاهتمام بالتحصيل الدراسي وإحراز الدرجات في الامتحانات.

 ولا يحدث هذا إلا إذا كانت وسيلة التعلم هي البحث والاستقصاء وحل المشكلات والتفكر. ولا يكون هذا التعلم أيضا إلا بوجود بيئة تعليمية تراعي إشباع حاجات المتعلم للمعرفة وتنظر إليه نظرة القادر على التعلم، فضلا عن توفير معلمين أكفاء، ومناهج عصرية مطورة من حيث المحتوى، واستراتيجيات تدريس تضع المتعلم في بؤرة اهتمامها، وأساليب تقويم فعالة تركز على تحسين التعلم وليس رصد التحصيل الدراسي فقط، ومرافق وتجهيزات حديثة ملائمة للعصر.

ولا شك أن من آليات مساعدة النشء على الولوج إلى مجتمع المعرفة توفير معلمين أكفاء يمتلكون من المعارف والمهارات والقيم ما يساعدهم على الأخذ بيدهم لامتلاكها. ففاقد الشيء لا يعطيه. وإذا لم يمتلك المعلمون في الدولة أسباب الولوج إلى مجتمع المعرفة ويكونوا مساهمين فيه، فمن الوهم الاعتقاد بأنهم سيمكنون طلابهم من فعل ذلك. ومعلم مجتمع المعرفة معلم قادر على ممارسة التفكير التأملي والنقد الذاتي من أجل تشخيص احتياجاته والعمل بالتالي على الارتقاء بمستواه. إنه معلم يعد ليكون متفكرا في ممارساته، يهتم بترقية معارفه ومهاراته باستمرار، معلم يميل إلى العمل في فرق العمل ولا يميل إلى الانعزالية في تدريسه وعمله.

 

 

متخصصون نفسيون

كما يجب الاهتمام بالجانب الوجداني في المدرسة أيضا. وصحيح أن ثمة متخصصاً اجتماعياً يسهم في مناقشة وعلاج مشكلات التلاميذ ذات البعد الأسري، إلا أن الحاجة تستدعي وجود متخصصين نفسيين أيضاً في المدرسة، اقتداءً بالعديد من الدول، وبخاصة في المدارس الثانوية، حيث يمر الشباب والفتيات بمرحلة المراهقة والتغيرات النفسية والمزاجية، ولا يقتصر دور المتخصصين على حل المشكلات، بل يعملون مع المعلمين أيضاً على زيادة ثقة الطلاب بأنفسهم وحفزهم على التعلم ومناقشتهم وتنويرهم بالمستقبل.

أما التمكين المجتمعي فيتم من خلال خلق بيئة تحترم حرية الفكر والرأي والمعتقد، بيئة تكرس مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات.

ويكون التمكين المجتمعي من خلال سياسات الدولة ومؤسساتها ووسائل الإعلام المختلفة فيها، وقد سنت الدولة القوانين التي تكفل المساواة بين الرجل والمرأة وتقلل الفجوة بينهما في العمل، كما أن الدستور الإماراتي يضمن المساواة بين الرجل والمرأة، إلا أن معوقات التمكين المجتمعي للمرأة تأتي من موروث العادات الاجتماعية الذي ما زال يرى دور المرأة تقليدياً يرتبط بالزوجة والأم.

ويكمن الشق الآخر للتمكين المجتمعي في حرية الفكر والتعبير عن الرأي والمعتقد وتقبل الرأي الآخر والفكر المغاير للسائد. وهذه النقطة ترتبط بركيزة الحرية، فالشعور بالحرية والقدرة على إبداء الرأي من دون خوف يجب أن يسود المجتمع، ويجب أن يقوم الإعلام بدوره في بناء مجتمع المعرفة من خلال القنوات والبرامج المتخصصة في نشر الثقافة العامة والقراءة واكتشاف المواهب.