تختزل مراكز تعليم الكبار والمسائي المكونات الأساسية في نظام التعليم المعتمد من قبل وزارة التربية والتعليم، غير أن مشكلة العزوف عن المشاركة في تلك المراكز وبالأخص من المواطنين لا تزال تكبر مثل كرة الثلج منذ إعلانها عام 1973 مشروعاً مهماً للقضاء على الأمية وتأهيل غير القادرين على استكمال تعليمهم لأي سبب كان، إذ نجد أن تفاقم الوضع يتجدد معها معاناة كل معلم سنوياً، وكأمر لافت حالياً تدريس الملتحقات من الإناث من قبل مدرسين لسد فراغ لا يجد له حلاً عبر مكافأة أزلية لا تصل قيمتها إلى 50 درهماً، تتفاوت قيمتها باختلاف المراحل الدراسية والتي تبدأ بـ 10 دراهم للتأسيسي إلى 45 درهماً للثانوي. وتطالب المعلمات بمساواتتهن مع الاحتياط أو تعديل أوضاعهن.
وفي صورة لا تتكرر من مشاهد تعليم الكبار، تقول الوالدة مريم علي محمد (أم لتسعة أبناء وجدة، وتعمل في الفترة الصباحية في قرية التراث بالفجيرة): «لولا مركز أم المؤمنين لتعليم الكبار لما وصلت إلى الصف الحادي عشر رغم كبر عمري، ولا استطيع أن أقول بأن ما تعلمته وما نلته من تعليم يكفيني فأنا أرغب في تعلم المزيد وتماماً مثل الذي يكتسبه الطلاب في التعليم العام.
وكيف أننا نقاس في اختباراتنا الفصلية والنهائية بمعايير امتحانات التعليم العام دون مراعاة ما نحصله من حصص دراسية قليلة ومهارات تعليمية وتقنية بوسائل بسيطة». لافتة إلى أن تعليمها لا يؤهلها لشغل وظيفة عليا أو ترقية، إنما يساعدها على عيش حياتها بمنظور آخر.
«البيان» ترسم واقع معاناة تلك المراكز ومعلميها والملتحقين بها للدراسة والتعليم، من خلال سرد قصصهم التي لاتزال قابعة في جدران «محلك سر».
للعلم لا للوظيفة
في استطلاع الوضع العام، تمت الإشارة إلى نوعية الدارسين حتى في أوساط الكبار في السن التي لم تعد مثل السابق، فقد تغيرت نظرتهم ودوافعهم للتعليم، فالأغلب يأتي من مناطق بعيدة للدراسة.
فالآن أصبحوا يطالبون وإن كان بشكل غير مباشر بمجاراة التطور الحديث في سير التعليم من خلال تعلم الحاسب الآلي وكيفية التعامل مع التقنيات الحديثة وأدوات المختبر. وإلى توفير آلية واضحة في متابعتهم واستطلاع آرائهم من قبل الجهات المسؤولة بالوزارة. إلى جانب إنشاء جائزة تكريم للمتفوقين بمختلف المراحل فصلية كانت أو سنوية.
الطالبات (موزة سعيد وموزة هلال وميثاء عبيد)، وهن متفوقات ويدرسن في الصف الثاني عشر، أكدن أنهن يأتين إلى المركز رغم مناطقهن البعيدة وعمل واحدة منهن، ويحرصن على القدوم بشكل منتظم ومبكر. كما أكدت الطالبات (حفصة سعيد، فاطمة علي وهدى جدالله وشيخة القايدي)، أن المراكز وفرت الكثير من فرص التعلم للأمهات وطالبات العلم اللواتي لم يكملن تعليمهن على اختلاف ظروفهن، إلا أنهن أوقفنه بإرادتهن وعزيمتهن وتابعن مسيرة التعلم والدراسة بدافع حب التعلم والعلم.
حق مشروع.. ولكن!
ولخصت معاناة العاملين فيها من إداريين ومعلمين من نظام التقاعد السنوي الذي يحرمهن من المميزات التي يتمتع بها نظراؤهم في مراحل التعليم العام: (الأجر الذي يعادل الجهد، والإجازات مدفوعة الأجر، بدل تنقل وسكن والعلاوة السنوية وراتب نهاية العام الدراسي إلى جانب عدم احتساب الخدمة والتقاعد، فضلاً عن عدم الشعور بالأمن الوظيف).
لافتين إلى أن مساواتهم بمعلمي الاحتياط أو تعديل أوضاعهن أو التثبيت أصبح حقاً مشروعاً لهن، وأن لهن حقوقاً كبيرة في ذلك في ظل قبولهن العمل براتب زهيد لا يصل إلى 1500 درهم في الشهر مقابل التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي تجري باستمرار بالدولة. كما أنهن في الوقت نفسه يعاملن بما يعامل به المعلم الرسمي بكل البنود ومنها الأداء الوظيفي.
إذ تشير المواطنة عائشة حمدان الكندي، إلى أن الأوضاع المادية متردية كإدارية مساعدة مديرة المدرسة بمركز أم المؤمنين، فمجموع مكافآتها وكذلك السكرتيرة وأمينة السر يصل إلى 700 درهم شهرياً في حين أنها تأتي من آخر منطقة بمدينة كلباء لإنجاز الأعمال من مراقبة المبنى وساعات الحضور والغياب للهيئة التدريسية والإدارية والعاملين الفنيين والطلبة. إلى جانب توفير الخدمات والاحتياجات اللازمة لتلك الفئات، وتنظيم العمل وجدول الفعاليات والأنشطة من الساعة الرابعة إلى التاسعة مساء.
مؤكدة أنها وجدت في ظروف العمل بمركز تعليم الكبار ما يتناسب مع وضعها وقدرتها على العطاء، فهي مستمرة منذ 4 سنوات إلى الآن. معتقدة أن الأوضاع ستتعدل وستلتفت الوزارة لتعديل أوضاع الهيئات العاملة فيها لمواكبة الغلاء المستشري في كل المجالات إلا أن الأوضاع تتردى من يوم إلى آخر.
الأنشطة المدرسية
وأكدت عائشة الكندي أن المركز يفتقد الكثير من الأنشطة المدرسية والأمور الجوهرية وخصوصاً وأنهم ملزمون الآن بتطبيق برامج التقويم المستمر، ونظام التعليم (SIS) والأنشطة وتحقيق إنجازات ونسب نجاح. موضحة أن جميع الجهود التي تبذل في تعليم الكبار جهود ذاتية.
مطالبة بأن تتم مساواة معلمات الاحتياط في التعليم الصباحي بمعلمات تعليم الكبار على الأقل، إن كان من الصعب ضمهن إلى ملاك الوزارة. فالفرق الوحيد، من وجهة نظرها، أن العاملات بالمدارس في الفترة الصباحية ملتزمات ببقائهن في البيئة المدرسية من أول الدوام حتى آخره، فيما المسائي يعطي المعلم حصته ويذهب.
تجارب
وقالت المعلمة وصيفة خميس من الجنسية العربية: «علمت في وزارة التربية والتعليم بالإمارات منذ 1999 لغاية 2007 حتى قرار الإحلال للتوطين ومنذ ثلاث سنوات تعمل في إحدى المدارس الخاصة وفي الوقت ذاته تطوعت للعمل في مراكز تعليم الكبار. وتقر بأنها أحبت الوضع رغم كلفته من جميع النواحي الحياتية، وهي تبذل جهداً في أداء واجبها نحو الوظيفة رغم دخلها المحدود منه، والذي يقل لمجرد غياب أو أي ظرف قد يستثنيها عن متابعة عملها.
مؤكدة أنه لولا جهود ومثابرة مديرة المركز في توفير مستلزماتهن معنوياً ومادياً ونوعية الطالبات التي تقوم بتدريسهن لكان خروجها من المركز لا رجعة فيه. وأضافت المعلمة أمينة عثمان، أن التعليم في مراكز تعليم الكبار أكثر صعوبة، حيث تختلف الأعمار بشكل متفاوت ويتضح ذلك في كونها تدرس في التأسيسي. كما أن المناهج الجديدة تحتاج إلى وسائل تعليمية من الصعب توفرها في المركز.
موضحة أنها لا تختلف عن معلمة «الصباحي» في شيء، فكل ما تقدمه للمهنة هو نفسه وربما بصعوبات أكثر والتي تتمثل في صعوبة توصيل المعلومات المنهجية للطالبات المتقدمات في السن وممن انقطعن عن التعليم لأسباب مختلفة، إلى جانب أن عملهن يتطلب التعامل مع سيدات في سن متقدم وبنظرة محدودة للتعليم، إلا أن كل ذلك لا يضيف شيئاً ولا يغير الوضع المادي حيث إنها تتقاضى 700 درهم شهرياً مكافأة، ويخصم منها، وإن كانت تحت ظروف قاهرة أو لا دخل لها فيها كالظروف الجوية.
المساواة والتوطين
وفي هذا السياق، أكد مشعل خميس الخديم، مدير الإدارة التربوية بمنطقة الفجيرة التعليمية، أن الإمارة تضم مركزين للإناث هما مركز أم المؤمنين ومركز دبا، ومركز سيف الدولة للذكور. ويدرس فيها نحو 447 دارساً ودارسة من مختلف الأعمار، فيما بلغ إجمالي عدد الهيئة التدريسية والإدارية فيها 75 موظفاً وموظفة من بينهم 5 مواطنين في الهيئة الإدارية، منهم 3 مدراء ومساعد على ملاك الوزارة وواحدة تتقاضي راتبها من نظام المكافأة.
فيما بقية الهيئتين من الجنسية العربية أي بإجمالي 70 موظفاً وموظفة. لافتاً إلى أن 14 من المعلمين الذكور يعملون في كل من مركزي تعليم الكبار للإناث بالتساوي. وأشار الخديم إلى أن جميع المعلمين والمعلمات يتقاضون مكافأة على التدريس عن الحصة الواحدة فيما تختلف المكافأة حسب المراحل الدراسية. فمعلم الفصل التأسيسي يعطى مكافأة مقطوعة بمقدار 10 دراهم للحصة الواحدة، فيما يتقاضى معلم المرحلة الابتدائية 30 درهماً لكل حصة دراسية ومعلم المرحلة الإعدادية 35 درهماً عن كل حصة والمرحلة الثانوية 40 درهماً. في حين نصاب الحصص يتفاوت ما بين 21 إلى 28 حصة استناداً إلى الحصة الدراسية والمرحلة التعليمية ومركز وآخر.
وفي سياق آخر، يطالب بأن تكون هناك نظرة واقعية تقدر وضع تلك المراكز في سبيل تعليم شريحة غالية على قلوبنا ألا وهي أمهاتنا وآباؤنا وإخواننا وأخواتنا، وخصوصاً أن الدولة تتصدر مركزاً متقدماً بين الدول العربية في القضاء على الأمية. متمنياً أن يكون هناك تغير سريع لوضع الهيئة الإدارية والتدريسية يتناسب مع حجم المهمة الملقاة عليهم إما باعتماد تثبيتهم أو تعديل سنوي للراتب، أو مساواتهم بمكافأة معلمي الاحتياط أو عقد طويل يكفل للمعلم حقه وأمنه الوظيفي، ويستطيع من خلاله أن يوفر لنفسه وعائلته معيشة كريمة.
مؤكداً أن المراكز في السابق لم تشهد معلمين مواطنين من الجنسين (خارج الملاك) منتظمين في العمل فيه سواء كوظيفة مؤقتة لقلة حجم المكافأة، كما أنه الآن لا يوجد واحد يرغب في العمل ويحصل على هذا الراتب الذي قد يصرفه في وسائل النقل أو أمور أخرى. لذلك يقترح بأن يتم توطين هذه المراكز حتى يستطيع المعلمون (خارج الملاك) الذين لم يحصلوا على وظيفة للآن وفي انتظار شواغر الوزارة متساوين تماماً مع أقرانهم في التعليم المستمر.


