انتقد تربويون نظام تأديب الطلبة الذي يركز على الجوانب العقابية ويهمل الاصلاحية منها والذي أفردت له وزارة التربية والتعليم حيزا على قدر من الاهمية في لائحة تعديل السلوك الطلابي، مشددين على ضرورة الاهتمام بالجانب الإصلاحي وعدم الاكتفاء بالعقاب؛ مؤكدين أيضا ان الاصل في العقاب هو إصلاح الخلل السلوكي وليس معاقبة الطالب في كرامته أو شخصه.

 

حلول

وتتوزع أسباب الظواهر السلبية التي انتشرت بين طلبة المدارس بين اجتماعية وتربوية واقتصادية واكاديمية وبيئية مدرسية بحسب ما أكده تربويون ويتفق "هؤلاء" على أن الحل لهذه الظاهرة يتطلب تكاتف جهود الأسرة والمجتمع والمدرسة ووسائل الاعلام والعمل بشكل واع.

وتعد عقوبة النقل التأديبي على الرغم من ندرة تنفيذها على ارض الواقع بحسب الجهات المختصة وسيلة لنقل الطالب من بيئته التعليمية الى بيئة أخرى كأحد السبل العلاجية لممارسات خاطئة يرتكبها، مشترطة في تنفيذها استنفاد كل الحلول والإجراءات مع الطالب المخالف، حيث تتبع الاجراءات كما ورد في اللائحة من إنذارات وتعهدات مكتوبة في مخالفات متكررة ثم ترسل الى المنطقة التعليمية وهي التي تحدد المدرسة التي ينقل اليها الطالب وتقوم بمخاطبتها لقبول الطالب المنقول إليها تأديبيا.

 

تعامل خاطئ

ويرى عدد من العاملين في الميدان التربوي بعد تجارب عدة ان النقل التأديبي لا يؤدي الغايات المرجوة منه بسبب التعامل الخاطئ من قبل بعض الإدارات المدرسية التي تنظر الى الطالب المنقول على أنه وباء ينبغي التخلص منه في اقرب فرصة، داعين الى ضرورة احتواء الطالب المنقول والسعي الى تفهم احتياجاته ومساعدته في اطار من السرية والكتمان .

 

إدانة السلوك

وقالت سوسن الكشف رئيسة الشؤون القانونية في تعليمية الشارقة انه لا يجوز تغيير البيئة المدرسية للطالب إلا بعد موافقة المنطقة التعليمية التي يتبع لها، مؤكدة ضرورة ان يتم معاقبة الطالب المخطئ دون اتخاذ اي شكل من اشكال الإذلال والاهانة والامتهان، لأن الهدف الرئيسي من العقاب إدانة السلوك الخطأ وليس الطالب نفسه، لافتة الى انه في حال تكرار السلوك المخالف من الطالب.

وعدم التزامه رغم تطبيق كافة اساليب التوجيه وإذا كان بقاء الطالب بالمدرسة له تأثير سلبي او يخل بالنظام المدرسي يتم نقله، مضيفة انه ينبغي تضمين السياسة طريقة تنفيذ هذا الأمر، وكيفية إكساب الطلبة المهارات الاجتماعية والسلوكية من خلال برامج منهجية، مؤكدة ان اللائحة موجودة في المدارس لكن لازالت تشوبها الضبابية في التنفيذ عند البعض، مشيرة الى ان المدارس تعود للمنطقة في حالات النقل التأديبي والفصل وعدا ذلك تعالج المشاكل داخليا .

 

حالة مستهجنة

أكدت فاطمة السجواني الاختصاصية النفسية ان الاساليب الخاطئة في التعامل مع سلوكيات الطلبة في المدارس سيخلق جيلاً غير مستقر نفسياً، ولا يمكن الركون اليه بإنشاء مجتمع متحضر .

وأضافت السجواني أن النقل التأديبي وسيلة علاجية الهدف منها اخراج الطالب من المحيط الذي يعيش فيه الى محيط آخر والعمل على دراسة حالته ومعالجتها، لافتة الى ان النقل بات وسيلة لنبذ الطالب والتخلص منه، بل والتعامل معه كوباء .

مشيرة الى ان حالات نقل عدة تم التعامل معها بشكل خاطئ، بحيث وصل الامر الى حد تنبيه المدرسة التي ينقل اليها الطالب بالحذر من المنقول ليتفاجأ الطالب في المدرسة الجديدة بأن ملفه معروف لدى الهيئات التدريسية والادارية، وعلاوة على ذلك النظر اليه كفيروس والتعامل معه بصورة مهينة، ما يجعل النقل عقوبة إخرى تضاف اليه.

وذكرت ان المطلوب احتواء الطالب المنقول والسعي الى تفهم احتياجاته ومساعدته في اطار من السرية والكتمان.

وكشفت السجواني ان متابعة جميع الحالات صعب جداً، لأن المنطقة التعليمية تعاني عجزا في أعداد الاختصاصيين النفسيين الذين لا يتجاوز عددهم الاربعة، معربة عن أسفها لممارسات بعض الاختصاصيين الاجتماعيين الذين دخلت عليهم في مدارس لتجد بأيديهم عصا غليظة، مؤكدة أن "حمل العصا من قبل الاختصاصي الاجتماعي أمر مخجل له، ولم تعد أداة ملائمة للتعامل التربوي"، موضحة أن "اهتمام القيادات التربوية بالحد من الظواهر السلبية وعلاجها بالحوار والعقوبات الاصلاحية هو ما أدى إلى تراجع فعلي في حدوثه .

 

تعاون

وأوضحت ان التعاون بين طرفي العلاقة؛ المدرسة المنقول منها واليها مهم للغاية، إذ عليهم البحث في خصائص الطالب النفسية لوضع خطة علاجية وليس تحذير كل منهما الآخر، متسائلة :اين الدور التربوي والاحتضان الذي نتحدث عنه لأبنائنا؟

وقالت هبة محمد اختصاصية اجتماعية : (إن تفعيل تعليمات لائحة الانضباط السلوكي وفهمها بالشكل الدقيق وتطبيقها بدقة وحرفية وتوعية الاهالي والهيئات التدريسية بضرورة التعامل مع الطالب المخالف بصورة صحيحة وبعيدا عن اللجوء الى العنف او التحقير امام زملائه تسهم في اجتثاث السلوكيات غير المرغوبة)، مؤكدة ان النقل التأديبي ينجح في حالات نادرة لكنه في الاغلب يصطدم بواقع اللاوعي عند إدارات معينة تتعامل مع المنقول "كفيروس" عليهم تحمله بل والسعي الى التخلص منه.

 

سرية المعلومات

وذكرت ان الكارثة تكمن في تناقل سيرة وسلوكيات الطالب في استراحة المعلمين، وهو ما يفقده ثقته بالاختصاصي الذي ينبغي ان يتابع الحالة ويكون مستودعا لأسرار الطالب .

وأضافت موجهة الخدمة الاجتماعية: (السرية والكتمان في عملنا كلام لا يصل الى حد الفعل وعبارات يتشدق بها بعض الاختصاصيين الذين لا يحافظون على سرية عملهم ويسربون المعلومات)، مضيفة انه يجب تقليص عدد المتعاملين مع الموقف السلوكي وإشراك الأسرة في التعامل مع الموقف باعتبارهم عنصرا أساسيا في منظومة العلاج وتعديل السلوك.

وقالت النقل التأديبي في حال تكرار السلوك غير المرغوب فيه وتندرج تحته ممارسات لا اخلاقية يستحيل معها بقاء الطالب في محيطه المدرسي، العنف اللفظي والجسدي، فترى الإدارة نقله بعد رفع الأمر الى المنطقة التعليمية من خلال اللجان التربوية الموجودة في المدارس، لافتة الى ان بعض حالات النقل نجحت في بيئات جديدة، ولكنها فشلت في اماكن اخرى عندما يتم معاداة المنقول قبل وصوله الى محيطه الجديد.

 

تعديل وإصلاح

وقال أشرف العريان: (العملية التعليمية والتربوية تولي عنصري السلوك والمواظبة درجة كبيرة من الاهمية عند صياغة مناهجها ورسم استراتيجياتها التربوية، وذلك لأهمية تربية الانسان وصياغة شخصيته، ويعد السلوك الايجابي من الأهداف الأساسية التي يسعى المربون إلى تنميته ورعايته، ويأتي في هذا السياق العناية بسلوك الطلاب وانضباطهم لما له من اثر عميق في توافقهم النفسي والاجتماعي وبناء شخصياتهم).

مشيرا الى انه يعول على القائمين على العملية التربوية والتعليمية إيلاء هذا الجانب جل اهتمامهم، بدءا باستكشاف السلوك غير المقبول ثم تعديله وتقويمه ومتابعته «الرعاية اللاحقة» والعمل على مساعدة الطلاب في التغلب على المشكلات السلوكية التي تواجههم من خلال تفهم خصائص نموهم وبناء الثقة لديهم وتقبل تصرفاتهم والحرص على إصلاحهم والإخلاص في ذلك. وبذل كل جهد لتنمية إمكانات الطلاب في ممارسة الانضباط السلوكي لبلوغ المستوى المأمول في رعاية سلوكهم.

ودعا الى التعامل بوعي مع ممارسات الطلبة وعدم إقصاء ولي الأمر بأي حال من الاحوال لأنه جزء من العلاج بل طرف اساسي فيه، لافتا الى ان حالات النقل التأديبي قليلة بين صفوف الطالبات، وترتفع اكثر عند الذكور، معتبرا ان تغيير البيئة والاسباب المؤدية لممارسة السلوك طريقة ناجحة ان وجدت الرعاية والاهتمام وهي الحلقة المفقودة في الغالب .

 

سجال

اعتبر قمبر محمود، مدير ثانوية حلوان، الأمر بمثابة عبء جديد يضاف الى المدرسة التي ينقل اليها الطالب، معللاً ان بعض المدارس لا يوجد بها سوى اختصاصي اجتماعي واحد وبعضها لا يوجد فيه اصلاً، فكيف يمكن متابعة طالب منقول تأديبيا دون وجود من يتابع حالته؟؟ مضيفا ان بعض الإدارات تخاف من تأثير المنقول على أقرانه فتتخذ مسبقا موقفا عدائيا.

 

مسؤولية أسرية

وحملت مديرة مدرسة الرميصاء ابتسام بو شليبي الأسرة مسؤولية التقاعس في الرقابة على الابناء وعدم ملاحظتهم بصورة جيدة ومتابعة سلوكياتهم، حيث يؤدي ذلك الى الانفلات الاخلاقي من قبل الابناء تجاه كل من تصل أيديهم او أيديهن اليه، مشيرة الى ان بعض الحالات يتم متابعتها لكن الجانب الاسري مغيب تماما.

وتعاطيه مع المدرسة سلبي للغاية، معتبرة ان القضية لها اطراف عدة، وإن تخلى احد هذه الأطراف عن دوره تختل المنظومة بكاملها، مؤكدة ان النقل التأديبي وسيلة ممتازة ان استحالت الاساليب التوجيهية الأخرى، معولة على تعاون إدارات المدارس مع بعضها البعض وتقبلهم .