مرت أكثر من عشرين عاماً منذ خطف منها، بل سلمته بيديها إلى من أخذه منها وسرق معه كل السنوات التالية لذلك اليوم.. سنوات قضتها بين أبواب المسؤولين والسفارات ترجوهم أن يعيدوا إليها فلذة كبدها، ولكن السنوات تمر دون أن يعود، ولا تزال صورته باكياً، وهو يغادرها مع الذي ادعى أنه يأخذه ليعمل في الامارات، تحتل عينيها أينما ولت وجهها.
تيتم ولدها وهو لايزال رضيعاً، وها هو وقد اقترب من الخامسة شاحب الوجه ضعيف البنية تكاد ملابسه المقطعة أن تكشف أكثر مما تستر، وفي غمرة حسرتها على ولدها وعجزها أن تمده ولو بالحد الأدنى من الحياة الكريمة، جاءها أحد أقارب زوجها المتوفي ليخبرها أن رجلاً من الهند يبحث عن طفل ليأخذه ليعمل معه في الإمارات.
وقال لها أن ابنها سيعيش هناك الأم رحمة بولدها من الفقر وبوعد أن يأتي فيقضي معها بضعة أشهر في كل صيف، ولاتزال تلطم وجهها وتدق على صدرها بقبضتيها كلما تذكرت أنها هي من وافق وهي من سلمته بيديها ولم تبال لوجهه الصغير الذي امتلأ دموعاً يوم غاب عن عينيها وترك قلبها هواء، كلما أتاها من يقول أن عليها ان تسلوه وأنه ربما مات أو أن هذا الرجل ربما يكون من عصابات تأخذ أطفالاً لتتاجر بأعضائهم بعد قتلهم، كانت تتلمس قلبها فلما كانت تجده في مكانه كانت ترد عليهم " بل هو حي وبخير".
وهو كان كذلك، كان حياً بالفعل وكان يعيش حياة كريمة هنا بالإمارات، فهذا الرجل بعد أن أخذه هرب به إلى الهند حيث نسبه لنفسه واستخرج له جواز سفر على أنه إبنه ثم اصطحبه إلى الإمارات حيث سلمه ليعمل عند أحد الأشخاص ، وفي مزرعة ذلك الرجل تربى هذا الولد تحت رعاية خادمات المزرعة ودخل المدرسة ونما جسده قوياً يافعاً في جو الصحراء النقي، ومر على ذلك 12 عاماً وهو في تلك المزرعة، بينما أمه لا تمل من الذهاب إلى سفارة الدولة وخارجية بلدها ترجوهم البحث عن ولدها، فإذا ما أرسلوا الكتب إلى وزارة الداخلية جاءهم الرد أن لا أحد بهذا الاسم وهذه الجنسية جاء إلى الدولة .
ومع كل هذه الكتب لم تمل الأم قالت لهم مراراً أنها تعلم أنه هناك وتشعر بذلك في قلبها، وبقيت على هذا الحال إلى أن رق قلب أحد ضباط التحريات بعدما لاحظ تعدد الكتب المطالبة بالبحث عن الفتى واستشعر بألم أمه، فخطر له امكانية أن يكون السارق قد غير في بيانات الطفل، فعاد وبحث في ملفات الأطفال الذين دخلوا في نفس الفترة، وبالفعل وجد طفلا بنفس العمر والاسم الأول وإن كانت باقي البيانات كلها مختلفة، وأرسل صور الطفل الموجودة في الملف إلى الجهات المعنية لتعرضها على الأم، مع صور التقطها له بعدما كبر وأصبح في السابعة عشرة من عمره، وما أن رأت الأم الصورة حتى عرفت ولدها فصارت تنظر تارة إلى صورته طفلاً وأخرى إلى صورته فتى، تريد أن تخبرهم أنه هو ولكن الكلمات لا تريد الخروج من بين شفتيها، في تلك اللحظة ذرفت دموع تفوق ربما ما ذرفته خلال كل تلك السنوات.
وفي أبو ظبي.. ذهب رجال التحريات إلى كفيل الفتى وأخبروه بالقصة، فقال لهم أنه يعرف أين الرجل الذي اختطفه فقد كان يأتي ليأخذ راتب الفتى كل شهر، ولما تم القبض عليه اعترف بما أسند إليه من تهم وعرض اعادة كامل رواتب الفتى خلال السنوات الماضية وأضاف أنه منذ ثلاث سنوات لم يذهب لأخذ راتب الفتى وهي بذمة الكفيل الذي قال انه سيدفعها للفتى خاصة أنها أقل من 20 ألف درهم، أما الفتى فلم يصدق نفسه عندما أخبروه أنه له أم .
طلب الفتى من كفيله أن يعطيه بقية ماله، فأكد له ذلك وأنه في المرة التالية سيأتي ومعه المال، ولكن الأيام تمر وكفيله لا يأتي ويتهرب من اتصالاته، فقرر الفتى أن يذهب إليه في منزله ليطالبه بالمال، وهناك وعد الكفيل بأنه وبعد أن يتناولا غداءهما يوصله إلى المزرعة ويعطيه ماله، ولكن حدثت مشادة أو أمر ما على الطريق، ولسبب لم يذكر في أوراق القضية أخرج الفتى السكين الخاص بتقطيع سعف النخل وطعن به كفيله، ثم قفز من السيارة ليصعد ويختبئ فوق شجرة على الطريق، ولكن هذه السكين التي تكون ذات نصل قصير لم تدخل عميقاً في جسد الكفيل وتم انقاذ حياته خاصة وأنه اتصل بالشرطة سريعاً وتم اسعافه، أما الفتى فلم يتمكنوا من القبض عليه إلا مساء بعد أن اضطر للنزول من الشجرة.
وبدأت سلسلة محاكمته من الابتدائية للاستئناف فالنقض وهكذا حتى مرت أكثر من سنتين أضافتهم الأم المسكينة إلى سنوات انتظارها ولوعتها، وما ان أصبح الحكم باتاً حتى كان الفتى قد قضاها بالفعل في السجن، وتدخلت سفارة بلاد الفتى والمحامي وعدد من الجهات لدى كفيل الفتى حتى دفع باقي ماله ليعود الفتى أخيراً وبعد 20 عاماً إلى قلب امه لتقر عينها بثمرة صبرها.
