طلبة جامعيون لا يستطيعون كتابة خمسة أسطر بلغتهم الأم، وإذا حاولوا التعبير عن أنفسهم، لاذوا والتجؤوا إلى اللغة الإنجليزية، وحينما يجدون أنفسهم مضطرين للكتابة بلغة الضاد، تكون كارثة كبرى.
أخطاء إملائية فاحشة، ومفردات قلقة مضطربة، وليست في مواضعها الصحيحة، وعبارات تنم عن ضحالة في المخزون اللغوي، والأغرب من ذلك والأخطر، أن قطاعاً كبيراً منهم، يلجأ إلى الكتابة بالعامية الدارجة، لأن أواصر العلاقات فيما بينهم وبين لغتهم ممزقة بالكامل.
إن اللغة ليست مجرد أداة للتعبير عن الذات، أو وسيلة للتفكير، فهي واحدة من أهم مكونات الثقافة والهوية الوطنية، لأي مجتمع، ومن ثم فإن التنصل منها، أو عدم امتلاكها كما يجب، يمثل "كارثة حضارية" بكل المقاييس.
فانفصال الناشئة عن ثقافتهم، أمر لا يمكن التغاضي عنه أو استساغته، تحت ذرائع واهية، مثل: إن هذا التخصص العلمي البحت، لا يحتاج إلى اللغة العربية، قدر احتياجه إلى الإنجليزية، فاللغة حضارة وثقافة وعقيدة دينية بدرجة ما، وضربها والقضاء عليها، يعد من أسرع وأنجح الوسائل، لطمس الخصوصية الحضارية، وتشويه قسمات الأمة الثقافية، واجتثاث المجتمع من جذوره.
فإذا كان هذا هو الحال بصفة عامة، وبالنسبة لطلبة التخصصات العلمية، فكيف يكون بالنسبة لطلبة الإعلام؟
إن الكتلة وقوانين الثبات والحركة هي المواد الرئيسية التي يستخدمها الفيزيائي، والمركبات والعناصر هي المواد الخام التي يحتاج إليها الكيميائي، كذلك فإن اللغة العربية هي المادة الخام التي يستخدمها الإعلامي، كي يقدم للمتلقي "منتجه" هذا المصطلح على تسميته بالرسالة الإعلامية.
فكيف ينجح صانع في تشكيل منتج ما، من دون أن تكون لديه المادة الخام الأولية له؟
ويشير واقع الحال في كليات الإعلام إلى معاناة الأكاديميين الذين طرحت "البيان"عليهم سؤالا عن مستوى طلبتهم في اللغة العربية، فأكدوا أنهم يعانون من اشكاليات عدة في هذا الجانب، ملقين الأسباب على ضعف متطلبات وشروط الالتحاق بكليات الاعلام، وكذا ضعف مخرجات التعليم العام، وطرق تدريس مادة اللغة العربية.
ويقول أكاديميون: إن طلبة كليات الاعلام يفتقرون إلى مهارات الكتابة والاملاء في اللغة العربية، معتبرين أن سبب هذا الضعف باللغة الأم يتمثل في ضعف مخرجات التعليم العام وطرق تدريس المادة في المدارس التي تعتمد على حشو معلومات وقواعد اللغة في رأس الطالب من دون أن تعلمه كيفية التعامل مع هذه المعلومات.
مستوى ضعيف
ويؤكد الدكتور عصام نصر رئيس قسم الاتصال الجماهيري في جامعة الشارقة أن ضعف طلبة كليات الإعلام باللغة العربية يتعلق بجانبين: الجانب الأول وهو ما يخص مخرجات التعليم العام، والجانب الثاني الاعتقاد السائد بأن الاهتمام الاكبر يجب أن يوجه للغات الأجنبية على اعتبار أن سوق العمل يفضل إجادة اللغة الانجليزية، ففي الجانب الاول يدخل الطالب إلى الجامعة ومستواه متدن باللغة العربية.
ويقول: من واقع متابعتي لإجابات الطلبة في الامتحانات، فإن نسبة كبيرة منهم، لا تعرف المبادئ الأولية والمبسطة للغة العربية، ومن ثم يجيبون تحريرياً باللهجة العامية، ولا تخلو أوراق إجاباتهم من أخطاء إملائية فادحة، وتعديات على اللغة (يشيب لها الولدان) على حد تعبيره.
ويتابع: لا توجد لدى معظم الطلبة قدرات على التعبير اللغوي عن أفكارهم ويفتقرون إلى مهارات الصياغة وبالتالي يحتاجون في هذه الحالة إلى جهود كبيرة لتعويض تدني مستواهم في اللغة العربية.
ورداً على سؤال عن عدم اهتمام كليات الإعلام برفع المهارات اللغوية للطلاب، يقول: أعتقد أن هذا ليس دور الجامعة، فالجامعة يجب أن تركز على تنمية مهارات الطالب وقدراته على التفكير وصقل مهارته في مجال تخصصه العلمي أياً كان، وتتحدد مسؤولية ضعف أو قوة الطالب بلغته الأم العربية في مؤسسات التعليم العام وعندما ينتقل الطالب من مرحلة الثانوية إلى التعليم الجامعي ولا يجيد في بعض الأحيان القراءة والكتابة.
وهناك طلاب يتعثرون في الكتابة والقراءة السليمتين وأكاد أجزم أن 70 % من خريجي الثانوية القادمين إلى الجامعات لديهم اشكاليات في اللغة العربية وخاصة خريجي مدارس اللغات أو المدارس الاجنبية.
أما الجانب الثاني فيقع على عاتق الأهل والجامعات ووسائل الإعلام التي لا تضطلع بمسؤوليتها في هذا الجانب.
ويختتم قائلاً: إن إتقان اللغة العربية، ليس مرادفاً، كما يظن البعض، لضعف القدرات والمعلومات عن لغات الأخرى، فهذه ثنائية لا توجد إلا في ذهن البعض، ولا وجود لها على أرض الواقع، فالمطالبة بالاهتمام بالعربية، لا تعني إهمال الإنجليزية والعكس صحيح.
توفل للغة العربية
من جانبه يقول الدكتور خالد الخاجة عميد كلية المعلومات والإعلام والعلوم الانسانية في جامعة عجمان: إن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تشترط على الطلبة إجادة اللغة الانجليزية للالتحاق بأي برنامج دراسي في الجامعات، بينما لا تشترط ذلك بالنسبة للغة العربية، ويطلب من الطالب التقدم إلى امتحان توفل باللغة الانجليزية، وبالتالي فإن اللغة العربية لم تعد من أولويات القبول في الجامعات، مشيرا إلى أن ضعف طلبة التعليم العام باللغة العربية سببه ضعف مخرجات التعليم العام.
ويقول: ثمة اشكالية في تدريس اللغة العربية في المدارس، وهي مشكلة التلقين ومناهج حشو المعلومات والقواعد في رأس الطلبة من دون معرفة عملية لكيفية استخدامها، بينما لا نجد على سبيل المثال في تصحيح إجابات الطلبة في المدارس بمختلف المواد الدراسية الاهتمام إلا بصحة المعلومة في الاجابة عن الاسئلة، من دون النظر إلى طريقة صياغة الطالب للمعلومة أو إجادة اللغة العربية أو الأخطاء الكتابية والنحوية.
ويطالب بتخصيص درجات على إجادة الطالب للغة العربية عند تصحيح أي ورقة امتحانات في جميع المواد الدراسية، فالأمة في حاجة إلى إعادة توثيق عرى العلاقة فيما بينها وبين لغتها، وهذا واحد من أهم مشروعات البعث والإحياء، إن صح التعبير.
وشدد الدكتور الخاجة على أهمية أن يكون هناك امتحان باللغة العربية لطلبة الجامعات موازياً لامتحان التوفل باللغة الانجليزية، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن الجامعات لو فرضت امتحاناً باللغة العربية على الطلبة الذين سيلتحقون بكليات الإعلام ستقفل كليات الاعلام أبوابها ولن تجد إلا ما ندر من الطلبة للالتحاق بها، منوها بأن كليات الاعلام تحاول تهيئة الطالب فيما يخص مهارات الكتابة وفنونها.
التعميم خطأ
وبدورها تقول الدكتورة حصة لوتاه أستاذة مساعدة في قسم الاتصال الجماهيري في جامعة الامارات: إن ثمة ضعفاً في اللغة العربية لدى طلبة كلية الإعلام، وهذا الواقع ينسحب على مختلف طلبات الكليات الأخرى ومن الخطأ التعميم، فالضعف في اللغة العربية ليس عاماً وهناك طلبة في كليات الاعلام لغتهم العربية جيدة.
وترى أن كليات الاعلام في الدول العربية بشكل عام متطلباتها غير محددة بدقة، وبالتالي لا تنظر إلى نوعية الطلبة الذين يلتحقون بها من حيث اجادتهم للغة العربية أو غيرها، لافتة إلى أنها عندما التحقت بجامعة الامارات مدرسة في قسم الاعلام عملت على تغيير معدلات القبول وكانت ردة الفعل سلبية وبدأ الطلبة يشتكون صعوبة الأمر عليهم، وكان الهدف من هذا التغيير تغيير نظرة المتعلمين إلى قسم الاعلام والتأكيد أنه لن يلتحق الطلبة بدراسة الاعلام بسهولة، فعملنا على اجراء امتحان تحريري باللغة العربية وآخر شفوي حتى نتعرف عن كثب مقدرات الطالب، كما رفعنا شرط القبول للالتحاق بقسم الاعلام وأصبح المعدل المطلوب من الطالب 75 % بعد أن كان 65 % وطلبنا معدلا تراكمياً لا يقل عن 2.5، وكانت النتيجة ايجابية فمعظم الطلبة الذين التحقوا بالقسم فيما بعد هذه التغيرات كانوا أكثر امتلاكاً لأدواتهم اللغوية.
وتؤكد الدكتورة لوتاه أن اتقان اللغة الأم للطالب يساعده على اتقان اللغات الاخرى وأن تراجع الاهتمام باللغة العربية يؤثر في تحصيل الطالب بالنسبة إلى الغات الاخرى، مشيرة إلى أن بعض المدرسين في الجامعات لا يبذلون المجهود المطلوب لتزويد الطلبة بمهارات اللغة العربية .
ظاهرة ملحة
الدكتورة حنان حيرب مديرة قسم الإعلام في كلية تقنية دبي للطلبات تقول إن الضعف العام في اللغة العربية يشكل ظاهرة ملحة تستدعي البحث والعمل على إيجاد الحلول، وقبل استعراض ملامح الضعف واقتراحات العلاج لابد أولا من توصيف الظاهرة ، وما مظاهر الضعف في اللغة العربية؟
وتضيف: نستقبل في كلية دبي التقنية طالبات من مدارس تتعامل مع مناهج اللغة العربية بطرق مختلفة، منها ما يقدم مناهج مكثفة تثقل كاهل الطالب بالمعلومات والقواعد وحشو الرأس بنصوص يتم تلقينهم بها، الأمر الذي لا يمكن في نهاية المطاف من القدرة على التحاور والمناظرة والعروض الشفهية والتعبير عن الذات والكتابة بتسلسل منطقي يتمحور على الفكرة الرئيسية، في الوقت الذي قد يكون قادراً على الحفظ والاستذكار غير المجدي الذي لا يرتبط غالباً بفهم للموضوع.
ومنها ما يقدم مناهج مختزلة موجزة لا تغطي المتطلبات الأساسية لمادة اللغة العربية، حيث تركز تلك المدارس على مناهج اللغة الانجليزية التي تركز على التطبيق والعروض والتحدث والكتابة المنهجية، ما يؤهل الطالبات بتقنيات الحوار والمناقشة والعرض، وربما تتمكن الطالبة هنا من الاستفادة من هذه المهارات وتطبيقها على منهج اللغة العربية، لكنها تعاني بالضرورة من فقر المعجم اللغوي ونقص المفردات المناسبة.
وتشير إلى أن الاكاديميين في قسم الإعلام بين طالبة تمتلك التقنيات "القواعد" ولا تمتلك المفردات، وطالبة تمتلك المفردات ولا تمتلك التقنيات، وأمام هاتين الحالتين عمدت الكلية إلى طرق علاجية حيوية لتزويد الطالبات (خريجات المستقبل) اللواتي سيعملن في مواقع عمل لابد على الأغلب لمن يشغلها من إتقان اللغة العربية، كاعتماد استراتيجيات التدريس التطبيقي، الذي يعتمد ولا يقتصر على استراتيجية التدريس النظري، حيث حضور المحاضرات، وتسجيل النقاط المهمة، وإعداد التقارير، وتلخيص ومراجعة الكتب، والخوض في مناظرات وحوارات، وإغناء المعجم المتخصص من خلال مهارات الإعلام في برنامج الاتصال الجماهيري باعتباره البرنامج الوحيد في قائمة البرامج الأكاديمية في كليات التقنية العليا الذي يطرح مادة اللغة العربية، و يطرح مواد اللغة العربية بحلة إعلامية حرصا على تزويد الخريجات بالمهارات اللازمة بعد التخرج، حيث يعملن في الصحف والتلفزيونات، والإذاعات ومواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب تعزيز الكلية عادات القراءة وحضور المحاضرات من خلال النوادي والأنشطة، كنادي سراج المعرفة.
برامج تقوية
تخطط كلية تقنية دبي للطالبات لطرح برامج تقوية تقدم مهارات اللغة العربية التي تحتاج إليها الطالبة في مواقع العمل بعد التخرج، وتساهم الكلية أيضا من خلال مشاركة أعضاء الهيئة التدريسية في إعداد مناهج اللغة العربية لبرنامج قسم الإعلام بدمج مهارات اللغة العربية بالمهارات الأكاديمية المتخصصة، كي لا تدرس اللغة العربية بمعزل عن المواد الأخرى، كما تهتم الكلية بتطبيقات الترجمة، وتقنيات البحث الأكاديمي. ويرى الأكاديميون في الكلية أن مأزق تعليم اللغة العربية يزداد بازدياد الهوة بين المنهج وبين متطلبات المتعلم.
كما يزداد بازدياد الهوة بين لغة التنظير ولغة التطبيق، ويحتاج تعليم اللغة العربية إلى تحديث أدوات وطرق التعليم، كما يحتاج إلى مدرسين يقتربون بأدواتهم من المتعلم اليافع الذي أصبح بارعاً في استخدام أدوات التواصل الاجتماعي ربما أو على الأغلب بما يتفوق به على معلميه، وأخيرا فإن المساحة المخصصة في المنهج التعليمي الجامعي لا تكفي لمعالجة الخلل، لابد من أن تتعاون جهات العمل، والمدارس والجامعات في تحديد الهدف من تعليم اللغة العربية، وتحديد هدف يساعد على تحديد مدخلات التعلم ثم الحصول على المخرجات المرجوة.
تأثير
د. أحمد العموش: المربيات الأجنبيات مصدر خطر على اللغة
قال الدكتور أحمد العموش عميد كلية الآداب والعلوم الانسانية والاجتماعية في جامعة الشارقة، إن الطفل العربي الذي ينشأ غريبا عن لغته الأم يشب منفصلاً عن واقعه الحضاري وجذوره الثقافية، ومن ثم ينخفض انتماؤه إلى وطنه وأمته.
وأضاف: إن اللغة هي ضمير الامة وإذا ضعف هذا الضمير حتما سينعكس هذا الضعف على الأسرة والمجتمع العربي على حد سواء.
واضاف إن ما يميز الامة العربية هو أن لغتها ترتبط بعقيدتها الدينية، فهي لغة القرآن الكريم، ومن ثم تتجاوز وظيفتها كأداة تخاطب، وتصبح عنصرا ثقافيا أصيلاً.
ويجب الاهتمام بلغة الضاد وتعليمها لطلبتنا بالشكل الصحيح، وأن يكون هناك وعي مجتمعي بأهمية هذا الامر، منوها بأهمية دور الاسرة في تعليم الأطفال لغتهم الأم، وعدم الاعتماد على المربيات حتى لا يكتسب الأطفال لغة المربيات أو لغة عربية مكسرة من خلال التأثير في النطق السليم والتحدث، مما يؤثر في مضامين اللغة الام ويفقد الطفل اكتساب مفرداتها.
وأشار إلى أن المربية مصدر يكتسب منها الطفل قيمه وتقاليده وعاداته، ويتأثر الطفل بلغتها وتصبح لغته مختلطة بلغة المربية وبلغة المجتمع أو الأسرة، ويصبح الطفل يعاني تناقضا بين ما قد يسمعه من الأم في طريقة المعاملة والمحادثة وما قد يسمعه من المربية الذي يكون غالباً لغة المربية الأصلية مع بعض المفردات المحلية، وهنا ينشأ الطفل غريبا إلى حد ما عن لغته مما يشكل خطرا على هويته وانتمائه.
ضرورة
مطالبة كليات الإعلام الاهتمام بالعربية
طالب أكاديميون برفع متطلبات وشروط قبول الطلبة في كليات الإعلام، حتى يتم استقطاب طلبة متميزين وقادرين على حمل مشاعل التنوير للأمة، غير أن بعضهم الآخر ارتأى أن تهتم كليات الإعلام بتكثيف المساقات اللغوية حتى يتسلح خريجوها بالوعي والمعرفة اللازمين. وأكد أكاديميون أنه من الضروري أن يتحلى طلبة وخريجو الإعلام بالقدرات اللغوية التي تساعدهم على إيصال المعلومات للرأي العام، موضحين أن وظيفة الإعلام لا تقتصر على الأخبار، وإنما أيضاً على التوعية والتثقيف، وهذه الوظيفة من أسمى وظائف وسائل الاتصال الجماهيرية.
