سلط مؤتمر مرتكزات التعليم المدرسي الذي اختتم أعماله في أبوظبي أول من أمس، ونظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية الضوء على عدد من التحديات التي تواجه التعليم في الدولة، وأبرزها تراجع استخدام اللغة العربية مقابل التركيز على اللغة الانجليزية والتعليم الخاص وضعف مشاركة المجتمع في العملية التعليمية، ودعا إلى ضرورة توافق مخرجات التعليم مع سوق العمل.

وأكد الدكتور جمال سند السويدي المدير العام لمركز الدراسات الاستراتيجية أن دولة الإمارات لا تتوانى عن التطوير المستمر للتعليم ليواكب متطلبات العصر، وهو أمر تقوم به ثلاثية "الدولة والمجتمع والمدرسة". لافتاً إلى أنه في هذا السياق تأتي الحاجة إلى النقاش المستمر وتبادل الخبرات؛ للحفاظ على تقدّم المنظومة التعليمية، من حيث هي مرتكز رئيس في استراتيجية التنمية البشرية والاقتصادية.

وأكّد أن دولة الإمارات في حاجة الآن إلى مناقشة العوامل المؤثرة في العملية التعليمية، حتى تستطيع تحقيق الأهداف الوطنية، وتكون قادرة على استيعاب التطورات كلّها في هذا المجال التربوي، قائلاً "إن العلم ولا ريب إحدى ضمانات المستقبل".

وأشار الدكتور جمال سند السويدي إلى أنه انطلاقاً من رؤية "مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية" لأهمية التعليم، فقد قرر تخصيص مؤتمره السنوي الثاني للتعليم لتفعيل النقاش حول القضايا والموضوعات المرتبطة بالتعليم المدرسي، مؤكدا أن المؤتمر ناقش دور السياسات والتشريعات في تطوير نظم التعليم، والعلاقة بين المجتمع والعملية التعليمية، ومتطلّبات رفع كفاءة العاملين في قطاع التعليم، ومقوّمات بناء الطالب الإماراتي، وتفعيل دور الأسرة التربوي لضمان تكامل المنظومة التعليمية، والمأزق الراهن الذي يواجه التعليم في تطوير المناهج المدرسية، وكيفية ضمان الجودة في نظمه.

وأضاف أن المؤتمر ضم نخبة متميزة من المشاركين من صنّاع القرار والخبراء والمتخصصين والأكاديميين والباحثين المهتمين بالقضايا المثارة، الذين يشكّلون طيفاً واسعاً من الآراء والخبرات الرفيعة المستوى.

ضعف اللغة العربية

وكشفت لولوة المرزوقي مديرة الخبرات الميدانية بكلية التربية في جامعة زايد أن أحد الشواغل الرئيسة المتعلقة بالتعليم المدرسي في دولة الإمارات في الوقت الراهن، هو الوضع غير المُرضي لتدريس اللغة العربية.

وقالت لولوة في ورقة عمل قدمتها أمام مؤتمر مرتكزات التعليم المدرسي الذي اختتم أعماله أخيرا بأبوظبي، ونظمه مركز الإمارات للدراسات الإستراتيجية ، إن هذا الوضع يعد نتيجة حتمية نسبياً للهيمنة العالمية المتزايدة للّغة الإنجليزية وهناك مخاوف من أنه ما لم يتم إدخال إصلاحات فعالة، فإن استخدام اللغة العربية في النظام التعليمي لدولة الإمارات سيتراجع.

وقالت إن ذلك سيكون تطوراً خطيراً؛ نظراً لأهمية اللغة العربية بالنسبة إلى هوية مواطني دولة الإمارات، وبينما نستطيع القول إن التوقعات بشأن اختفاء اللغة العربية خاطئة، فإن هناك حاجة ملحة لتحسين تدريس اللغة العربية بطريقة تصبح معها قادرة على تلبية حاجات طلاب اليوم.

أساليب التدريس

وعبرت لولوة عن مخاوفها من أن أساليب التدريس الحالية المستخدمة في مدارس دولة الإمارات، ليست كافية لإعداد الطلاب الإماراتيين لمواجهة تحديات سوق العمل والمشاركة الكاملة في الحياة الوطنية كمواطنين فعّالين.

وقالت : إننا بحاجة إلى درس طرق جديدة لتحسين تجربة التعلّم لدى هؤلاء الطلاب في المستقبل. وهناك عدد من المقترحات التي ينبغي بحثها. فعلى سبيل المثال، تشير مجموعة متنوعة من المشاريع البحثية إلى إمكان استخدام تكنولوجيات المعلومات الجديدة، مثل: الفيسبوك وتويتر، للارتقاء بمستويات الإلمام بالقراءة والكتابة لدى الطلاب. وبما أن هذه التقنيات تحظى بشعبية كبيرة لدى جيل الشباب في الوقت الحاضر، فإنه لا يوجد ما يمنع تكييفها مع التجربة التعلّمية المدرسية.

وأضافت من أجل تحقيق التحسينات العاجلة المطلوبة في نظام التعليم في دولة الإمارات، هناك حاجة لمجهود جماعي يأخذ في الاعتبار بشكل كامل الثقافة المتميزة للدولة. وقبل كل شيء، يجب أن تكون هناك مشاركة أكبر لمواطني دولة الإمارات في جوانب النظام المدرسي كافة. وفي هذا السياق، لا بد أن يضطلع الإماراتيون بدور فعال في التدريس بالمدارس. ومكمن الخطر أنه ما لم يتم توسيع هذه المشاركة، فسيصاب الطلاب الإماراتيون بخيبة الأمل إزاء نوعية التجربة المدرسية والتعليمية المقدَّمة لهم حالياً.

وضع حرج

وفي السياق نفسه اكدت فاطمة بدري استاذ قسم اللغة الانجليزية في الجامعة الامريكية في الشارقة أن هناك حاجة ماسّة للتركيز على مسألة اللغة في جميع استراتيجيات التعليم. فاللغة تلعب دوراً أساسياً في سياق اكتساب المعرفة وتطوير الهوية الثقافية. ومن المتفق عليه، بصفة عامة، أن اللغة الإنجليزية لها دور أساسي بصفتها لغة العولمة. ونظراً لأهمية اللغة الإنجليزية، تبني العديد من الدول استراتيجيات وطنية مختلفة للحفاظ على لغتها الأم، إلى جانب تدريس اللغة الإنجليزية كلغة ثانية بالمدارس. لكن الأمر مختلف في أفريقيا وآسيا، حيث عانت اللغات الوطنية هناك بسبب الإنجليزية. وتعرضت اللغات الوطنية، في بعض الحالات الحرجة، للخطر نتيجة وجود أوجه خلل في الاستراتيجيات التعليمية المتبناة في هذه المنطقة. وفي الدول العربية، ثمة حاجة للتغلب على مسألة الفوارق والاختلافات بين اللغة العربية الحديثة واللهجات المحلية.

وقالت انه مع إلزامية تعلم اللغة الإنجليزية، صارت اللغة العربية عُرضة للخطر من أن يُحطّ من قدرها كوسيلة للتواصل الاجتماعي والثقافي. ويعزز هذا الاتجاه ميل الآباء لتشجيع أبنائهم على التحدث باللغة الإنجليزية على حساب لغتهم الأم. وفي دولة الإمارات، تبرز الحاجة لوضع استراتيجية وطنية جديدة لضمان التعلم باللغتين العربية والإنجليزية. كمان أن هناك حاجة من جديد لتأكيد أهمية تعلم اللغة العربية وإتقانها. وبالتالي، فإن استراتيجيات تعلم اللغة الوطنية ستلبي احتياجات أهداف الحداثة والعولمة مع الحفاظ على الهوية الوطنية الإماراتية وتعزيزها.

الاستراتيجيات

وفيما يتعلق بالاستراتيجيات الحالية المتبناة في أبوظبي ودبي أشارت الى أن هناك اعتراف باستخدام تعليم اللغة لتسهيل التفاعل الدولي وتطوير الشعور القوي بالهوية الوطنية. بيد أن اللغة الإنجليزية تستخدم عملياً كوسيط لتعلم الموضوعات الحديثة، بينما تستخدم اللغة العربية في الأساس لتدريس المواد "التقليدية". فاللغة العربية ترمز إلى الوطنية والأصالة، في حين ترمز اللغة الإنجليزية إلى الحداثة والعولمة. ومن المشاكل القائمة، أن التقدير الذي تحظى به اللغة الإنجليزية حالياً يساعد على تقويض الدور التقليدي للغة العربية.

وأوضحت انه في الوقت الراهن، هناك تشديد على أن تكون البيانات الصادرة عن المؤسسات الحكومية والتعليمية في دولة الإمارات باللغتين العربية والإنجليزية. كما أن هناك تأكيداً على اتخاذ بعض التدابير الخاصة لتحسين مستويات التعلم باللغتين العربية والإنجليزية. فيمكن للمرء إتقان اللغة الأجنبية دون أن يكون ذلك على حساب إتقانه لغته الأم.