أظهرت دراسة حديثة أجرتها كلية دبي للإدارة الحكومية بعنوان"اتجاهات التعليم الخصوصي في دولة الامارات " أن أكثر من % 65 من الطلاب الإماراتيين في مرحلة الدراسة الثانوية يتلقون دروساً خصوصية، وأن 52.5 % من المعلمين الذكور الذين يعطون الدروس الخصوصية هم نفس المعلمين الذين يقومون بتدريس طلابهم داخل الفصول.
وأن هذه الحالة لا تنطبق سوى على % 7 من المعلمات ،وفي الوقت الذي يمكن أن تعود فيه الدروس الخصوصية بالنفع على كل من الطلاب والمعلمين، فإن لهذه الظاهرة آثار سلبية خطيرة على الأفراد المعنيين وعلى النظام التعليمي ككل.
وقالت سمر فرح باحث مشارك في كلية دبي للإدارة الحكومية التي أجرت الدراسة إن التعليم الخصوصي، الذي يطلق عليه أيضا "التعليم في الظل " نظرا لطبيعته غير الرسمية ظاهرة عالمية تنمو بشكل مضطرد، وقد تمثل حوالي % 3 من الناتج المحلي الإجمالي لبعض الدول، و انتشرت الدروس الخصوصية في العديد من دول العالم كنظام موازٍ لنظم التعليم الحكومي، وفي العقود الأخيرة تسببت في تغيير ملحوظ لأحوال نظم التعليم الرسمية.
توصيات
وأوصت الباحثة فرح بصياغة قاعدة خاصة بالمعايير الأخلاقية للمعلمين ويجب أن تلعب المدارس ومديروها دوراً أكثر فعالية لتنظيم الدروس الخصوصية، وبإمكانهم تحقيق ذلك عن طريق صياغة قاعدة خاصة بسلوك المعلمين بهدف توجيههم فيما يتعلق بالمعايير الأخلاقية والآثار المترتبة على الانخراط في إعطاء الدروس الخصوصية لنفس طلابهم في الصف.
وينبغي أن يقترن ذلك بمراقبة المعلمين بشكل أكبر من قبل الإدارات المدرسية ومفتشي الوزارة للتأكد من أن المعلمين يعاملون الطلاب بطريقة متساوية وعادلة داخل الصف، ولا يقومون بإعطاء نفس طلابهم دروساً خصوصية خارج الصف.
ودعت إلى توفير دروس تقوية برعاية المدرسة على غرار ما قام به عدد من المدارس الخاصة وبعض المدارس العامة في الإمارات بتطبيق برنامج تعليمي ناجح وذلك بإعطاء دروس تقوية في المدرسة بعد ساعات الدوام الرسمية وبتمويل من المدارس وبدرجة أقل، من أولياء الأمور وبتكلفة أقل من تكلفة الدروس الخصوصية.
كما دعت الباحثة إلى إعادة النظر في آليات التوظيف والحوافز المقدمة للمعلمين لأن النظام التعليمي هو الآلية المركزية للتنمية الوطنية، ومن المهم إعادة النظر في هياكل التوظيف والحوافز المقدمة للمعلمين الوافدين، وعلى وزارة التربية والتعليم إعادة النظر في عواقب توظيف أكثر من % 80 من المعلمين الوافدين الذكور من الدول التي تنتشر فيها الدروس الخصوصية، والذين يقومون باستيراد ثقافة الدروس الخصوصية المنتشرة معهم من بلدانهم.
وطالبت الباحثة بإشراك أولياء أمور الطلاب ونشر التوعية بينهم، و يتحتم على الوزارة والمدارس العمل مع أولياء الأمور بشكل وثيق لتوعيتهم حول بعض الآثار السلبية الناجمة عن أخذ الدروس الخصوصية، وذلك من خلال تنظيم حملات التوعية ووضع آليات أفضل للتواصل معهم.
ونوهت بأهمية إجراء المزيد من البحوث حول نظام التعليم في الظل بدولة الإمارات، حيث لا تزال هناك حاجة ماسة للقيام بالمزيد من البحوث بهدف توفير صورة أكثر توضيحاً لمدى استخدام الطلاب الإماراتيين والوافدين لهذا النظام، والموضوع الآخر الذي يحتاج للمزيد من الدراسة هو تأثير الطلاب الذين يتلقون الدروس الخصوصية على أقرانهم، حيث أكد أكثر من % 80 من الطلاب أنهم يتلقون الدروس الخصوصية في مجموعات بدلا من تلقيها بشكل فردي.
مشكلات
وأوضحت الباحثة فرح أن بعض أشكال التعليم الخصوصي تعم بالفائدة على الطلاب والمعلمين على حد سواء، وتعد أبرز تلك الفوائد هي تقديم المساعدة الأكاديمية للطلاب الذين يحتاجون لمساعدة إضافية وقد تمثل الدروس الخصوصية للمعلمين مصدراً إضافياً للدخل هم في أمس الحاجة إليه بسبب الأجور المنخفضة في نظام التعليم الرسمي، ومع ذلك هناك مشكلات خطيرة تنتج عن الدروس الخصوصية والتي قد تؤثر بالتالي على نوعية وجودة التعليم الذي يقدمه النظام المدرسي.
أولا: لا توجد أدلة قاطعة تؤكد أن الدروس الخصوصية ترفع من إجمالي معدلات وإنجازات الطلاب على المستوى الوطني، وأن الدروس الخصوصية في الواقع قد تتسبب في خفض مستوى جودة التدريس والتعلم داخل الفصل إن ركز المعلمون جهودهم على الدروس الخصوصية بدلا من تركيزهم داخل الفصول.
ثانيا: يمكن أن تتسبب الدروس الخصوصية في الفساد، خصوصا إن قام المعلمون بإعطاء الدروس الخصوصية لنفس طلابهم الذين يدرسونهم في المدرسة، وتؤكد نتائج البحوث من قبرص ومصر واندونيسيا والنيجر وكينيا وبعض الدول الأخرى في العالم أن المعلمين الذين يقومون بإعطاء نفس طلابهم في الصف الدروس الخصوصية بعد مواعيد المدرسية كثيراً ما يعاملون طلابهم بنوع من المحاباة.
أو يقومون بابتزاز الطلاب الآخرين، وفي بعض الحالات يقومون بتزويد طلابهم بإجابات أسئلة الامتحانات. ثالثا: إن الدروس الخصوصية لها كلفة فيمكن أن ينتج عنها مشكلات جوهرية فيما يتعلق بضمان المساواة والعدالة داخل نظام التعليم الحكومي.
عواقب
وفيما يتعلق بالعواقب المترتبة على التعليم العام في دولة الإمارات عند دراسة نتائج الاستبيان، لاحظت الباحثة وجود اتجاهين بارزين يؤثران بشكل كبير على التعليم العام ، الاتجاه الأول هو أن المعلمين الذكور أكثر عرضة للانخراط في الدروس الخصوصية مقارنة بنظرائهم المعلمات.
حيث تبين أن % 92 من إجمالي المعلمين الذكور هم من الوافدين العرب، وتقريبا نصف المعلمين الذين يعطون الدروس الخصوصية هم نفس المعلمين الذين يقومون بتدريس طلابهم داخل الصفوف، مما قد يؤثر على نوعية وجودة التعليم في مدارس البنين لأنه يفسد العلاقة بين الطلاب ومدرسيهم ، خلافا لما عليه الحال في مدارس البنات التي تضم في الغالب معلمات إماراتيات نادرا ما ينخرطن في إعطاء دروس خصوصية، تقوم مدارس البنين باستيراد ثقافة الدروس الخصوصية مع استيرادها للمعلمين الوافدين، ويرى الكثيرون أن قلة رواتب المعلمين الوافدين هي السبب الذي يدفعهم إلى إعطاء الدروس الخصوصية.
الاتجاه الثاني: يتمثل بوجود صلة واضحة بين مستوى تعليم أولياء الأمور والالتحاق بالدروس الخصوصية، ويبدو أن أولياء الأمور المتعلمين يفضلون اللجوء إلى الدروس الخصوصية، وباختصار، ينجم عن ذلك خلق هوة بين الذين يتمكنون من دفع أجور الدروس الخصوصية والذين لا يتمكنون من دفعها، ومن الممكن أن تؤدي سوق الدروس الخصوصية إلى توسيع هذه الفجوة بين الطلاب الإماراتيين من مختلف الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية.
أدلة متزايدة
وأشارت الباحثة فرح إلى أن هناك أدلة متزايدة على انتشار الدروس الخصوصية بشكل واسع في دولة الإمارات ،وعلى آثارها الخطيرة على نظام التعليم العام، وقامت وسائل الإعلام بنشر العديد من المقالات باللغة العربية وضحت فيها بعض الآثار السلبية التي تسبب فيها نظام التعليم في الظل على الطلاب وأسرهم.
وتشمل الأمثلة آباء تقدموا بالشكاوى لأنهم أجبروا على إلغاء عطلتهم الصيفية، أو اضطروا لأخذ قروض وصلت إلى 75 ألف درهم لدفع تكاليف الدروس الخصوصية لأطفالهم. ويذكر أن تكاليف الدروس الخصوصية تتراوح ما بين 100-200 درهم، كمعدل للساعة الواحدة، وقد ترتفع هذه الأجور لتصل إلى ألف درهم للساعة الواحدة في الأسابيع التي تسبق الامتحانات الفصلية .
وبالرغم من التقارير المتعددة التي نشرتها الصحف حول هذه القضية وحتى يومنا هذا، لم يتم إجراء سوى القليل من الدراسات المنهجية حولها، كما أنه لا تتوفر إلا القليل من البيانات حول أثر هذه القضايا على الطلاب وأسرهم، وعلى النظام التعليمي ككل، وبهدف التوصل إلى فهم أفضل للمشكلة، أجرت كلية دبي للإدارة الحكومية مؤخراً دراسة حول تجارب الطلاب الإماراتيين فيما يتعلق بالدروس الخصوصية خلال السنة الأخيرة من دراستهم في المرحلة الثانوية في مدارس مختلفة.
وشملت عينة الدراسة 180 من الطلاب 82 طالبا و 98 طالبة جميعهم مسجلون في السنة التأسيسية بجامعة الإمارات، واستندت هذه الدراسة إلى استبيان سابق أجراه سيلوفا وبراي 2006 حول الدروس الخصوصية في تسعة دول في أوروبا الشرقية، وطرح أسئلة على الطلاب حول خلفيتهم التعليمية والعائلية، وتجاربهم فيما يتعلق بالدروس الخصوصية خلال السنة الأخيرة من دراستهم الثانوية، بالإضافة إلى تصوراتهم وآرائهم العامة حول الدروس الخصوصية.
نتائج البحث
بعد دراسة إجابات الطلبة تبين أن % 87 من الطلاب درسوا في المدارس الحكومية، بينما
2.3 % درسوا في المدارس العربية الخاصة التي يتم فيها تدريس مناهج وزارة التربية والتعليم، و% 4.5 درسوا في المدارس الانجليزية الخاصة، بينما كان % 6.2 مسجلين في معهد التكنولوجيا التطبيقية.
وعندما سئلوا عن تجاربهم فيما يتعلق بالدروس الخصوصية، أفاد % 66 من الطلاب بأنهم استعانوا بمدرس خصوصي في السنة الأخيرة من دراستهم في مادة دراسية أو مادتين، وعندما سئل المشاركون عن الدروس الخصوصية في واحدة أو أكثر من السنوات الدراسية السابقة، ذكر % 53 من الطلاب المشاركين أنهم تلقوا دروساً خصوصية.
وكانت هناك اختلافات واضحة بين الطلاب والطالبات في الصف الدراسي 12 ، حيث تبين أن الطلاب هم على الأرجح إلى حد كبير من يأخذون الدروس الخصوصية، وفي عدد أكبر من المواد الدراسية، مقارنة بالطالبات و تبين أن % 55 من البنين و% 47 من البنات أفادوا بأنهم استعانوا بمدرس خصوصي. كما أوضحت نتائج الاستبيان أن مادتي الرياضيات والفيزياء هما أكثر مادتين تلقى فيها الطلاب من الذكور والإناث الدروس الخصوصية، من بين كافة المواد الدراسية، ومن المثير للاهتمام أن الطلاب كانوا أكثر عرضة لأخذ الدروس الخصوصية بمادة الرياضيات مقارنة بالطالبات.
حيث أفاد حوالي 75 % من الذكور و% 48 من الإناث بأنهم تلقوا دروسا الخصوصية في مادة الرياضيات خلال السنة الأخيرة من مرحلة الدراسة الثانوية. وبالمثل كان الطلاب أكثر عرضة لأخذ الدروس الخصوصية في مادة الأحياء مقارنة بالطالبات، حيث أوضحت النتائج أن 43 % من الطلاب أخذوا دروساً خصوصية في علم الأحياء، بينما أخذت 10 % فقط من الطالبات دروساً خصوصية في هذه المادة، مما يوضح الفارق الكبير بين الطلاب والطالبات.
تنوع كبير
كما كان هناك تنوع كبير في أسلوب تلقي الدروس الخصوصية، حيث أفاد % 73 من الطلاب بأنهم تلقوا الدروس الخصوصية طيلة السنة الدراسية أما بانتظام أو أحيانا، بينما أفاد % 18 منهم بأن الدروس كانت بشكل حصص فردية مع المعلم.
وفضَّل معظم الطلاب أخذ الدروس الخصوصية في مجموعات تضم من 2 إلى 5 طلاب أو أكثر، وبغض النظر عن أسلوب أو معدل الدروس الخصوصية، أفاد ما يزيد على % 80 من الطلاب الذين شاركوا فيها، بأن للدروس الخصوصية بعض المردود الايجابي على دراستهم، وهذا يعني أن الطلاب شعروا حقا بأن هناك فائدة مكتسبة من بذل المزيد من الوقت في دراسة مواد معينة مع المدرس الخصوصي.
أو أنهم يعتقدون بأن هناك قصور في نظام التدريس، أو ربما ببساطة أرادوا تجنب ذكر أن الدروس الخصوصية لم يكن لها أي تأثير إيجابي على دراستهم. وتعد التركيبة السكانية للمعلمين مثيرة للاهتمام، حيث أظهرت النتائج بأن % 82.5 من المعلمين هم من الرجال. وهذه النتائج توافق الاتجاهات العامة في منطقة الشرق الأوسط.
حيث نجد في العادة بأن للمرأة التزامات عائلية، ويعتبر من غير اللائق اجتماعيا لها العمل في بيوت الطلاب، وذلك يتماشى مع إجابات الطلاب حيث اتفق 70 % من الطلاب مع الرأي القائل بأن أحد أهم الأسباب التي تدفع المعلمين إلى إعطاء الدروس الخصوصية هو تحقيق دخل مادي إضافي وأن معلمي الصف يشجعون الطلاب الذين يعانون من مشكلات في مادة معينة على أخذ الدروس الخصوصية .
وذكرت الباحثة فرح أن 62 % من الطلاب يوافقون الرأي القائل بأن تدني نوعية التعليم المقدمة في المدارس من أهم الأسباب التي تدفع الطلاب إلى أخذ الدروس الخصوصية ، وعلاوة على ذلك أكد % 77 من الطلبة أن المنهج الدراسي المثقل بالمواد سبب آخر يدفع الطلاب إلى أخذ الدروس الخصوصية ومن الواضح وجود استياء كبير بين أغلبية الطلاب بسبب المشكلتين التي أشرنا إليهما أعلاه فيما يتعلق بالنظام التعليمي.
وبشكل عام، بالرغم من أن الطلاب أكدوا أن الدروس الخصوصية لا ينبغي أن تكون ضرورية للتخرج بنجاح، أفاد معظمهم بأنهم شعروا بالاضطرار لأخذها نظرا لضعف نظام التعليم العام، وعندما سئلوا إن كان يجب على النظام التعليمي أن يكون على مستوى معين بحيث لا يحتاج أي طالب لدروس خصوصية ، أكد % 84.5 من الطلاب بأنهم يتفقون في الرأي مع هذه المقولة.
ولم يتفق أكثر من نصف الطلاب مع عبارة أخذ الدروس الخصوصية هو السبيل الوحيد الذي يضمن تخرج الطلاب من المدرسة أو الحصول على تعليم جيد، وأخيرا أوضحت النتائج بأن هناك علاقة بين أخذ الدروس الخصوصية ومستوى تعليم أولياء الأمور، فقد أظهرت النتائج أن أولياء الأمور الحاصلين على مستويات تعليمية أعلى كانوا أكثر ميلاً لتسجيل أبنائهم في الدروس الخصوصية وفي عدد أكبر من المواد الدراسية.
