دعا الباحثون المشاركون في ندوة «الاستشراف والتخطيط المستقبلي في السنة النبوية» الجامعات العربية والإسلامية لاعتماد مقررات دراسية جامعية، تعنى بالاستشراف والتخطيط المستقبلي في الإسلام، وإنشاء معاهد ومراكز متخصصة في «الدراسات المستقبلية وإدارة الأزمات»، وأن تهتم المناهج التعليمية بتربية الأجيال على الاستشراف والتخطيط وفق الهدي النبوي.
وأوصت الندوة التي نظمتها كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي، بوجوب وأهمية الاعتناء بدراسة مراحل السيرة النبوية المختلفة برؤية استشرافية تخطيطية؛ تكشف مجالات التخطيط عند النبي في مراحلها المتنوعة، وضرورة إنشاء موسوعة الأحاديث النبوية المتعلقة بالاستشراف والتخطيط المستقبلي، مع تبويب نصوص السنة النبوية في الاستشراف والتخطيط المستقبلي بعناوين معبرة تخدم الواقع المعاش وتبشر وتؤمل بمستقبل واعد.
وحثت الندوة على إثراء التأليف والكتابة في موضوع الاستشراف والتخطيط المستقبلي ومقارنة المنهج الإسلامي بغيره من المناهج، من خلال الرسائل الجامعية والجوائز الإسلامية العالمية، وضرورة أن يفتح الباحثون آفاق البحث في الاستشراف والتخطيط المستقبلي لدى الصحابة رضوان الله عليهم وغيرهم.
16 بحثاً
وقد ناقشت ندوة «الاستشراف والتخطيط المستقبلي» التي نظمتها كلية الدراسات الإسلامية والعربية على مدى يومين متاليين 16 بحثا، تحدثت عن مفهوم التخطيط واستشراف المستقبل من خلال السيرة النبوية العطرة وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم.
وفي لقاء مع الدكتور سعيد عبدالله حارب عضو مجلس أمناء كلية الدراسات الإسلامية والعربية قال: إن الكلية تعتبر من أوائل الكليات التي أنشئت في الدولة، وأثمرت الآلاف من الطلبة والطالبات، مشيرا إلى أن الكلية تطورت كثيرا خلال مسيرتها العلمية وقامت بمنح درجة الماجستير، ومن أوائل الكليات التي تمنح درجة الدكتوراه قريبا، حيث سيتم مناقشة رسالة دكتوراه لإحدى الطالبات حول «الجرائم الاقتصادية الالكترونية في ضوء الشريعة الإسلامية وقانون الإمارات».
وأوضح الدكتور سعيد حارب أن رؤية الكلية تكمن في تقديم علم شرعي متميز وإضافة الجديد للمعرفة الشرعية، والمعرفة الإنسانية، وقال: إن عناوين ندوة الحديث الشريف التي تنظمها الكلية هي جزء من مقاربة الواقع مع النصوص الشرعية، حيث لا توجد فوارق بين هذه النصوص وبين الواقع الذي يحياه الإنسان.
وأضاف أن موضوعات الندوات السابقة جاءت مع هذا التوجه الخاص بالكلية، وفي هذا العام تم اختيار موضوع مهم وهو الاستشراف والتخطيط في السنة النبوية؛ من اجل تجلية الأحكام والتوجيهات التي أقر بها الإسلام، في رؤية المستقبل والتخطيط له، وإعداد البرامج والاستراتيجيات، ومما لاشك فيه فإن السنة النبوية مليئة بهذه النصوص الشرعية المتميزة.
وقال: إن الدعوات التي يطلقها البعض لفصل القرآن عن السنة تناقض القرآن، ويقول عز وجل «وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا»، والأخذ بالسنة إنما هو تطبيق لنصوص القرآن الكريم، ولا يمكن الفصل بينهما، فالقرآن الكريم وحي بنصه أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما السنة فهي وحي غير مباشر، وكلا المصدرين يمثلان مصدرين رئيسين للمسلمين، وحين تعطل الأخذ بالحديث ستتعطل معظم الأحكام التفصيلية كالعبادات والمعاملات، فالسنة جاءت شارحة للعبادات كالصلاة والزكاة وغيرهما، والدعوة للفصل بين القرآن والسنة تعد مقدمة للتخلي عن القرآن بعد ذلك.
وأكد الدكتور سعيد حارب أن الكلية ستستمر في طرح الموضوعات التي تعالج الأمور الحياتية من خلال «ندوة الحديث الشريف»، التي تنظم كل سنتين، وهناك كثير من الموضوعات التي تحتاج إلى بحث، ومناقشة، وقال: إن الأمانة العامة تقوم بالإعداد والتحضير لهذه الموضوعات، واستشارة المختصين ثم عرض هذه الموضوعات على مجلس الأمناء للأخذ برأيهم، مشيرا إلى أن الأمانة العامة لديها من الخبرة والتجربة بما يمكنها من تحقيق هذا الهدف.
تواصل وتعاون
وعن التعاون بين الكلية والمؤسسات العلمية قال الدكتور سعيد حارب: إن هناك تواصلا وتعاونا بين الكلية وبين الجامعات والكليات على مستوى الدولة، فيما يتعلق ببرامجها وأنشطتها التي تختص بها تحت إشراف وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، كما أن الجامعة تتعاون مع الجامعات العربية والإسلامية من خلال عضويتها في اتحاد الجامعات العربية، ورابطة الجامعات الإسلامية، وهذا التعاون يتمثل في كثير من الصور، ولعل مشاركة أساتذة وباحثين من هذه الجامعات دليل على هذا التعاون.
وقال الدكتور حارب: إن رسائل الماجستير التي نوقشت تشير إلى أن الكلية توجه طلابها وطالباتها إلى دراسة الموضوعات التي تهم مجتمع الإمارات بصفة عامة والبحث العلمي بصفة خاصة، وأشار إلى أن هناك كثير من الأساتذة المتميزين والمعروفين داخل الدولة وخارجها يستعان بهم في مناقشة رسائل الماجستير، بما يشير إلى أن كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي، وضعت مستويات عالية لهذه الرسائل، وبما يشجعها على طرح برنامج الدكتوراه بعد إعداده علميا من لجنة متخصصة، ثم عرضه على مجلس الأمناء للموافقة عليه.
غاية كبرى
ومن جهته قال الدكتور حسام قاسم الأستاذ المشارك في الدراسات الدلالية حول القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة جامعة أوساكا باليابان: إن المقصود بالتخطيط الاستراتيجي التخطيط طويل الأمد، هو الذي يستهدف تحقيق غاية كبرى، من خلال وضع الوسائل المناسبة اعتمادا على قراءة دقيقة للواقع، تحدد ما فيه من معوقات وفرص، وعلى نحو يحقق الكفاءة في استخدام الإمكانات المتاحة لتحقيق رسالة سامية، وهي تخطيط يتصف بالمرحلية والمرونة ووضع البدائل المتعددة.
ويقول د. محمد عبدالفتاح الخطيب دكتور اللغويات والفكر الإسلامي بجامعة الإمارات العربية المتحدة: إن المسلم من المنظور الحضاري الإسلامي، ليس مطالباً باستشراف المستقبل رؤية وتخطيطًا فقط، بل هو مؤتمن عليه أيضاً.
ويؤكد دكتور الخطيب أن الإسلام يملك منظومة قيمية، ضرورية لحداثة إنسانية جديدة، بعيدا عن الحداثة الغربية، وأزماتها، وتطرفاتها في التعامل مع الإنسان ومع الأشياء (بدءا من المحيط الصغير، وانتهاء إلى الكون «الفضاء الكبير»، ببحاره وأفلاكه وطبيعته وكل شيء فيه)، وقال: إن ما تعانيه الأرض اليوم من التلويث والتخريب والعبث، وفقدان «التوازن والتناغم» بسبب الممارسات الخاطئة، التي يقوم بها إنسان منظومة «القيم الكونية»، حيث أطلقت «قيم العولمة»، و«منظومات» الإنتاج والربح والاستهلاك، يد الشركات العملاقة، التي تستثمر وتسوق، حيثما شاءت وكيفما أرادت، بعيدا عن قيمة «الائتمان على المستقبل».
ويقول د. محمد زرمان أستاذ العقيدة الإسلامية كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية باتنة بالجزائر في بحثه «النظرة الإيجابية للمستقبل في السنة النبوية وأثرها في تقدم الفرد والمجتمع»: إن السنة النبوية تشير إلى أن قوة المسلمين وضعفهم مرتبطة إلى حد بعيد بوعيهم بالنظرة الإيجابية للمستقبل، وتفطنهم لضرورتها في إحداث النهضة وتغيير الواقع.
وقال: إنه كلما اتضحت نظرتهم إلى المستقبل وأدركوا مكانتهم في الحياة، واستوعبوا أبعاد الرسالة النبيلة المنوطة بهم قويت العزائم واستعلت على إكراهات الواقع واستشرفت المستقبل بهمة وعزم، وكلما تشوشت هذه النظرة وأصابها الغبش والضبابية استناموا إلى الذل والهوان، واستسلموا لتيارات المسخ والمحو، وضعفت إراداتهم عن مقاومة أساليب الاحتواء.
