تحظى التجربة الفنلندية التعليمية التي بدأ مجلس أبوظبي للتعليم تطبيقها هذا العام ولأول مرة بمدرستين بإمارة ابوظبي باستحسان لما تتميز به من تركيز كبير على الطالب وعلاقته الناجحة مع المعلم والاهم أن المعلم من خلالها لم يعد ملاحقا بهاجس «الخطة الدراسية» بل يتعامل القائمون على التجربة من منطلق مراعاة الفروق الفردية بين الطلبة والتأكد من استيعابهم جميعا للمعلومة والمهارة، لذا فان الشراكة التي أقامها المجلس مع الفنلنديين الذين يتمتعون بسمعة عالمية على مستوى التحصيل العلمي لطلابهم تعد من الشراكات المتميزة المبنية على التعاون الأكاديمي وليس التجاري لنقل المعرفة ورفع المستوى التحصيلي للطلبة وتحقيق اندماج كامل بين المعلمين الإماراتيين ونظرائهم الفنلنديين.

طرق تعليم متميزة

وذكر الدكتور جهاد مهيدات مدير إدارة الشراكات الدولية بمجلس ابوظبي للتعليم أن الطلبة الفنلنديين يعدون من أكثر طلبة العالم تحصيلا علميا حيث تتمتع المدارس هناك بطرق تعليم متميزة وأساليب لنقل المعرفة أثبتت نجاحها وفعاليتها ، مشيرا إلى أن تعاون مجلس ابوظبي للتعليم مع الجانب الفنلندي جاء بهدف الاستفادة من النموذج الفنلندي ونقل المعرفة للطالب ولإدارة المدرسة .

وقال إن الاتفاق بين تعليمي أبوظبي والجانب الفنلندي مدته خمس سنوات تبدأ من العام الدراسي الحالي حيث يطبق الآن في مدرستين بابوظبي والعين من المرحلة التأسيسية لصفوف الأول وحتى الثالث التأسيسي وسيتم العام المقبل إضافة الصف الرابع وفي العام الذي يليه الصف الخامس، وخلال مدة الاتفاقية سيعمل الجانب الفنلندي على نقل خبراته وأساليب التدريس ونقل المعرفة لديه إلى المعلمين المواطنين، حيث يتوجب على الفنلنديين تطوير نظام تربوي تعليمي قابل للانتقال والتطبيق في مدارس أخرى بالدولة بعد انتهاء الخمس سنوات.

وبالنسبة للمعلمين المواطنين الموجودين في المدارس المطبقة للتجربة فإنهم سيكتسبون خبرات هذا النموذج التعليمي الجديد ويصبح بإمكانهم العمل بمدارس أخرى ونقل خبراتهم إليها، كما أن هؤلاء المعلمين وفي إطار الاتفاقية سيتاح لهم فرصة الحصول على الماجستير من فنلندا بالاتفاق مع إحدى الجامعات هناك ، حيث سيدرس المعلمون من خلال كورسات عبر شبكة الانترنت وبعدها سيتقدمون لاختبارات وكتابة رسالة يحصلون بموجبها على الماجستير، كما سيحصلون أيضا على ترخيص يمنحهم الفرصة للتدريس في فنلندا. منوها إلى أنه من المتوقع أن يستفيد نحو (‬40) معلما إماراتيا من هذه الفرصة .

ثقافة جديدة

وذكر د. مهيدات أن التجربة الفنلندية مختلفة عن غيرها من التجارب لكونها تقدم ثقافة تعليم ونقل للمعرفة بأسلوب جديد ، كما أنها تمثل تعاونا أكاديميا وليس تجاريا فهي مبنية على شراكة دولية ومستويات تحصيلية واندماج كامل بين المعلمين الإماراتيين ونظرائهم الفنلنديين، حيث يتميز المعلمون الفنلنديون بطرق التدريس والتحصيل لديهم وتقنيات التعليم والأساليب التي يستخدمونها لضمان فهم الطالب وتنمية مهاراته ، ويتمتعون بخبرة طويلة في مجال ذوي الاحتياجات الخاصة ، والمجلس حاليا لديه إستراتيجية لرعاية طلبة هذه الفئة ويستفيد أيضا من خبرة النموذج الفنلندي في ذلك.

التقييم من الطرفين

وحول آلية التقييم للتجربة وما إذا كان هناك استعانة بجهة محايدة، أوضح د. مهيدات أنه لن يتم الاستعانة بأي جهة محايدة للتقييم لأن التعاون أكاديمي وليس تجاريا، وبالتالي سيتفق المجلس مع الفنلنديين على معايير محددة للتقييم وأساليب قياس لتلك المعايير، وذلك خلال لقاءات ستعقد بينهما بدءا من مارس المقبل بعد أن يكون الفنلنديون قد أعطوا الفرصة الكافية للتعرف على البيئة المدرسية الإماراتية والتعامل مع الطلبة حيث يمكن اعتبار السنة الأولى لتطبيق التجربة بمثابة مرجعية يعتمد عليها للمرحلة المقبلة من حيث أهمية معرفة أين نحن حاليا وما هو مستوى الطلبة وكيف سنصل لتحقيق أهدافنا من التجربة، منوها بأن التجربة الفنلندية تطرح أساليب تدريس ونقل معرفة جديدة من خلال تطبيق مناهج المجلس الجديدة ذات المعايير العالمية.

الفروق الفردية

وتطبيق التجربة حاليا بمدرستين للتعليم الأساسي وهما الأمين للبنين بأبوظبي والراقية للبنات بالعين ، وذكر هاري يوكنين مدير مدرسة الأمين أن التعليم الفنلندي من أفضل الأنظمة التعليمية عالميا طبقا للدراسات والأبحاث ، ورغم ذلك فإنهم في تطبيقهم للتجربة في الإمارات لا يركنون على هذه السمعة الجيدة بل يعملون على تطويره أكثر فأكثر وأن لديهم تعاونا كبيرا مع مجلس أبوظبي للتعليم لتحقيق ذلك. حيث يتعاونون مع المعلمات الإماراتيات الموجودات في المدرسة لتطبيق نموذج تعليمي يتناسب واحتياجات الطلاب، منوها إلى أن المعلم لديهم لابد أن يكون حاصلا على درجة الماجستير في التربية كما يتعرض لدورات تدريبية حول كيفية مواجهة احتياجات الطالب التعليمية مع التركيز على الفروق الفردية ، فكل معلم يعمل على تحديد نوع المساعدة التي يحتاجها الطالب ليفهم المعلومة ويتفاعل في المدرسة.

وأوضح يوكنين أن أهم شيء في العملية التعليمية هو ما يحدث داخل الصف الدراسي أي العلاقة بين المعلم و الطالب، وأن لديهم الإمكانات المهنية لتفعيل تلك العلاقة بالتعاون مع المعلمات الموجودات بالمدرسة، مشيرا إلى أن الأساس في التعليم داخل الصف هو فهم احتياجات الطالب و جعله هو العنصر الفاعل والمنتج في الصف وليس المتلقي.

كما تحدث حول ما لمسه من فروق فردية بين الطلبة ووجود تفاوت بينهم وهم في هذه المرحلة العمرية التأسيسية ، لذا عملوا على توزيع الطلبة في الصفوف طبقا لمستوياتهم، ووضع خطط العمل المناسبة لهم، مؤكدا أنه من المهم أن ندرك أن الطفل هو الطفل في أي مكان من العالم والمهم هو المعلم الجيد الذي بالتأكيد سيخلق طالبا جيدا، وان كانت الإمكانات التقنية والبنى التحتية المتميزة تلعب دورا في العملية التعليمية تبقى للعلاقة بين المعلم والطالب الأهمية الأولى، مؤكدا أنه يجب علينا عند تعليم أبنائنا أن نفكر فيما يجب أن يكونوا عليه بعد عشر سنوات وما سيحدث وقتها وليس ما يحدث اليوم لأننا نعدهم للمستقبل.

عدم التقيد بالخطة

وذكرت عبير العوضي مدرسة تربية خاصة أن التجربة الفنلندية من أولى التجارب التي يشعرون فيها باستقرار واستفادة ،لأن العناصر التربوية القادمة من فنلندا لديهم خبرات كبيرة ،وأنهم يعملون على تبادل الخبرات من خلال حضور حصص بعضهم البعض ،وأكثر ما يعجبها في أسلوبهم عدم تقيدهم بالخطة الدراسية الموضوعة للمقرر واعتمادهم في التحرك فيها على مستوى الطالب لأن هذا هوالأهم خاصة في المرحلة التأسيسية ، وأنهم أجروا اختبار للطلبة لتحديد مستواهم الحقيقي والانطلاق للعمل من خلالها، بينما اعتاد المعلمون لدينا على الالتزام أكثر بالخطة الدراسية المحددة ، ونوهت إلى التعاون الكبير بين العاملين في المدرسة واعتبار مصلحة الطالب هي الأساس وأن الإدارة الفنلندية ترحب بأي فكرة أو مشروع ما دامت لمصلحة الطالب .

وأوضحت العوضي أن لديهم عددا من طلبة الدمج من ذوي الاحتياجات الخاصة وهم أربع حالات يمثلون إعاقة حركية و إعاقة بصرية وتوحد، ولدى المعلمات الفنلنديات خبرة كبيرة في التعامل مع هذه الحالات وفصول التربية الخاصة، وقد تمكنوا فعلا من التأثير الايجابي في سلوك الطلبة فهم يتعاملون بصبر كبير مع الطالب ولا يستخدمون أساليب العقاب بل يحاولون دائما جعل الطالب يدرك الخطأ الذي ارتكبه.

حاجز اللغة

مينا ريبو معلمة علوم ورياضيات في المدرسة أشارت إلى أن عملهم يركز على الطفل لأنه الأساس وأن التحدي الأكبر الذي واجهوه في البداية ارتبط باللغة وكيفية التفاهم مع الأطفال الصغار وتوصيل المعلومات لهم، ولكنهم يتجاوزون ذلك بشكل جيد من خلال التعاون مع المعلمات الإماراتيات بالإضافة إلى محاولة استخدام المصطلحات المشتركة والسهلة التي يمكن للطلبة فهمها واستخدام أساليب تعليم جاذبة تعتمد على اللعب والرسم والألغاز.

وذكرت مينا أن الشيء الذي يؤثر في عملية التعليم بالنسبة لهم هو التدريس وفق خطة تعليمية محددة مسبقا، ففي ظل وجود الفروق الفردية واختلاف احتياجات الطلبة عن بعضهم البعض وقدرات كل منهم فان الأهم بالنسبة لهم هو التركيز على توصيل المعلومة وإكساب الطالب المهارات الأساسية ،لذا فمن الصعب الالتزام الكامل بتفاصيل الخطة الدراسية، فالطالب هو الذي يحدد أسلوب التدريس وإمكانية الانتقال لدرس جديد ، فمن المهم أن يمتلك المعلم قدرة على رؤية مستوى الطلبة وقدراتهم وتعليمهم بشكل تدريجي، وجعل الطالب هو محور العمل بالصف.

فهم البيئة المحيطة

المعلم ماركوس باكلين معلم علوم ورياضيات أشار أيضا إلى عامل التواصل مع الطلبة وأنه من المهم استغلال البيئة المحيطة للطالب في تعليمه من خلال الأشياء التي يعرفها لتسهل فهمه للمعلومة ، لذا فهم كمعلمين أجانب يهتمون بالتعرف أكثر للمجتمع المحيط بالمدرسة والطالب لخلق أشياء مشتركة بينهم.

وحول دافعية الطفل للمدرسة ذكر أن الطفل في أي مكان في العالم لو سئل عن المدرسة يعبر عن تفضيله للإجازة عن المدرسة ولكن هذا لا يعني كرهه للمدرسة ، لذا من المهم أن تكون البيئة المدرسية جاذبة بأساليب التعليم المتنوعة وطريقة تعامل المعلم مع الطالب، وأكد على أنهم لم يجدوا صعوبة في التعامل مع زملائهم من المعلمين الإماراتيين خاصة أنهم وجدوا تقاربا وتشابها في الأفكار بين الطرفين في الجوانب المهنية ، وقد لمس لديهم تميزا في جانب العلاقات الاجتماعية وكذلك امتلاك بعضهم لمهارات مهنية عالية جدا .

خبرة ‬20 عاماً

قالت ساتو معلمة تربية خاصة أنها تمتلك خبرة ‬20 عاما في مجال التعليم وفصول التربية الخاصة وأنها تعاملت مع حالات طلابية صعبة في فنلندا ، ولا تجد مشكلة في التعامل مع حالات التربية الخاصة في أي مكان ، وذكرت أنهم يحاولون من خلال التنظيم الداخلي وبالتعاون مع المعلمات المواطنات معرفة ما يحتاجه كل طالب فالتحدي هو في كيفية تحديد من هم طلبة التربية الخاصة ، لذلك يتعين عليهم تحديد أدوات عمل مشتركة تساعد في تحديد احتياجات كل طالب من هذه الفئة وتشكيل مجموعة عمل حوله تضم الأخصائيين النفسي والاجتماعي ومدرس الصف. ونوهت إلى أنهم يتعاونون مع مجلس أبوظبي للتعليم حاليا لبدء مشروع حول التربية الخاصة ووضع نظام انسيابي لتعليم أطفال هذه الفئة بدءا من الحضانة وحتى نهاية المراحل الدراسية ، وأكدت ساتو أن المدرسة لكل الأطفال ويهمهم تعايش الطالب من ذوي الصعوبات مع زملائه وألا يعزل عنهم .

يسري يوسف من الإدارة المدرسية الفنلندية تحدث حول عملية إعداد المعلمين الفنلنديين للعمل في بيئة الإمارات ، حيث أمضوا أربعة أيام قبل الحضور للإمارات يعرفون المعلمين ببيئة العمل الجديدة والنظام التعليمي والصعوبات التي يمكن أن تواجههم ، وعقب الحضور أمضوا أسبوعين تقريبا في اجتماعات للحديث حول الحضارة والثقافة الإماراتية والعادات والتقاليد والمواقف التي يمكن أن يواجهوها مع ولي الأمر وداخل الصفوف ومع المعلمين ، مشيرا إلى وجود خطة لتعليم المعلمين الفنلنديين اللغة العربية .

ذكرت عفراء راشد المربوعي مدرسة الحاسوب بالمدرسة أنها ترى التجربة الفنلندية رائعة والمعلمين ممتازين والأهم أن الإدارة المدرسية تقدر خبرات وقدرات المعلمات الموجودات بالمدرسة مما دعم التعاون والثقة بين الجميع وخلق جو للعمل والإبداع وتبادل الأفكار سعيا للأفضل لطلابنا فالكل يعمل لنجاح التجربة وتحقيق الاستفادة.