مركز «عونك» ينقذ شاباً من وحْل الإدمان

من عمق الألم تولد الحياة، ومع العسر يولد يُسر، ومع اشتداد الضيق يأتي الفرج.. في حكاية بطل هذه الأسطر، نستشفّ العبرة وباب الأمل مفتوح ينادى كل من غُرِست قدماه في وحل الإدمان، أن ارفع يديك ستجد من يلتقطها وينجدك، لتبدأ حياة جديدة نظيفة، يظل فيها الماضي مجرد ذكرى مؤلمة لاستخلاص العبر.

الإرادة والتوعية

السقوط في الإدمان قد يكون سهلاً، لكن التعافي منه والعودة إلى الحياة الطبيعية مهمة صعبة، لكنها ليست مستحيلة، وقد نجح فيها بطل القصة، بعدما شعر بأنه منبوذ من الجميع، وأن حياته تنتهي، وبالإرادة وحفظ القرآن ومساعدة مركز «عونك»، التابع لهيئة تنمية المجتمع بدبي، استطاع الانتصار على هذا الجحيم.

في البداية، يروي، بصوت منكسر وممزوج بالحسرة والندم، قصته مع الإدمان، حين كان مراهقاً على مقاعد الدراسة الثانوية، لا يتجاوز عمره 17 عاماً، تغمره الحيوية والنشاط، يشاغب تارة ويغلب عليه العقل والرزانة تارة أخرى، ولكن من المؤكد أنه كأي شاب، كانت له طموحاته وأحلامه في الانخراط في السلك العسكري لخدمة بلاده.

انفصال والديه في تلك الفترة، قد يكون السبب الحقيقي لانحرافه عن المسار الصحيح، كما يقول، أو ربما هي الشماعة التي أراد أن يعلق عليها ما آل إليه حاله، حيث تم طرده من المدرسة، التي حولته نتيجة لتصرفاته إلى طبيب نفسي، بدعوى أنه يعاني خللاً نفسياً نتيجة لانفصال أبويه، فاجتهد للحصول على منحة للدراسة في أمريكا، رغم اعتراض أهله في البداية.

وما لبث أن سافر للدراسة، حتى أغرته الحياة، ودخل في نفق المخدرات من باب الفضول والتجربة الأولى التي تفتح الباب على مصراعيه أمام ضعيف الإيمان، ومفتقر الوعي الديني والأخلاقي، وتمهد له طريق الإدمان، المنتهي بالأشواك والكثير من الأحزان والندم والعار.

تجرع مرارة الذل والمهانة، وعاش حالة من الضياع أكثر من 11 سنة مع الإدمان، بمختف أنواعه، الذي جره لاحقاً للتجارة بها، لينتهي خلف القضبان مرات عدة في أمريكا، فقررت أسرته إعادته للدولة، بعد أن فقد المنحة، وقضى على مستقبله العلمي، ووأد طموحاته في الحصول على وظيفة في جهة حكومية مرموقة، وخسر ثقة أسرته، وأشياء أخرى كثيرة ذهبت ولن تعود، ولم يكتسب سوى السمعة السيئة، ليغدو بين يوم وليلة، معزولاً عن المجتمع.

إدمان

كل ذلك لم يثنه عن ترك «الكيف»، حيث ملأ حقيبته بالمواد المخدرة، التي كان يتاجر فيها، وعاد بها إلى الدولة غير عابئ بالعواقب الوخيمة التي تنتظره، وبدلاً من التوقف، كان يتعاطى من جديد، خصوصاً أن الإدمان يجعله يعيش في عالم آخر، لا يشعر فيه بالمكان أو الزمان، ولا بمن حوله من الناس، باستثناء رفقاء السوء، حتى أطلق على نفسه لقب «مدمن بامتياز».

ويستطرد قائلاً: المخدرات جعلت مني إنساناً يائساً، وأصبحت أتعامل مع من حولي بأساليب ملتوية، ففقدت صحتي وعلاقاتي الاجتماعية، وحلمي في الوظيفة المرموقة، والأهم، الشعور بالارتياح، وحلت محلها مشاعر الخجل والفشل، وتأثرت إلى درجة كبيرة، نتيجة تعاطي المخدرات، وفقدت الأمل في الحياة، بسبب قلة الوعي، وألقي القبض على أكثر من 20 مرة، ولم أتنسم الحرية إلا بعد أن قررت حفظ القرآن، للتخفيف من السنوات المحكوم عليّ بها، إذ إن حفظ 10 أجزاء يعفي النزيل من 5 سنوات.

وأضاف: أشعر بعد التعافي بأنني إنسان ذو قيمة في المجتمع، لأنني أصبحت أسهم في علاج مدمني المخدرات، من خلال مركز عونك لتأهيل المتعافين من الإدمان، التابع لهيئة تنمية المجتمع بدبي.

خدمات

وحول الخدمات المقدمة للمتعافين من الإدمان، أوضح حريز المر بن حريز مدير إدارة المدير التنفيذي لقطاع التنمية والرعاية الاجتماعية في هيئة تنمية المجتمع، أن مركز «عونك» التابع للهيئة، يقدم حالياً الخدمات التأهيلية لـ 25 مسجوناً في قضايا الإدمان، داخل المؤسسات العقابية الإصلاحية، مثل الخدمات النفسية والاجتماعية والإرشادية المتخصصة لجميع نزلاء المؤسسات الإصلاحية من الرجال والنساء، على اختلاف الأحكام التي يواجهونها، مع التركيز على فئة المواطنين.

دعم

وأضاف أن الخدمات تشمل الخدمة المساندة الفردية والجماعية والدعم النفسي للنزيل وأسرته لمساعدته على تجاوز تأثيرات الماضي، ومشكلاته النفسية والاجتماعية، وإعادة بناء حياته من خلال دراسة جميع تفاصيل قضيته وظروفه الأسرية والاجتماعية، وتقديم الإرشاد النفسي والاجتماعي والاقتصادي له، كما تشمل الإحاطة بالأسرة من خلال المساعدات المادية والإرشاد النفسي والاجتماعي لكل الأفراد، لتقبل الفرد بعد الإفراج، وإيجاد بيئة صحية لتفادي تكرار الأخطاء المؤدية لعقوبة السجن، وذلك بالتعاون مع القيادة العامة لشرطة دبي، وإدارة المؤسسات العقابية والإصلاحية، بهدف إعادة تأهيل وتمكين هذه الفئة اجتماعياً.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات