أيدت محكمة الاستئناف في دبي أمس، حكم سابقتها في محكمة أول درجة، وحيثياته، والقاضي بإيقاع عقوبة الإعدام بحق المتهم بخطف واغتصاب وقتل الطفل عبيدة، ورفضت مضمون الاستئناف المقدم من قبل المحامي المنتدب بالدفاع عنه، مثلما رفضت طلبه استعمال الرأفة في الحكم، نظراً لبشاعة وقسوة الفعل الإجرامي المرتكب، والذي أثار وما زال يثير استنكار ورفض الرأي العام. ومن المقرر أن تطعن نيابة التمييز على هذا الحكم، عملاً بنص المادة 253 من قانون الإجراءات الجزائية، والتي تقضي باعتبار الأحكام الصادرة بحكم الإعدام مطعوناً فيها بالنقض، وموقف تنفيذها لحين الفصل في الطعن.
لا تنازل
وتلقّت أسرة الطفل عبيدة التي حضرت الجلسة، منطوق الحكم بدموع الفرح والرضا، وعبارات الشكر لله، ثم إلى القضاء الإماراتي الذي وصفوه بالعادل والنزيه، كما اصطفوا أمام القاعة وتبادلوا التهاني، فيما بدا القاتل غير آبه بالحكم، ولم يبد أي ردة فعل أثناء سماعه.
وفي الوقت الذي أعرب فيه والد عبيدة عن أمله في أن تسير إجراءات محكمة التمييز بأسرع وقت ممكن، حتى ينال القاتل جزاءه، أكد لـ«البيان» رفضه القاطع لفكرة الإعفاء، أو التنازل عن تنفيذ القصاص، قائلاً: لن أعفي عن القاتل حتى لو ملّكوني الدنيا بأكملها، وهذا القرار غير قابل للنقاش، لأنني اتخذته من اللحظات الأولى لوقوع الجريمة، لأن ما قام به الجاني بحق ابني لا يتقبله عقل، ولا يقضي على أي فرصة للصلح أو التنازل عن تنفيذ حكم القصاص.
وأضاف: لن يهدأ لنا بال، ولن يتم أي صلح بين عشيرتنا وعشيرة القاتل، إلا بعد تنفيذ القصاص، فمثل هؤلاء المجرمين يجب أن يغيبوا عن الوجود، لأن بقاءهم أحياء، أو مسامحتهم أو الإعفاء عنهم، يشجع غيرهم على ارتكاب مثل هذه الجرائم البشعة والمركبة، وبالتالي نحن كأفراد مجتمع جزء لا يتجزأ من المنظومة الأمنية لجهة الحفاظ على أمن وسلامة الجميع، ومحاربة كل السلوكيات والأساليب الإجرامية، والمسؤولين عنها».
تأكيد
وبتأييد «الاستئناف» هذا الحكم، فإنها تؤكد ما ورد في حيثيات حكم محكمة أول درجة، والأدلة والبراهين التي اطمأنت إليها في إدانة «القاتل» في التهم الموجهة إليه، مثلما تفند ادعاءاته بأنه مريض نفسياً، وأنه يعاني من اضطرابات عقلية أفقدته السيطرة على أفعاله، وهو ما بدا جلياً في نتائج التقرير الطبي المعمول لهذا الغرض.
حيثيات
وشهدت محكمة الاستئناف في الجلسة الماضية مرافعات ختامية في هذه القضية قدّمها علي مصبح المحامي المنتدب للدفاع عن المتهم بعد صدور التقرير الطبي الخاص بفحص سلامة قواه العقلية والذي خلص إلى «سلامة قواه العقلية وقدرته على الإدراك والتمييز والمسؤولية عن تصرفاته، وأنه يتمتع بشخصية معادية للمجتمع مع إدمان على الكحول».
وتساءل دفاع المتهم في مرافعته التي «عاب» فيها التقرير الطبي الصادر عن مستشفى راشد حول الحالة العقلية والنفسية للمتهم، إذا ما كان عِداؤه مرضاً يمكن علاجه أم لا، وهل يفقده ذلك إدراكه بأفعاله، كما دفع بوجــود تناقـض في النتيجـة النهائية للتقريـــر قائلاً: «بعد توقيع الكشف الطبي على المتهم وبمناظرة إكلينيكياً من قبل الأطباء النفسيين والمعالجين النفسيين تبين أنه يعاني من شخصية معادية للمجتمع مع إدمان على الكحول وهذا لا يفقده ولا ينقصه الإدراك والإرادة وبما أنه قادر على الإدراك والتمييز ولديه البصيرة الكاملة فهو مسؤول عن تصرفاته.
وإذا قبلنا التقرير الطبي بحالته في النتيجة فإننا بين نقيضين، الأول أن التقرير جاء في نتيجته أن المتهم يعاني من شخصية معادية للمجتمع مع الإدمان على الكحول فنقف عند التساؤل وهل الشخصية العدوانية هي حالة مرضية أم هي وراثية؟ وهل تقبل للعلاج من عدمه وهل تعتبر من الأمراض العقلية أم النفسية؟ وهل هذه الحالة مؤقتة أم دائمة».
تقدير
وجاء في حيثيات حكم محكمة الاستئناف في هذا الشأن «أن تقدير آراء الخبراء والفصل فيما يوجه إلى تقاريرهم من مطاعن، مرجعُه إلى محكمة الموضوع التي لها كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية في تقرير الخبير، شأنه في هذا شأن وسائل الأدلة، ولها مطلق الحرية في اتخاذ ما تطمئن إليه».
كما جاء في الحيثيات: «وكانت المحكمة قد اطمأنت في حدود سلطاتها التقديرية لما وصل إليه التقرير الطبي الصادر عن مستشفى راشد، واستندت إلى المراد به من أن المتهم لم يكن تحت تأثير حالة عقلية تفقده القدرة على الإدراك والتمييز أو تنقص من إدراكه، وكان ما ورد في التقرير من أن المتهم ذو شخصية عدائية أو مدمن كحول لا يتعارض مع ما انتهى إليه من نتيجة، لأن هذه الأمور لا تفقده إدراكه وشعوره ولا تعد سبباً لإخلائه من المسؤولية، ومن ثم فإن ما يفيد به الدفاع في هذا الشأن غير سليم».
مسؤول
وورد في حيثيات الحكم كذلك أن السكران مسؤول عن كل ما يصدر عنه من جرائم في حالة سكره سواء كانت عمدية أو غير عمدية، وأن الثابت من اعتراف المتهم بالتحقيقات بأنه على علم بحقيقة أمر جرائمه وبالتالي يكفي قناعة المحكمة بمسؤولية جنائية عما وقع منه، ومن جهة أخرى «فإن ملابسات الواقعة وظروفها ومسلكيات المتهم قبل ارتكاب الجريمة وأثناء ارتكابه جريمة القتل العمد وبعد اقترافه لها وحتى اعترافه بالتحقيقات على ما سلف بيانه يقطع في جلاء على أنه كان حاضراً بشعوره وإدراكه وهو من انتهت إليه المحكمة إلى سلامة إدراكه وقت ارتكابه للجرم».
خطورة إجرامية
ورد في حيثيات حكم محكمة أول درجة «بأن المحكمة هالها ما ارتكبه المتهم من جرم ترفضه النفس البشرية السوية، ويعكس ما يضمره في نفسه من خطورة إجرامية تجردت من كل معنى للرأفة، مستهيناً بكل ما أنعم الله عليه للنفس البشرية من تكريم، وحرمة التعرض لها، معتدياً على حق المجني عليه في الحياة، الأمر الذي يتنافى معه إمكانية استعمال الرأفة معه»، وهو الأمر الذي أكدت عليه محكمة الاستئناف في رفضها هذا الطلب، والتأكيد على مسؤولية القاتل عن جريمته.
