على الرغم من الجهود الحثيثة التي تقوم بها الدولة لمكافحة التدخين وخاصة بين الشباب والمراهقين، إلا أن ظاهرة تمركز متاجر ومحلات بيع التبغ وملاحقته، بالقرب من المدارس، وبعض الأماكن السكنية، لتطرق أبواب خيال المراهق وتزين له بإغراء فج متعة التجربة الخفية للتدخين، بل والمواظبة عليه سواء عن طريق السجائر أو «المدواخ»، وكأن انتشار آفة التدخين بمفهومها الأكثر شيوعاً لم يكن يكفي، حيث السجائر مختلفة الأنواع والألوان والأضرار تفتك بصحة الشباب والشياب لتضرب بذلك عرض الحائط كافة القوانين واللوائح التي تجرم بيع وترويج التدخين لمن هم دون السن القانونية.

ضحايا الفضول

وفى السياق يقول جهاد شهاب الدين إنه من المستغرب السماح لمحلات بيع التبغ بممارسة نشاطها على مسافة قريبة جداً من محيط مدارس ثانوية وإعدادية، وتسهيل عمليات البيع دون رقيب أو الالتزام بتطبيق القوانين بهذا الشأن، خاصة أن الدولة من أكثر البلدان المناهضة للتدخين بكافة أنواعه، والذي يعتبر الأكثر تداولاً بين فئات الشباب في سن المراهقة، فالأغلبية العظمى منهم قادهم الفضول وحب المغامرة إلى التدخين حيث يعتقد المراهق أنها من صفات الرجولة التي تقود إلى الاستقلالية ولكنّه وللأسف يقع ضحية فضوله وتجربته المستمرة ومحاولة التقليد لحالة من الإدمان، ولا يستطيع التخلّص منه بسهولة، وبسبب الترويج الكبير من قبل محلات التبغ، وما تُحاول به من طرق لخداع الأشخاص المدمنين، فإنّها تضع بين أيديهم أنواعاً من السجائر المفلترة وقليلة النيكوتين، ومنها «الممزوجة بالنكهات المختلفة، وبأنواع «الدوخات»، وهكذا يبقى المُدخن في صراع بين هذا وذاك.

بديل السجائر

ويضيف شهاب الدين: لوحظ بين بعض المراهقين في الآونة الأخيرة ظاهرة تدخين سجائر من نوع آخر يطلق عليها «المدواخ»، وهي طريقة مستحدثة تختلف عن الشيشة والسجائر التقليدية بل حتى السيجارة الإلكترونية، حيث هي عبارة عن أنبوب من العاج أو الخشب، يوضع في طرفه تبغ شديد الحرارة، ويدخن في أقل من دقيقة، وسمي المدواخ لتسببه في دوخة لمن يدخنه كما أن الكثيرين يتعلقون به فيما يشبه الإدمان بشكل سريع حيث إنها سريعة الاشتعال والمفعول، ومنهم من أدمن تدخين المدواخ كبديل للسجائر فمدة تدخينه لا تتجاوز 60 ثانية.

ويؤكد سعيد النعيمي أن «المداوخ » بات ينافس السجائر لدى الشباب والمرهقين للتصدر «الدوخة» المشهد بينهم، نظراً لقدراتهم على إخفاء الأمر، فلا رائحة له ولا تلصق بالملابس كما يفعل دخان السجائر، ولا تدوم فترة تدخينه فترة طويلة، إلى جانب أنه موضة رائجة مع ازدهار تصاميم عصا المدواخ والمصنوعة من الخشب الخام، أو الخشب الملبس بالجلد، أو من البلاستيك، وكذلك بأشكال جميلة لافتة وألوان مختلفة تتفنن المصانع في عملها، ومنها ما يصنع محلياً أو يجلب من الهند أو يصنع في الصين، وفيما يتعلق «بالدوخة» فهنالك أنواع تختلف من حيث «الثقل»، أي كمية «النيكوتين» بداخلها فهنالك أنواع خفيفة وأخرى ثقيلة، تماماً كالسجائر أو خلطات «المعسل» الخاصة «بالشيشة»، مضيفاً أنها تباع بكميات مختلفة حسب رغبة الزبون بأسعار رخيصة.

تفعيل الحملات

ويعتقد يوسف العيسى أنه لا بد من تفعيل حملات تفتيشية مكثفة تعمل على إغلاق تلك المتاجر والتي تطوِّق محيط مدارس الثانوية والإعدادية، فلا يمكننا أن نتحكم في سلوك رادع للمراهقين، في الوقت الذي تتفتح له متاجر التبغ أبوابها وتأخذهم بالأحضان، فكل ممنوع مرغوب، حيث لا تجدى التحذيرات، ولا ترسخ في ذاكرة المراهقين كافة المعلومات حول مضار التدخين، ويضرون أنفسهم بلا وعي من خلال الانجراف وراء التقليد لاسيما المدواخ الذي بات بين أيادي الجميع الصغار والكبار، لافتاً إلى أنه أمر خارج عن نطاق السيطرة. وبين أن المداويخ بشكل عام بدأت تنتشر حتى بين المراهقين لاسيما أنهم يرون آباءهم من المدخنين يومياً وذلك يعطي انطباعاً لهم من خلال تجربتها وهذا الأمر واضح للعيان ولا يحتاج أي تفكير أو تخمين.

برامج مدرسية

ويوضح العيسى أنه لا يمكن للعاقل أن يصدق أنه في الوقت الذي تبذل فيه الدولة جهوداً كبيرة في التقليل من مخاطر التدخين وحظر التدخين في الأماكن المغلقة وبعض الأماكن العامة، تمنح رخص تجارية لمتاجر بيع السجائر والتبغ وبالقرب من المدارس التي تقوم بتقديم العديد من البرامج التوعوية والأنشطة الرياضية وغيرها من أجل القضاء على وقت الفراغ المتاح أمام المراهق بإشغاله بالمفيد من الأعمال، فالفراغ هو مفسدة كبيرة للمراهقين حيث يجعلهم يفكّرون في ممارسة العادات الخاطئة، ويزداد هذا العامل تأثيراً على المراهق، إذا ما توفّرت له عوامل أخرى مثل توفّر المال الزّائد عن الحاجة لدى المراهق.

ومن جانبها تؤكد ليليان شبيب أن ظاهرة تقارب محلات ومراكز المدخنين بالقرب من ساحات المدارس، لا يخدم المنظومة التربوية والتعليمية، بل على العكس يعرقل مساراتها، التي تسعى إلى تحقيق أهداف نوعية، على صعيد الابتكار والإبداع أبطالها المراهقون والشباب، في مجالات كافة، إذاً لماذا علينا العودة إلى النقطة صفر، لبيان خطورة ممارسة عادة التّدخين على صحّة الإنسان، فتوعية المراهق بخطورة التّدخين وآثاره الصحيّة الضارة من الموضوعات الحتمية التي لا تقبل هامشاً للنقاش، إنها عادة مدمرة وباتت لها وجوه عدة، بدأت بالسجائر والشيشة والآن موضة المدواخ التي يروج لها على أنها بديل صحي أخف وطأة من أنواع التدخين الأخرى.

رقابة الأهل

وتضيف ليليان أن الوالدين قدوة في هذا الجانب لأن الأطفال والمراهقين يمارسون عادة التدخين بشكل يكاد يشكل ظاهرة تحتاج إلى وقفة جدية للقضاء عليها والسبب الأول والأخير هو أنهم يشاهدون آباءهم وأمهاتهم يدخنون، لافتة إلى أن البيت يتحمل جزءاً كبيراً في توجيه الأبناء وحمايتهم من عادة التدخين، فالوالدان القدوة الأولى لأطفالهما، الذين قد يرغبون تقليد الكبار حسب نظريتهم أن المدخنين يشعرون بالانتعاش وكذا ازدياد القدرة الفكرية لديهم، فيلجأون إلى المواظبة على تلك العادة السيئة في الأماكن البعيدة عن أفراد العائلة كالأماكن المظلمة وكذلك خارج المدارس أو داخلها بخاصة في دورات المياه وبعيداً عن عين الرقيب.

تفعيل القانون

وترى جمانة حايك أن تلك النسبة المرتفعة من انتشار مراكز المدخنين بالقرب من المدارس تثير التساؤلات حول دور الجهات الرقابية في متابعة وتقويم تلك المتاجر فضلاً عن عدم تفعيل القانون تجاه أصحاب المحلات الذين يبيعون السجائر لشباب أقل من 18 سنة أهم أسباب تشجيع الطلاب على التدخين، ومن جهة أخرى يمتد تأثير أصدقاء السوء وتأثر المراهقين بالأعمال الدرامية التي يظهر فيها الممثلون يدخنون بشراهة، فضلاً عن عدم التوعية الكافية بمخاطر تدخين النشء على الصحة اهم الأسباب التي تدفع الطلاب للتدخين في سن مبكرة.

وتشير جمانة إلى ضرورة تركيز حملات مكافحة التدخين على توعية طلاب الثانوية، فضلا عن تفعيل دور الأخصائيين الاجتماعيين في حل المشاكل الاجتماعية للطلاب التي تدفعهم للتدخين، وتنمية الجوانب القيمية والدينية لدى أبنائنا الطلاب في المجتمع المدرسي، وزيادة الدور الرقابي لأولياء الأمور، وتفعيل سياسة التقويم والضبط السلوكي، إلى جانب الدور الكبير لوسائل الإعلام في إعداد حملات توعوية وبرامج لمناقشة خطورة التدخين على الصحة العامة بشكل عام، وآثاره الخطيرة على الأجيال الشابة بتبديد طاقاتهم المفروض توجيهها لممارسة الرياضة والهوايات الأدبية والعلمية، وتبني ميثاق يمنع التدخين في البرامج والمسلسلات والأفلام لتجنب تأثير تلك المشاهد التي يقلدها النشء والمراهقون والشباب.

تأثير متبادل

وتقول شميم سليم إن متاجر ومحلات بيع التبغ بالقرب من أماكن يتردد عليها المراهقون استغلت بشكل واضح هناك أسباب عديدة ومتداخلة تدفع الطلاب إلى التدخين منها غياب القدوة التربوية، وضعف الرقابة الأسرية، وسهولة الحصول على المال ووسيلة التنقل لدى الطلبة، حيث يمكن أن يكون السائق مدخناً يدفع الطالب إلى التدخين أو يجلب له التبغ، كما يمكن أن يرجع السبب إلى وجود رفاق سوء له يكبرونه سناً، مع ملاحظة أن بعض المعلمين المدخنين يتأثر بهم الطالب سلباً ولا يتأثر بهم إيجاباً، وكذلك الأب الذي يمثل تدخينه التبغ أمام الطلاب أمراً خطيراً، وعليه يجب أن يتم تشديد الرقابة على محال البقالة والدكاكين فخارج المدرسة هناك محلات تفكر في الربح فقط، وتقوم بتسويق بيع التبغ للطلاب أو لا تمانع في بيعه.

حالة فردية

وتؤكد شميم أنه يجب على الأهل القيام بالتأكد من أن الابن المراهق مدخن، ويتمّ ذلك عن طريق مراقبة تصرفاتهم، فكثير من الأمور التي يقوم بها الأبناء تدلّ على أنّه مدخن، كالإسراف في تناول العلكة والمكسرات، والاستخدام المفرط للعطور، والانتباه لردّة فعل الابن عندما يذكر الدخان أمامه وغيرها من الأمور التي قد تساعد الأهل على معرفة أن ابنهم مدخن.

ومن أين بدأ بممارسة عادة التدخين، وكيف يحصل على التبغ، وإخطار المدرسة والجهات الرقابية بخطورة السماح لتك المتاجر بممارسة أنشطتها، وعلى أولياء الأمور أخد الأمر بجدية وعدم التعامل مع الأمر على أنه حالة فردية متمثلة في مراهقة الابن، فهناك آخرون يعانون من إغراء مراكز المدخنين.

تغليف بسيط

شاركت الإمارات دول العالم في احتفالات اليوم العالمي للامتناع عن تعاطي التبغ في 31 مايو الماضي، تحت شعار «استعدوا للتغليف البسيط»، حيث تم تسليط الضوء على المخاطر الصحية ذات الصلة بتعاطي التبغ واتباع سياسات فعالة للحد من استهلاك التبغ.

ودعت المنظمة الدولية جميع دول العالم إلى الاستعداد للتغليف البسيط (القياسي) لمنتجات التبغ، ويعتبر التغليف البسيط من التدابير المهمة للحد من الطلب، إذ يقلل من جاذبية منتجات التبغ، ويقيد من استخدام تغليف عبوات التبغ كشكل من أشكال الإعلان عن التبغ وترويجه، ويضع حداً للتغليف والتوسيم المظلل.

حظر

قوانين مكافحة التدخين.. التزام في الأماكن العامة

قضت اللائحة التنفيذية لقانون مكافحة التبغ في دولة الإمارات بحظر التدخين أثناء قيادة السيارة الخاصة، في حال وجود طفل لا يتجاوز 12 عاماً، كما حظرت التدخين في الأماكن العامة المغلقة وفي الأماكن العامة والمدارس والجامعات، ودور العبادة وملحقاتها والمنشآت الصحية والصيدلانية والمنشآت الرياضية، ووسائل النقل العام، ويهدف القانون الاتحادي ولائحته للحد من انتشار استخدام التبغ، إذ تنمو هذه الظاهرة الخطيرة خصوصاً بين فئة المراهقين والشباب وقد وصلت نسبة تدخين صغار السن (أقل من 15 سنة) إلى 28% أما عن تدخين الكبار (فوق 18 سنة) وتصل إلى 30% وفقاً لدراسة وقاية في إمارة أبوظبي، حيث يهدف القانون «لخلق جيل مناهض لعادة التدخين، والحفاظ على الأرواح والصحة العامة وتقليل نسبة الإصابة بأمراض القلب».

إلزام

إجراءات عقابية لتقويم سلوك الطالب

تنص لائحة السلوك الطلابي لدى وزارة التربية والتعليم على توقيع إجراءات عقابية لأي طالب يُضبط وهو يدخن داخل الحرم المدرسي، منها استدعاء ذويه، وإحاطتهم بمضمون المخالفة، وإخطاره كتابياً بضرورة عدم تكرار الطالب للسلوك المخالف مستقبلاً، إضافة إلى اعتذار الطالب وإنذاره، وتعهده بعدم تكرار المخالفة والتزامه بالانضباط السلوكي، وفي حال تكررت المخالفة يضاف إلى هذه العقوبات تكليفه بأعمال مجتمعية، لمدة لا تزيد على خمسة أيام، داخل المدرسة في أثناء اليوم الدراسي، وذلك بناء على توصية اللجنة التربوية، وموافقة المنطقة التعليمية، وإخطار ذويه، على أن يقترن انتظام الطالب في الدراسة بإنجاز الخدمة المجتمعية المكلف بها.