عندما يغيب الضمير عن الإنسان ويفرَّغ من جميع المثل العليا التي يتصف بها الإنسان السوي، عندها تفتَّح أبواب الخطايا على مصراعيها لتنذر بأفعال تشبه الوحش حين يعبث بفريسته في أبشع صورها، ولعلها الصورة التي تتجلى في قضية جريمة زوج (ع) لم تشفع له 17 سنة من الزواج بينه وبين المجني عليها (ن) رزقت فيه المجني عليها من الجاني بـ6 أولاد أكبرهم سناً يبلغ 15 من عمره وأصغرهم يبلغ عامين.

ونظراً لسوء سلوك الجاني، وسوابق في قضايا مالية، فقد انتهى به المطاف إلى إيداعه السجن، ووجدت المجني عليها نفسها وحيدة لتواجه الحياة بمفردها ولتقوم بدور الأب والأم معاً، فكانت تمارس عملها الوظيفي بجانب وظيفتها كأم حتى تتمكن من رعاية أطفالها بعد أن تغلبت نزوات ورغبات الجاني على واجباته كرب أسرة فأصبح نزيل السجون.

وأثناء وجوده بالسجن علمت المجني عليها بأن زوجها تزوج عليها بأخرى دون علمها، ونتاجاً لهذه الظروف فقد اضطرت المجني عليها إلى إقامة دعوى طلاق للضرر ضد الجاني تداولتها أروقة محكمة الأحوال الشخصية التي أقرت التفريق بينهما بالطلاق.

مصادفة خطيرة

وبمحض الصدفة فقد تزامن صدور قرار المحكمة مع خروج الجاني من السجن ليقوده تفكيره الشيطاني الى التخلص من زوجته وأم أولاده بدلاً من أن يصلح من شأنه ويعود لأسرته وزوجته، فما كان من الجاني إلا أن قام بشراء مادة كيميائية حارقة للجسم (تيزاب) وأحضرها معه إلى منزله وتركها بالحمام ثم استدعى المجني عليها من عملها بزعم أنه يريدها في أمر هام وعاجل.

وبمجرد عودة المجني عليها إلى البيت طلب الجاني من أولاده البقاء في غرفهم لوجود نقاش بينه وبين أمهم، ثم بدأ النقاش من قبل الجاني الذي كان في غضب شديد لم يجعل للهدوء سبيلاً رغم محاولة المجني عليها مقابلة هذا الغضب بالهدوء.

إصرار

وأثناء نقاشهما فاجأ الجاني المجني عليها بسكب المادة الحارقة من أعلى رأسها إلى أسفل قدميها، فاشتعل جسدها كاملاً في سرعة الضوء وتمزقت ملابسها حتى تمكنت المادة الحارقة من جسدها، وبدأ جلدها ولحمها في التساقط من شدة المادة الحارقة، وأمام أعين أطفالها الصغار الذين تملَّكهم الذهول والهلع والفزع، فما كان من ابنها الأكبر إلا أن أسرع إلى احتضان أمه في محاولة يائسة لإنقاذها، مما أدى إلى إصابته هو الآخر بجروح وحروق متفاوتة في جميع أنحاء جسمه.

ورغم بشاعة المنظر الذي لن ينساه أطفال المجني عليها ومحاولة المجني عليها إنقاذ نفسها بعيداً عن أطفالها حتى تبعد عنهم الأذى، إلا أن الجاني لم تأخذه أي شفقة أو رحمة بالمجني عليها، بل على العكس، فقد قام بسكب المزيد من المادة الحارقة على جسد المجني عليها، وحين طلب منه أولاده إنقاذ أمهم إذا به يتركهم ويتوجه إلى خارج المنزل.

مشهد مروِّع

وعلى الفور قام ابنها الأكبر بنقلها إلى المستشفى في الوقت الذي كانت تعاني فيه المجني عليها من حروق شديدة، فاقت كافة توقعات الأطباء الذين بذلوا جهوداً مضنية في سبيل إنقاذها، إلا أن إرادة الله كانت هي الدواء الشافي، حيث وافتها المنية وانتقلت إلى جوار ربها تاركة في نفوس أولادها جرحاً لن يندمل ومشهداً مروعاً سيحتاج كثيراً من الوقت لنسيانه.

عقاب

باشرت السلطات الجنائية التحقيق في هذه الحادثة، وبعد تحقيقات مطولة وبعد أن أصدر الطب الشرعي تقريره بعد معاينة الحالة، فقد تم إحالة الجاني إلى محكمة الجنايات لتنظر القضية.

وخلال الجلسة تولى الدفاع عن الورثة المدعين بالحق المدني المحاميان طارق السركال والمحامية عبير الدهماني اللذان قدما لائحة بالادعاء المدني، حيث يبين المحاميان مدى فداحة وبشاعة الجرم والفعل الذي ارتكبه الجاني، مطالبين بتوقيع أقصى العقوبة، ولا تزال القضية متداولة أمام القضاء حتى يقول كلمته بحق الجاني ليكون عبرة لمن تسول له نفسه الإقدام على أي فعل مخالف للقانون مهما كانت الأسباب.