الفضول ورفاق السوء و«المزاج والوناسة»، وقود الانطلاق في رحلة الإدمان المظلمة التي تودي بالمرء في براثن الاكتواء بجحيم لا ينتهي، لتضجّ حياته بسلسلة من المآسي والضياع، بعدما تسرق منه المخدرات سنوات عمره الأبهى، وتغيّبه عن معنى الحياة الحقيقي، حين تحجبه لحظات سعادة زائفة فتحمله إلى الجنون سريعاً. تلك هي حال طارق الذي عانى ذل الإدمان، وتجرع مرارة الوحدة وعدم الثقة بالنفس، وخسر أهله وأصدقاءه، وقبلهم نفسه.. لكن وكما يقول المثل «أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً»، فبعد رحلة مع الإدمان امتدت 26 عاماً، عاد طارق إلى رشده، وقرر دخول المركز الوطني للتأهيل، كي يصبح إنساناً جديداً، وبالفعل كان ما أراد بفضل الله.

البداية

يقول طارق عن بداية دخوله عالم الإدمان: بدأت تعاطي الحشيش وإبر الهيروين حين كان عمري 20 سنة، وأبلغ حالياً 46 عاماً، 26 سنة قضيتها مدمناً، كنت حينها ضمن مجموعة شباب جمعتهم صداقة الطفولة، وحين اقتربنا من سن الـ20، اتجهت مجموعة منا إلى الدراسة ونجحت، والحمد لله، ووصل البعض إلى مناصب مرموقة، منهم مديرون ووكلاء مدارس، ومديرو شركات، أما المجموعة الثانية - ومنها أنا - فقد اتجهت إلى طريق المخدرات للأسف.

يضيف: لم أكن أعاني مشكلات أسرية، ولكن الفضول والطيش دفعانا لنشجع بعضنا لخوض تجربة الـ«مزاج ووناسة» كما يسمونها، لم نكن ندرك أن هذا الطريق سيدمرنا ويأخذ من حياتنا وصحتنا ومستقبلنا، كنا نظن أنها مجرد وسيلة للتسلية فقط. وبعد أن أمسيت مدمناً، تعرضت لاضطرابات نفسية، فأصبحت انطوائياً جداً ولا أتحدث مع أحد، ودائماً ما أود الجلوس بمفردي في الغرفة، وأكون متعباً ومنهكاً. لقد تدهورت كل حياتي وانقلبت رأساً على عقب، إذ تركت عملي، وأصبحت عاطلاً عن العمل، ثم ازداد الأمر سوءاً وخسرت الأهل، والأصدقاء، والمستقبل، وضاعت سنوات عمري هباءً.

شهر

وتابع: كان نهاري ليلاً وليلي نهاراً، وكان من الممكن أن أجلس شهراً في البيت أشرب وأتعاطى، ثم أنام يومين متواصلين، وبالطبع المكان الذي أتعاطى فيه مصدر للقذارة، حيث كنت أرمي النفايات على الأرض وفي أي مكان ولا أبالي بشيء. وعما كان يصيبه أو يحس به بعد التعاطي، يوضح طارق: أنا إنسان انطوائي بطبعي غير اجتماعي «لا آخد ولا أعطي مع أحد»، ولا أندمج مع الناس، عندما كنت أتعاطى المخدرات كان يحدث معي مثل انفصام في الشخصية فأصبح شخصاً آخر، وعندما أتعاطى الكحول أصبح إنساناً عدوانياً وشرساً وعصبياً، وغير مسيطر على تصرفاتي مع العائلة، فتسببت بالكثير من المشكلات للأهل، وكان الوالد والوالدة يخشياني.

وأضاف: لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تغير شكلي وملامحي كثيراً، وفي أحد الأيام أردت استخراج بطاقة جديدة فقدمت للمسؤول عن الموضوع صورتي الشخصية، قال لي باستغراب «هل هذا أنت؟»، حيث تغيرت ملامحي، فكل سنة كان شكلي وجسمي يتغير بشكل غريب بسبب التعاطي. وللأسف واصلت في طريقي على الرغم من أن الأهل نصحوني أكثر من مرة، والوالد عرض علي أن يأخذني إلى مركز لعلاج الإدمان، وذهبت معه، ولكن كان من قواعد دخولي المركز أن يتم حجزي، فلم أقبل ورفضت.

موقفان

يذكر طارق: هناك موقفان حدثا لي في فترات مختلفة وأتمنى ألا يعودا ثانية، الأول أن أحد أصدقائي كان سيموت بسبب تعاطي إبر هيروين بجرعات زائدة لكن الحمد لله مر الأمر على خير، والموقف الثاني صديق آخر شرب كحولاً بكمية زائدة وأخذ إبرة وحصلت له مضاعفات كاد يموت على إثرها، لكن الحمد لله أسعفناه.

وقال: سمعت أن أحد الأصدقاء كان يعالج في المركز الوطني للتأهيل، ونصحني بالقدوم والعلاج، فلم أتردد في الاتصال بالمركز، لأن صديقي الذي قدم لي النصيحة للعلاج في المركز أخبرني كثيراً عنه وعن خدماته وعن تجربته المريحة في المركز، فأصبحت أمتلك الشجاعة والفضول لدخول المركز والعلاج فيه. والحمد لله اليوم أكملت 7 أشهر تقريباً. وإن شاء الله لن أتوقف عند العلاج فقط، بل سأعمل جاهداً على تقديم النصيحة لأي شخص مدمن.