لم تتفاجأ الأم عندما وجدت سرير ابنها خالياً ومرتباً مما يوحي بأنه لم ينم في سريره تلك الليلة، هي فقط تبرمت وأخذت تردد عبارات حول بياته خارج المنزل بدون أن يخبر أحدا، ثم لاح طرف ابتسامة على وجهها عندما فكرت أن الصغير كبر وأصبحت له حياة خاصة، في تلك اللحظة أخبرتها الخادمة أن مركز الشرطة اتصل وطلب التحدث إليها، أخذت السماعة ورحبت بالرجل بصوت قلق ثم صرخت وسقطت السماعة من يدها، فقد أخبرها المتصل أنهم وجدوا جثة صغيرها أمام إحدى الشقق المشبوهة.
صدمة
هزت الصدمة الأسرة، فهذا أصغر أبنائها، المدلل الذي لا يرفض له طلب، فلماذا انجرف إلى طريق هلاكه؟ نظر الأب إلى وكيل النيابة بعيون دامعة، وقال «كان الجميع ينخدع بطوله الفارع وضخامة حجمه ويظنه شاباً، ولكنه مجرد طفل لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، لقد رحل مبكراً وبدون سابق انذار، فمن كان يظن أن هذا الصغير يمكن أن يكون مدمناً»، وأخذ الأب يسرد كم التدليل والرفاهية الذي وفره لابنه، في تلك اللحظة سأل وكيل النيابة الأب، متى كانت آخر مرة جلست مع ولدك وتحدثت معه بشكل مطول، أو رافقته إلى أي مكان لقضاء وقت معاً.
فاجأ السؤال الأب، فهو لم يعد يذكر متى فعل ذلك آخر مرة، أو إن كان قد فعله في أي يوم من حياته مع ابنه الفقيد أو أي من أبنائه، ولم ينتظر وكيل النيابة إجابة الأب لأنه كان يعرفها، وهي مفتاح قصة جميع الأحداث المدمنين سواء قضوا بإدمانهم أو تم انقاذهم، واسترسل وكيل النيابة إذاً لا داعي للسؤال إن كنت قد لاحظت أي تغيير على ابنك مادمت لا تجلس معه، ولا تعرفه، وإلا لكنت لاحظت أن صغيرك بدأ رحلته نحو الادمان مبكراً جداً.
حقائق
كانت الحقائق تتجمع أمام وكيل النيابة لتتضح قصة الطفل الذي رحل مبكراً بجرعة مخدرات مفرطة، من خلال التحريات وشهادة زملائه الذين كانوا معه في لحظاته الأخيرة، فالراحل بدأ مبكراً جداً في رحلة الادمان، ساعده على ذلك ضخامة حجمه وملامحه التي توحي بعمر أكبر من الحقيقة، ليرافق أصدقاءه إلى الملاهي وأماكن اللهو، وصار يعود إلى المنزل بعد منتصف الليل، فلما لم يجد من يردعه أو يلومه، أصبح يبيت في الخارج لأيام دون أن يتسبب له ذلك بأي مشكلة مع أهله، كانت علاقته مع أسرته محددة، كلمات معسولة لوالدته، وبالمقابل يحصل على المبلغ الذي يريده، أما والده فعلاقته به تكاد تكون معدومة، كلمات قليلة يتبادلاها عندما يلتقيان، معظمها انتقاد ولوم وتنبؤ بفشله نتيجة تدليل امه.
رقابة غائبة
ولما كان المال متوفراً والرقابة غائبة، فقد التف أصدقاء السوء حوله باعتباره ابن العائلة الغنية ومنبع المال الذي لا ينضب، ولم يكن من الصعب على الشبان الصغار التدرج من مخدر إلى آخر، وفي يوم الواقعة أكثر الشاب من تعاطي أنواع عدة من المواد المخدرة والمؤثرات العقلية، فأصيب بهبوط في الدورة الدموية وتوفي إثرها في الحال، مما أصاب رفقاء السهرة بالفزع فتراكضوا هاربين، وحده صاحب الشقة التي كانوا يتعاطون داخلها، هو من بقي في المكان، ولما كان هو أيضاً تحت تأثير المخدرات، وليس بكامل وعيه، فقد اكتفى بإخراج الجثة من الشقة وتركها عند الباب.
وفي الصباح عندما عثر الجيران على الجثة، وتبين سبب الوفاة، استطاعت النيابة وبسهولة تحديد شخصية المتوفى وأسماء الأشخاص الذين كانوا معه، وتم القبض عليهم جميعاً، وتحويلهم للمحاكمة بعد أن ثبت تعاطيهم للمخدرات والمؤثرات العقلية، وفي المحكمة تم ادانتهم بالتهمة المسندة إليهم والحكم بإيداعهم بمركز الرعاية كونهم جميعاً أحداثا، وحده صاحب الشقة الذي تجاوز الواحد والعشرين عاماً هو من حكم بإيداعه في مصح علاجي باعتبار أن الواقعة هي السابقة الأولى له.
