استطاع رجل أعمال خلال سنوات إقامته الطويلة في الدولة أن يكون أحد الذين صنعوا نجاحاً أثمر ثروة كبيرة، ولكنه كان يحلم بالأكثر، هاجس الحصول على جنسية الدولة استولى عليه، حتى إنه كان مستعداً في سبيله أن يدفع أي مبلغ مهما كان، ولم يكن يخفي هذا التطلع، بل كان يتحدث به أمام الجميع، معلناً استعداده لبذل أي مبلغ مقابل تحقيق حلمه، وكان أن التقط أحدهم هذا الحديث باعتباره وسيلة سريعة للثراء والحصول على مبلغ كبير مقابل تحقيق حلم رجل الأعمال الثري.
بحث الرجل حوله عمن يستطيع أن يفتح له باب المساعدة في الحصول على الجنسية، فسأل أحد أصدقائه الذي قال إنه يعرف شخصاً يعمل في جهة معنية بإعطاء الجنسيات، ولكن الرجل قال لهما بعد أن حدثاه في الأمر إنه لا يستطيع هو أو غيره مساعدة أحد في الحصول على الجنسية، فلذلك محددات ومعايير في منتهى الدقة لا يمكن تجاوزها.
والرجل لا يملك بعض هذه المعايير ولا يمكن أن يأخذ الجنسية الإماراتية، وعندما أخبراه أن في الأمر مبلغاً طائلاً سيدفعه الرجل لمن يساعده، تفتق ذهنهم عن وجوب حصولهم على المال بأي طريقة، فإن لم يستطيعوا مساعدته فبإمكانهم خداعه وأخذ ماله مستغلين لهفته الشديدة للتجنس، ومستعينين بشخصين آخرين لمزيد من المساعدة.
لم يكن من السهل الاحتيال على رجل أعمال جمع ثروته بالذكاء والجهد، فكان لابد من إعداد خطة لا يمكن أن تضعهم في موضع الشك، وكانت البداية أن قام المتهم الأول بتعريف الضحية على صديقيه باعتبارهما من سيساعدانه في تحقيق رغبته.
وكان مكان عمل أحدهما كموظف في جهة معنية بإصدار الجنسية، وكونه شخصاً معروفاً في المجتمع، كافيين لكي يطمأن لهم، ولكنه لا يمكن أن يدفع ماله دون أن يرى خطوات فعلية، واتفق الرجل معهم على مبلغ خمسة ملايين درهم مقابل حصوله وشقيقه وعائلاتهما على الجنسية، وتم الاتفاق على ذلك.
كان الرجل وبحكم عمله يستطيع الوصول إلى الأوراق الرسمية التي تتم عليها المكاتبات، وكان سهلاً عليه أن يخط عليها ما يشاء من عبارات، فكتب رسالة من جهة عمله إلى أخرى تفيد بعدم وجود مانع لمنح الرجل وشقيقه وعائلتيهما الجنسية، والتوجيه بعمل الإجراءات الرسمية لذلك.
وبالطبع كانت هذه الرسالة كفيلة باطمئنان الرجل إلى أن حلمه أصبح قاب قوسين أو أدنى من التحقق، فاطمأن لهم ووافق على دفع دين كان لأحد الأشخاص بقيمة 170 ألف درهم، وقدم هدية لآخر بقيمة 15 ألف درهم. لم تكن الرسالة كافية لخداع الرجل، وكان عليهم أن يقنعوه بأن الأمر يسير في طريقه الصحيح للحصول على الملايين.
فكان أن قاموا بإيهامه أن عليه الذهاب إلى أحد الأماكن الحكومية السرية لأخذ بصماته والتحقيق معه بهدف التأكد من صلاحيته للحصول على الجنسية، وبالفعل قاموا بتحويل إحدى الفلل إلى ما يشبه المكان الحكومي، وأحاطوه بأشخاص على أنهم رجال أمن، ثم أخذوه هناك حيث تم أخذ بصماته وأسرته، ثم قاموا بإلقاء الأسئلة عليهم في مواضيع شتى.
كما قاموا بتوقيعهم على استمارات وأوراق حول صحة البيانات المقدمة، وكان كل ذلك يتم في أجواء بوليسية توحي بالأهمية، فكان أن استسلم الرجل ودفع لهم مليوني درهم كدفعة أولى، على أن يتم دفع الباقي بعد صدور المراسيم الرئاسية بالجنسية.
لفتت تحركات المتهمين والضحية انتباه تحريات شرطة أبوظبي، فتم عمل مزيد من التحريات التي بينت الخطوط الأولى من الجريمة، وعندما تم استدعاء المجني عليه قال لهم إنه فقط يقوم بالإجراءات النهائية للحصول على الجنسية له ولأسرته.
وقدم لهم الرسالة التي أعطاها له المتهمون، فتم إخباره بالتكتم على أمر التحقيق معه، ثم تم عرض الرسالة على المختبر الذي أكد أنها مزورة، وبالتحري تم اكتشاف جميع خطوط الجريمة، والقبض على المتهمين المشاركين وكان عددهم خمسة من جنسيات مختلفة.
وفي المحكمة، حاول كل من المتهمين إلقاء التهمة على الآخرين، وتأكيد أنه كان حسن النية وأنه لم يكن يعلم، ولكن المحكمة الابتدائية حكمت على المتهم الرئيس في القضية بالسجن ثماني سنوات، بينما صدر الحكم على المتهم الثاني وهو الموظف بالسجن ست سنوات وتغريمه مبلغ 365 ألف درهم.
وهو المبلغ الذي أخذه من المجني عليه لسداد دينه وكهدية نظير تقديم خدمات، كما حكم على المتهمين الباقيين، وهم الشخص الذي عرف المتهمين بالضحية وآخران شاركا في تنفيذ الجريمة بالسجن ثلاث سنوات لكل منهم مع الإبعاد بعد تنفيذ الحكم.
وفي محكمة الاستئناف تم تعديل الحكم إلى الحبس سنتين على المتهم الأول، وسنة لباقي المتهمين، ولكن محكمة النقض رفضت الحكم باعتبار أن التحقيقات تمت مع الضحايا باللغة العربية، ومن دون وجود مترجم، رغم أنهما من جنسيات غير عربية، وهو ما يعتبر غير قانوني حتى وإن كان الشخص الذي يتم التحقيق معه يتقن العربية.
حيث يلزم القانون بوجوب أن تتم التحقيقات باللغة الأم للشخص المحقق معه، وبناء عليه تم إعادة القضية إلى محكمة الاستئناف مرة أخرى، والتي قامت بدورها بإعادة الاستماع إلى الضحايا بوجود مترجم، ولكنها أيدت الحكم الصادر في محكمة الاستئناف أول مرة.
رغم أن المحاكم الجزائية عاقبت المتهمين بالحبس عن جريمتهم، ولكن ذلك لم يعد للرجل ماله، باعتبار أن المحاكم الجزائية معنية بحق المجتمع، أما حقوق الأفراد فهي من تخصص المحاكم المدنية، وبناء عليه توجه الرجل إلى المحكمة المدنية مطالباً بالأموال التي أخذت منه إضافة إلى مليون درهم للتعويض عن الأضرار المعنوية التي لحقت به جراء تعرضه للاحتيال.
ومن جهتها قضت المحكمة الابتدائية المدنية بإلزام المدعى عليهم أن يؤدوا بالتضامن لضحيتهم مبلغ مليونين و210 آلاف درهم مجموع المبالغ التي دفعها لهم، إضافة إلى 50 ألف درهم تعويضاً، وهو الحكم الذي أيدته محكمة الاستئناف المدنية.
تنشر "البيان" صباح كل أحد بالتعاون مع دائرة القضاء في أبوظبي قصصاً من أروقة القضاء بهدف نشر التوعية
