"جرافيك"

بين قصص وملفات، وقضايا وحكايا، تغرقك همومهن، ثم تأتيك نهاية سعيدة، تمسك بها كقشة نجاة، تدرك أن خوضهن في عوالم الألم والحزن، شر لا بد منه، لخير كبير وكثير يحلمن بحصده لأهلهن ومجتمعهن.

في إدارة التنمية الأسرية بهيئة تنمية المجتمع بدبي ترى نماذج عن السيدة الإماراتية التي عرفت عظم دورها بين السطور وفي التفاصيل، نذرن أنفسهن لتحديات لا تطفو على سطح ولا يراها الناظر في جمال الصورة، قررن أن يعملن على رأب أي صدع وسد أي ثغر قد يؤتى منه المجتمع، يعملن كنحلات على مدار الساعة، وجميعهن ملكات.

في غرفة بيضاوية جلسن مع بعض القصص وأعينهن على هواتفهن التي تنتظر في كل دقيقة أو اثنتين مكالمة ممن يطلب العون.

تشكّل إدارة التنمية الأسرية في هيئة تنمية المجتمع بدبي إحدى أهم الإدارات وأكثرها حساسية، لأنها تتعامل مع روح الإنسان، تؤهلها وتعالجها وتقومها وتدعمها، ولهذا لا بد أن يتم اختيارهم ممن يؤتمنون على أفراد مجتمعنا. وينوه خالد الكمده، المدير العام لهيئة تنمية المجتمع بدبي، بالدور الكبير والخفي الذي يؤديه فريق العمل في الهيئة لحماية وصيانة الأسس والجذور، وترسيخ تماسك اللبنات التي بقوتها يرتفع بناء الوطن صلباً شامخاً، مضيفاً: «نستثمر في هيئة تنمية المجتمع الطاقات النسائية الإماراتية المبدعة والقادرة على ابتكار الحلول لأعقد التحديات، لتكون المسؤولة عن توافق وتلاحم الأسرة نواة مجتمعنا وأصل استقراره».

وقال: «ضمان بنية سليمة أفضل بكثير من إصلاح بنية نخرة، والتنمية المستدامة تتطلب حلولاً بعيدة المدى، ورؤية تستشرف تحديات المستقبل، وتنشئ جيلاً وأسراً قادرة على مواجهتها، وهذا هو منهجنا، لأن بناء الإنسان هو الأصل، وهو الاستراتيجية الأنجح للوصول إلى مجتمع متكامل متكافل مستقر ومزدهر».

وتابع الكمده: «يتابع فريق العمل ملفات الحالات التي ترد إلى جميع أقسام التنمية الأسرية بحب، والحب أصل الاهتمام ودافعه، وإذا ما عجزت مخيلاتهن عن اكتشاف الحلول يبتكرن حلولاً جديدة تناسب مشاهداتهن، ونعمل معاً على دراسة المقترحات ونعرضها على الجهات المعنية كالمحاكم أو الشرطة أو غيرها من الجهات المسؤولة حتى نصل معاً إلى ما فيه مصلحة الفرد والأسرة والمجتمع، وقد حققنا منذ انطلاق الهيئة قفزات نوعية في هذا المجال ولا يزال لدينا الكثير».

إدارة الحالات

ومن جهتها، قالت الدكتورة هدى السويدي، مديرة إدارة التنمية الأسرية، «في إدارتنا كما ترون ثلاثة أقسام، ولكننا نعمل معاً يداً بيد ومع الإدارات الأخرى والدوائر الحكومية وغير الحكومية أيضاً، تتولى الأقسام إدارة الحالات ومتابعتها، ولكننا نبحث في جذور قصة كل حالة لنكشف مسببات ما وصلت إليه، فنحن لا نريد تسكين الألم، بل شفاءه وإعادة تأهيل كل شخص اجتماعياً، ليتجاوز تحدياته ومشكلاته، ويعود إلى دوره الطبيعي والإيجابي في المجتمع».

وقالت السويدي: «يقدم قسم الاستشارات الأسرية خدماته لجميع مواطني إمارة دبي، ويستقبل الراغبين في الحصول على الاستشارات الزوجية التي تكون في أغلب الحالات قد وصلت إلى مرحلة حرجة، إضافة إلى جميع الخلافات بين الآباء والأبناء أو الإخوة، وهي خدمة نسعى للترويج لها وتطويرها بشكل أوسع، لأن المجتمع بحاجة إلى مستشارين اجتماعيين يمثلون طرفاً ثالثاً ومحايداً وخبيراً يحافظ على خصوصيتهم، ولا يحوجهم للتوجه إلى جهات قانونية لحل النزاعات».

وتابعت: «الارتباط الأسري من أجمل خصائص مجتمعنا وثقافتنا العربية، ويضع التقاضي أو حل النزاعات الأسرية عبر جهات قانونية حواجز تطفئ جمال الارتباط الأسري، ومن هنا تأتي أهمية وجود البديل، لأن أي شخص طبيعي ومهما بلغت درجة تعليمه ونضجه قد يصل إلى طريق مسدود في بعض الأحيان مع شريك حياته أو أحد أقربائه، ربما نتيجة سوء تفاهم أو تقصير أو عناد، وهو ما يوجد حاجة ملحة لطرف ثالث مستقل لديه الخبرة، وقادر على تقديم المساعدة دون المساس بخصوصية العلاقة الأسرية».

وبينت السويدي: «تتكامل مهام الأقسام في إدارتنا، فإضافة إلى قسم التوافق الأسري، يوجد قسم المرأة والطفل والشباب الذي يشرف على مركز حماية الطفل التابع للهيئة، ويشرف أيضاً على الأحداث في المؤسسات الإصلاحية والعقابية، كما يوجد لدينا قسم الرعاية البديلة المسؤول عن رعاية الأطفال مجهولي النسب من خلال الأسرة البديلة، وبرنامج احتضان، وعدد من البرامج والمبادرات الأخرى. وتتم متابعة الحالة حسب متطلباتها من قبل القسم المختص الذي يتولى إدارة تحدياتها واحتياجاتها بشكل كامل، وتحويلها إلى جهات أخرى داخل الهيئة أو خارجها عند اللزوم، مع متابعة حثيثة لتطوراتها».

طرائق الإبلاغ

ويكون الإبلاغ عن الحالات عن طريق الخط الساخن الذي خصصته الهيئة لذلك، ويمكن أن يكون المبلغ هو الطفل نفسه أو أحد أقربائه أو طفلاً آخر أو العاملين في مدرسته أو في مركز صحي قام بزيارته، كما أن جزءاً من الحالات يرد إلى المركز عن طريق جهات ومؤسسات أخرى كشرطة دبي. وتلقى الخط الساخن لمركز حماية الطفل منذ بداية العام الجاري 667 اتصالاً، تنوعت بين شكاوى وبلاغات واستفسارات عن خدمات المركز واستشارات واقتراحات. وحسب إحصاءات المركز، فإن 20% من الحالات تحول إلى جهات الاختصاص كالمستشفيات أو المعالجين النفسيين، ويحوّل 70% من الحالات للمتابعة والزيارة الميدانية من قبل الاختصاصيين الاجتماعيين في المركز، وتغلق بعض الملفات لأسباب متنوعة تتعلق باستكمال الخدمة المطلوبة أو رغبة العميل.

واستقبل مركز حماية الطفل منذ مطلع العام الجاري 17 حالة رؤية يتم تنفيذها بشكل دوري، ويتعامل المركز مع التحديات المتعلقة بالرؤية التي قد تشمل عدم رغبة الأبناء في رؤية والدهم أو والدتهم، أو عدم قدرة منفذ الرؤية على التعامل مع الأطفال بشكل إيجابي، من خلال وضع خطة علاجية تأخذ بعين الاعتبار الجوانب النفسية لدى الأطفال والأساليب الأمثل للتعامل معهم.

تعليم فن الأبوة

قالت فاطمة الزعابي، رئيسة شعبة خدمات الأطفال والشباب، مديرة مركز حماية الطفل، إن توفير بيئة صحية للطفل، لا سيما خلال فترة تنفيذ الرؤية، يتطلب خطة محكمة يتعاون فيها جميع الأطراف، وعدم تعاون أحد الوالدين يفرض تحدياً إضافياً على الاختصاصي، غير أن مصلحة الطفل التي هي الهدف الرئيس للمركز، تدفعهم إلى إيجاد الحلول لكل التحديات.

وذكرت الزعابي أنها قبل بضعة أشهر واجهت حالة لطفلة تبلغ عامين، حصل والدها على حكم برؤيتها داخل المركز، وكان متمسكاً بحكمه، ويريد تنفيذه بحذافيره دون وعي بخصوصية عمر الطفلة، وضرورة تقبل خوفها من الأشخاص الجدد أو بعدها عن والدتها، وهو الأمر الذي أدى إلى انفجار الطفلة بالبكاء في لقائهما الأول.

وقالت الزعابي: «اضطررت إلى أداء دور الوسيط بين الأم والأب، فأنشأت علاقة جيدة مع الطفلة في وجود والدتها حتى باتت ترتاح لوجودي، وقمت بإعطاء الأب تدريبات حول أسلوب التعامل مع الطفل في هذا العمر، وكيفية لفت انتباهه والتحبب إليه، وحضرت لقاء الطفلة التالي مع والدها، إذ تمكن من إقناعها بنفسه بالتدريج، حتى زال لديها الشعور بالرهبة، واستقرت لدى الأب القناعة بأن علاقته مع الطفلة هي الأصل، وليس تنفيذ الحكم، كما باتت الأم أكثر سلاسة في التعامل مع موضوع الرؤية».

آفاق جديدة للأطفال الجانحين

وتتضمن خدمات إدارة التنمية الأسرية بهيئة تنمية المجتمع متابعة ظروف الأحداث المودعين في المؤسسات الإصلاحية والعقابية، وتوفير الدعم الاجتماعي والنفسي لهم. ومن واقع ما يترتب على توقيف أو حبس الطفل في هذه السن من تركه لدراسته، ومن ثم تأثر حتمي لمستقبل العملي والمهني، تعمل هيئة تنمية المجتمع مع محاكم دبي على تفعيل نص المادة (21) من قانون الأحداث الجانحين والمشردين (القانون الاتحادي رقم 9 لسنة 1976) الذي يشتمل على التدابير التي يمكن اتخاذها لمعاقبة الحدث بحسب القضية التي أوقف بها، ويسمح القانون بتدبير مهني، وهو نوع من أنواع خدمة المجتمع يمكن أن يشكّل بديلا عن الحبس أو الإيداع، إذ تعهد المحكمة في هذه الحالة بالحدث إلى مراكز التدريب المهني الحكومية أو أحد المصانع أو المتاجر أو المزارع التي تقبل تأهيله، وذلك كله لمدة لا تجاوز ثلاث سنين. ويتيح ذلك شغل وقت الحدث بشكل جيد، وتهذيب سلوكه ومراقبة أدائه، وكتابة تقارير للمحكمة حول تطورات حالته مع عدم انقطاعه عن الدراسة.

الاستشارات الزوجية والأسرية تبدد اليأس وتحوله إلى استقرار وسعادة

زواج جماعي ومعسكرات صيفية للناشئة، ودورات تــدريبية في فن التعامل الـــزوجي، وجانب وردي في عمل قسم التوافق الأسري في هيئة تنمية المجتمع، غير أن تحويل الألم والحزن والوحدة واليأس إلى سعادة واستقرار هو الأصعب والأجمل، ومنذ مطلع العام الجاري استقبل قسم الاستشارات الأسرية ما يزيد على 60 حالة خلافات أسرية، تم وضع خطط معالجة اجتماعية ومتابعة لها، وأحرزت نجاحاً لافتاً.

ويحمل القسم أهميته الخاصة من كونه يمنح بديلاً شرعياً ومقبولاً اجتماعياً لحل الخلافات الأسرية الخاصة، ولا يترك لدى أحد الأطراف حقداً على الطرف الذي لجأ إلى الاستشارة، لا سيما عندما يتعلق الأمر بخلافات بين الزوجين أو بين الآباء والأبناء.

وبينت ناعمة الشامسي، رئيسة قسم التوافق الأسري، أن معظم الخلافات الأسرية الـــتي تصل إلى الهيئة تكون على حافة الطـــلاق، ومن هنا يعد التعامل الحذر والمدروس معها هو الأمل الوحيد لإنقاذ الأسرة، وتحظى معظم الحالات باستجابة جيدة لخطة العلاج الاجتماعي التي تراعي خصوصية كل حالة.

أبرز قصص نجاح التوافق الأسري

واحدة من أبرز قصص النجاح التي حققها قسم التوافق الأسري خلال الأشهر الأخيرة، قصة زوجين لم يطلبا عون الهيئة في خلافات زوجية، لأن حياتهما تعاني رتابة كئيبة بلا خلافات.

قالت الشامسي: «قصدت الزوجة الهيئة، مستفسرةً عن بعض خدماتها التي لا علاقة لها بالخلافات الزوجية، وبين سطور كلماتها سمعت آهات مكبوتة، ورأيت حزناً يخفى على صاحبه، تحدثت إليها في كل شيء وعن كل شيء، لأصل لاحقاً إلى جوهر مشكلتها».

أكثر من 15 سنة يعيش الزوجان في منزل واحد كجيران، وكذلك بات أبناؤهما، لكل غرفته وحياته المستقلة، وحزنه ومشاعره المكبوتة، غاب عن بال الزوجة دورها الحقيقي في بيت تكون سكناً لصاحبه، وحضناً دافئاً لأفراده، وغيبت السنوات عن ذهن الزوج أن في بيته أنثى، فهو لا يرى غير مدير منزل يدبر الحياة اليومية.

وأضافت ناعمة الشامسي، رئيسة قسم التوافق الأسري: «أحياناً تكون المفاتيح بين يدينا ونتجاهلها أو نغفل عنها، نحتاج إلى طرف ثالث محب ومستقل، ليرينا مفاتيح سعادتنا التي نحن فعلاً قادرون على إدارتها، وهو ما فعلناه... أرشدنا السيدة إلى المفاتيح، وتلقينا بعد شهرين اتصالاً من زوجها ليقول: مرت سنوات وما عرفت أن في بيتي أنثى، كما كررت هي شكرها لنا وامتنانها لما قدمناه للم شملها مع زوجها الذي اصطحبها في شهر عسل جديد إلى دولة أوروبية».

هامش أوسع للطفولة

يشهد مركز حماية الطفل الذي افتتحته هيئة تنمية المجتمع خلال العام الماضي، إقبالاً كبيراً واهتماماً متزايداً من جميع شرائح المجتمع، للاستفادة من خدماته المتنوعة التي تشمل الاستشارات والمعالجة الاجتماعية للأطفال ممن تعرضوا للإساءة أو الاستغلال أو الإهمال، وللأطفال ممن هم عرضة للجنوح، كما يقدم خدمة تنفيذ أحكام الرؤية الصادرة عن المحاكم الشرعية بدبي.

وتلقى المركز منذ بداية العام الجاري حتى شهر أغسطس الماضي، 133 حالة، منها 39 حالة إساءة جسدية، و27 حالة إساءة جنسية، و18 حالة لأطفال عرضة للجنوح، و4 حالات إساءة معنوية، ونحو 20 حالة إهمال، فضلاً عن حالات إساءة أخرى قد ينتج عنها تأثير سلبي في الطفل على المدى البعيد إن لم تعالج.